Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
الأنبياءحقيقة الإسلامدراسات قرأنيةفيديوهات إسلاميةفيديوهات سياسيةمحمد

الباحثان نافع شابو و عادل حنالله .. اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشر

بداية تشكُّل الإسلام .. من هو محمد رسول الاسلام الحقيقي ؟

اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشر .. بداية تشكُّل الإسلام

للباحثان نافع شابو و عادل حنالله

نسجل هنا روابط الحلقات السابقة للقارء العزيز للرجوع اليها

(1)  (2)  (3)  (4)  (5) (6(7) (8) (9) (10) (11) (12) (13) (14)  (15) (16) (17) (18)

الباحثان نافع شابو و عادل حنالله .. اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشرنقدم هنا نظرية قابلة للفحص والتغيير بعد فحص ودراسة الكثير من الأبحاث الحديثة وهو مجهود يضاف إلى هذه الأبحاث كلبنة في كشف بدايات الإسلام الغامضة والقاء بعض الضوء عليها.

مقدمة

بعد ظهور المسيحية وهدم الهيكل اليهودي سنة 70 م انتشرت المسيحية في جميع ارجاء المسكونة،  فان “البشرى” التي أتى بها الرب يسوع المسيح ونشرها تلامذته، كان لها وقع عميق في نفوس البشر. وهذا ما دفع بجماعات متعددة لاستغلال خطابها ومحاولة الانفراد بها خاصة في فترة تاريخية مليئة بالحروب والاقتتال والخراب ،التي انتهت بتحطيم الهيكل وأصبح فيها الانسان يبحث عن معرفة الغاية والمعنى من كل هذه الأحداث الأليمة. وبدأت فكرة المنقذ والمخلص تظهر من جديد وسيتم افراغها من المعنى الذي تعطيه المسيحية ” للمسيح – يسوع ”   وتحريفها بحيث سيصبح المخلص ليس هو يسوع بنفسه وانما هو أي شخص يمكن أن يحل محله ويأخذ منصبه أو اسمه. هذه من أهم الظواهر التي نتجت عن الأحداث بعد صلب الرب يسوع المسيح وموته حتى ظهرت جماعات كثيرة تريد كل واحدة منها الاستحواذ على رسالته، معتبرة أن قراءتها لرسالته هي الصحيحة، وتتهم تلامذة المسيح بتزوير معناها الأصلي. مسلسل هذه التأويلات أدى الى ظهور مجموعتان ستستحوذان على المشهد التاريخي في تلك الفترة. المجموعة الثانية هي الاهم لأنها ترتبط جوهريا بنشأة الاسلام .

مثال ذلك العلوية النصيرية وشيعة علي والاثني عشرية التي تنتظر المهدي الذى هو في الحقيقة الرب يسوع المسيح. فهم يخلقون طبيعة المسيح في شخصيات اخري. وهنا نلقي نظرة على المجموعتين.  

& – المجموعة الأولى كانت مكونة من تيارات غنوصية والتي اعتنقت فكرة ان ” المعرفة ” هي طريق الخلاص. وقد حورت الرسالة الأصلية للمسيحية واعتقدوا ان عليهم ان يسعوا إلي “الخلاص الذاتي “:

” أنا مخلص نفسي. واعتبروا المسيح أول من فتح الباب للخلاص الذاتي .الفكرة الأساسية لهذا التصور هو أن الانسان ، عن طريق الغنوصية / المعرفة، يمكن الاتصال بالله بشكل مباشر ونتج عن هذه التأويلات تيارات غنوصية متعددة ومتشعبة ومتضاربة إلى حد التناحر والتصارع.”. 

& – المجموعة الثانية التي نتجت كانحراف وتحريف للمسيحية هي الحركة المسيانية الشمولية، التي كانت ترغب في تحقيق الخلاص الفوري والشامل ” الآن وعلى أرض الواقع “. وكانت تحلم بتحقيق وإقامة مملكة الله في الأرض. وهي فكرة نتجت عن تحريف رسالة الرب يسوع المسيح وبشرى تلاميذه. أنها تلقت وحياً أو لديها برنامجا يؤدي إلى الخلاص والسعادة ونهاية الشر والظلم ، ونتج عن ذلك قطيعة مع المسيحيين وما يبشرون به .لأن الرب يسوع المسيح وتلاميذه لم يضعوا برنامجاً أو وصفة سياسية لتحقيق مجتمع مثالي في هذه الحياة. ثم ان المسيح حين كان يبشر بالخلاص الجماعي كان يعني به عودته يوم البعث أي المجيء الثاني له،  وعلى المؤمنين أن يتهيؤوا لهذا الموعد.  وبالتالي فان الخلاص الذي تؤمن به يجب العمل من أجل تحقيقه وليس الانتظار إلى ما لا نهاية.

المجموعات المسيانية الأولى ظهرت مباشرة بعد تحطيم هيكل أورشليم، وهو الحدث الذي كان له بالغ الأثر على ايمان اليهود الذين عايشوا هذه الفاجعة. كان احباطهم كبيرا أمام عدم تدخل المسيح المنقذ لوقف مظاهر رجسة الخراب التي عمت، على الرغم من أن كل الظروف كانت مواتية لظهوره، وكان قد أعلن أنه سيأتي لإعادة بناء الهيكل. وبدأت تتساءل:

لماذا سيأتي المسيح يوم البعث ولا يأتي الآن وقد توفرت جميع الشروط لذلك؟ فالهيكل قد تم تحطيمه، كما تم ابعاد جميع الكهنة عنه، فماذا ينتظر؟ والرومان قد عاقبوا الثائرين، والسلطات الدينية استغلت الهيكل لإشباع رغباتها وتحقيق أغراضها الذاتية وصلبت يعقوب العادل وآخرين، فلماذا لا يأتي لإنقاذنا الآن ؟ 

لقد قُتل الكثير من العبرنيين (اليهود) خلال الحروب اليهودية الاولى، لكن معظمهم تمكن من الفرار والنجاة من الموت. كما أن الرومان في سنة 68 – 69 م قد سمحوا لليهود الذين لا يساندون الثوار، مغادرة أورشليم قبل الهجوم عليها. كان من بين هؤلاء، يهود من مختلف المناطق من اصبحوا مسيحيين، ولكن من هؤلاء من يؤمنون بالمسيا هاجروا جميعاً نحو الشمال في اتجاه هضبة الجولان في سوريا.   لقد تمكنت هذه الطائفة خلال اقامتها بسوريا من تطوير هذه العقيدة المسيانية وانفردت بها، وأصبحت في اللاحق من الزمن السبب الرئيسي في الأحداث الدموية المتتالية التي غيرت وجه التاريخ برمته. (1)

  تمكن المسيحيون الحقيقيون من العودة إلى أورشليم ونواحيها، في حين رفض آخرون العودة بصفة نهائية، فكانت لحظة الفراق والقطيعة النهائية للمسيحيين عن اليهود الذين فضلوا الحياة في المنفي، وأرجأوا حلم العودة إلى ” يوم الحساب. “.

لقد تطورت هذه الآمال لكي تعطي فيما بعد تصوراً أكثر عنفاً ووحشية ضد تعاليم المَسيحية ( وكان لايزال بعض تلاميذ المسيح على قيد الحياة آنذاك )  وتمركز التفكير في خطة حربية تتمحور في مجملها حول اعادة بناء الهيكل. لقد أصبح الخلاص ذو بعد شمولي يسعى الى الهيمنة على العالم بأسره ويفرض على الجميع بالقوة. أصحاب هذا التصور الحربي المقاتل للخلاص هم اليهود النصارى أو اليهود الناصريون

الباحثان نافع شابو و عادل حنالله .. اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشر& – اليهود – الناصريون، يعتبرون أنفسهم هم اليهود الحقيقيون، وهم الأتباع الحقيقيون للمسيح، وبالتالي فهم الورثة الشرعيون الحاملون لأعراف الدين اليهودي الحقيقي ولقوانين الآباء والأجداد، المحفوظة في الكتب المقدسة وفي التوراة على وجه الخصوص. كانوا يقدسون الهيكل بشكل فريد، على الرغم من أنه قد تحطم، كما يقدسون فكرة ” الأرض الموعودة – ارض الميعاد “، وفكرة العرق اليهودي الخالص، وفكرة ” الشعب المختار “، ويعتبرون أنفسهم أنهم هم المعنيون بهذا الآختيار الالهي لوحدهم على بقية المجموعات الأخرى. فهم يعتقدون أنهم اليهود الحقيقيون ويمثلون الامتداد الحقيقي للعرق اليهودي الصرف وتحقيق الخلاص الشمولي للعالم برمته بقوة السلاح وتحقيق مملكة الله على الأرض ،على عكس اليهود الفريسيين الذين قاموا بإصلاحات الفكر الحاخامي .

فهذه الجماعة من اليهود الناصريين كانوا يعتبرون أنفسهم هم المسيحيون الحقيقيون في مقابل أولئك الذين اتبعوا رسل المسيح، ولكن اليهود الناصريين يرفضون صلب وقتل المسيح وقيامته، كما أنهم ينكرون طبيعته الالهية . فهم يعتقدون أن المسيح رفع إلى السماء ولذلك فهم ينتظرون عودته من جديد انطلاقاً من تأويلات لما كتبه رفاق المسيح وتلاميذه، خاصة تلك التي تقول إن ” المسيح قام من بين الأموات ” وتعطيها معنى مادي وحربي، وتتصور عودته بشكل فعلي كقائد عسكري ليعيد بناء الهيكل على أرض الواقع.

كانوا يتهمون اليهود الذين اعتنقوا المسيحية بالانحراف عن تعاليم الرب يسوع المسيح الحقيقية لأنهم أخطأوا القراءة والتأويل. وكانوا يعتمدون في قداسهم على انجيل مَتى المكتوب باللغة الآرامية كباقي الكنائس الآشورية مع بعض التعديلات على نصوصه لكي تتلاءم مع أطروحاتهم وتوجهاتهم العقائدية. فلا يوجد في ” إنجيل متى ” ولا في الأناجيل الثلاثة الأخرى شيء يشير إلى عودة المسيح بهذا الشكل لإتمام العمل الذي بدأه قبل أن يرفع إلى السماء، خاصة فيما يتعلق بإعادة بناء الهيكل وقيادة جيش مُسلح من المؤمنين الحقيقيين ” المختارين ” لمحاربة وهزم قوى الشر، وخلاص العالم، واقامة مملكة الله العادلة، والسعادة الأبدية في الحياة الدنيا. (2)

ولكن بالنسبة للمسيحيين فكل ما ذكر في الأناجيل الأربعة، هو ” الرجاء المبارك ” في عودة مجيدة للرب يسوع المسيح، وهي ليست عودة مادية في هذا العالم، ولكن بشكل علوي لكي يتمكن الجميع من رؤيته . والفرق شاسع بين ما كان يدعو إليه المسيح وتلاميذه، وما آلت إليه تعاليم اليهودية الناصرية . كما تظهر عبارتهم التشابه القوي مع الشهادة عند المُسلمين.

خلال إقامة الناصريون ( النصارى في الإسلام ) في هضبة الجولان وبشمال حلب بسوريا، كانوا يعيشون في الهامش، كاختيار منهم لتجنب الناس غير الطاهرين النجسين غير المؤمنين. فكانوا بذلك يتقمصون عيش الشعب اليهودي خلال هجرته من بلاد مصر تحت قيادة موسى، ويعتبرون ذلك هجرة جديدة إلى الصحاري كمرحلة أولى يتم خلالها التطهر قبل العودة الى أرض الميعاد والدخول الى الهيكل. فامتنعوا عن شرب الخمر في انتظار عودة المسيح، واستبدل رهبانهم الخمر بالماء أثناء قداسهم. وهذه الممارسة ميزتهم عن المسيحيين، وهو ما اعتبرته الكنيسة المسيحية هرطقة من طرف الناصريين كما جاء ذلك على لسان القديس إكليمندس الإسكندري (2) 

الباحثان نافع شابو و عادل حنالله .. اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشركان هدفهم هو استرجاع أرض الميعاد ومدينة أورشليم المقدسة وتطهيرهما واعادة بناء الهيكل وبالتالي اداء المناسك الدينية اليهودية الأصيلة والحقيقية. وفي هذه الظروف ستكون كل الشروط جاهزة لعودة المسيح الذي سوف يقودهم بجيوشه لتطهير العالم من الشر والظلمات، وذلك رغما عنه إن اقتضت الضرورة ذلك . وأن العالم ينقسم الى فئتين:

  • فئة تعمل من أجل الخلاص، وفئة تعاكس هذا المشروع،
  • فئة الطاهرين تقابلها فئة كلها نجس. (وهذا ما نجدة في الإسلام دار الإسلام ودار الكفر.).

 ولذلك وجب محاربتهم. واعتقدوا ان النساء سبب للفتنة لأن بإمكانهن ان تستغوين المطهرين، وتتسببن في انحرافهم عن الطريق السوي ولذلك يجب مراقبتهن والحط من قيمتهن وهو ما نجده في الإسلام أيضا.

فنظروا لأنفسهم على انهم اطهار يعيشون في عالم غير طاهر يستدرجهم نحو النجاسة . إذن فهم يعتقدون ان العالم يتامر عليهم، وبالتالي يجب تطهيره .  وهذا يوطن في نفوسهم ما يعرف بانفصام الشخصية وعدم تقبل الواقع والعيش في عالم خيالي تعمل فيه هذه الأيديولوجيا على تكبيل معتنقيها، فتنتج عنهم سلوكيات مرضية تؤدي إلى العنف تجاه الآخرين. وهذه احد مميزات الدين الإسلامي أيضاً ..

اليهود الناصريون كان يسميهم المسيحيون بالأبيونيين ” التابعين للبدعة الأبيونية ” في القرون الميلادية الأولى، ومن أمثال ذلك القس ورقة بن نوفل وبحيرا الراهب .

بالإضافة إلى ذلك صدم النصارى من اليهود الحاخاميين لأنهم قاموا بإصلاحات في العقيدة وأضافوا إلى التلمود كتابات انسانية ورفعوا من شأنها الى درجة القدسية كالتوراة. وفي رأيهم فقد تجرأ هؤلاء الاصلاحيون وتجاوزوا كل الحدود. بل اضافوا وغيروا وحرفوا في هذه الكتب لكي يحجبوا كتباً أخرى قديمة تحتوي على نصوص تنذر بمجيء المسيح، ولذلك فهم بها كافرون. وهذه نفسها وجهة نظر المسلمين في المسيحيين.

بعد طرد الرومان اليهود من مدينة أورشليم، تمكن بعضهم من العودة إليها فيما بعد ، إلا أن معظمهم رحل  إلى بلاد فارس حيث كانت جاليتهم تشكل كتلة جد مهمة منذ القرن الثالث الميلادي ، كونت مقاطعة قوية كانت تمارس تأثيراً كبيراً على حكام الفرس وتدفعهم لمهاجمة الامبراطورية الرومانية، والهيمنة على الشرق الأوسط بكامله. في نفس هذه الفترة كانت الامبراطورية الرومانية قد اعتنقت الدين المسيحي بشكل كبير. كانت الطائفة اليهودية الناصرية ترى في هذا المشهد اقتتالاً بين منحرفين:

البيزنطيون المسيحيون من جهة، لأنهم مهرطقون في رأيهم،

واليهود الحاخاميون الذين يدفعون الفرس للحرب من جهة ثانية. وهذا في رأيهم دليل قاطع على أن الارادة الالهية تقود هؤلاء إلى الاقتتال والزوال لتفسح بذلك الطريق للطاهرين الحقيقيين للعودة المظفرة، أي عودة اليهود الناصريون إلى أرض الميعاد.

محاولات تحرير مدينة أورشليم

زنوبيا ملكة تدمر في سوريا ما بين سنة 269 - 272م.
زنوبيا ملكة تدمر في سوريا ما بين سنة 269 – 272م.                   

 قامت الطائفة اليهودية الناصرية بعدة محاولات لاسترجاع وتحرير مدينة أورشليم على الرغم من قلة المقاتلين في صفوفها. لا زال التاريخ يحتفظ بآثار هذه المحاولات، ومن بين أبرزها محاولة زنوبيا ملكة تدمر في سوريا ما بين سنة 269 – 272م. هذه الملكة استغلت ظروف الحرب التي أنهكت الامبراطوريتين الفارسية والرومانية على حد سواء، خاصة بعد هزيمة الامبراطور الروماني فاليريان أمام الفرس سنة 260م فدخلت في حرب ضد خلفه الامبراطور اورليان وهزمته حين حاول محاربتها وكبح جماحها. القصاصات التاريخية تخبرنا كيف تمكن أحد أفراد هذه الطائفة اليهودية الناصرية يدعى “بول دانتيوش/بول السيميساطي “، أن يستقطب ملكة تدمر عقائديا وكسبها لصالح قضية تحرير أورشليم. تتحدث وثائق تلك الفترة عن عملية تهويد الملكة زنوبيا من طرف هذه الطائفة الابيونية أو اليهودية الناصرية بينما استنكرت الكنيسة المسيحية المعاصرة لتلك الفترة الدعاية التي كان يقوم بها “بول السيميساطي وطردته من الكنيسة المسيحية بسبب هرطقته.

هذه المحاولة لاستقطاب ملكة وتجنيدها لاسترجاع الأرض باءت بالفشل، لكن الطائفة اليهودية استوعبت الدرس واستخلصت العبر ،وكَبر أملها في اعادة الكرة مرة ثانية لتحقيق الهدف، سيما إذا تمت الاستعانة بمقاتلين آخرين خاصة من جيرانهم العرب. فالعرب كانوا معروفين بقدراتهم القتالية العالية نظرا لسرعة حركتهم الحربية، ومعرفتهم الجيدة لساحات القتال قد تمكنهم من هزم القوات النظامية للإمبراطورية الرومانية. وهذا الاحتمال وارد، سيما وأن هناك تجارب قام بها الرومان لجلب مقاتلين عرب للقتال في صفوفهم وشرائهم بتعويضات مالية مغرية. فماذا لو تم جلبهم واستمالتهم بطرق أكثر اقناعاً وأعمق تأثيراً؟

ماذا لو تم ذلك عن طريق الاستقطاب العقائدي للعمل سوياً في إطار تحالف مذهبي قوي من أجل هدف واحد؟

صورة  1- صورة لوادي النصارى فى الوقت الحالي 2024
صورة  1- صورة لوادي النصارى فى الوقت الحالي 2025                                             

في القرن السادس الميلادي كانت المجموعة اليهودية الناصرية قد استقرت منذ مدة طويلة بسوريا. الحفريات الأركيولوجية والدراسات التاريخية تمكنت من معرفة الأماكن التي كان يستقر بها هؤلاء، كما أن الدراسات التي تتعلق بالأماكن تبين أن عدة أماكن سورية لازالت تحتفظ بآثار تواجد هذه الطائفة وتحمل أسماء تشير اليهم ولازالت مستعملة إلى يومنا هذا، كبلدة الناصرية ووادي النصارى وجبل النصيري وكلها تحيل الى الأماكن التي كانوا يتواجدون بها قديما. كما أن الحفريات التي أقيمت بهضبة الجولان خاصة بقرية “الفرَج” تظهر مدى تعايش هذه الطائفة مع القبائل العربية الرحل، وأن علاقاتهم لم تكن محصورة في إطار التبادل التجاري فحسب، بل كانت تمس العقائد، والطقوس، والعبادات والمناسك. طبعا في ظل هذا الظروف بدأت الطائفة الناصرية تتخلى تدريجياً عن بعض معتقداتها خاصة تلك التي تمنعهم من الاختلاط بالأجناس الأخرى للاحتفاظ بالنقاء العرقي. كانت المصلحة العليا تقتضي ذلك من أجل اقناع القبائل العربية المجاورة لهم للدخول في عقيدتهم وتبني مشروعهم المسياني الهادف الى تحرير مدينة أورشليم و”أرض الميعاد.” (2)

لقد أصبح مبدأ النقاء العرقي أقل أهمية بالنظر إلى المشروع الأسمى، والأهم وهو تحرير أورشليم، سيما وأن الظروف الجيوسياسية لا تسمح بالمزيد في ضياع الوقت. فالنقاش في هذه المواضيع أصبح ثانوياً مقارنة بالهدف الأسمى، فضعف الامبراطورية البيزنطية يستعجل المرور الى مرحلة الانقضاض عليها وتقويضها. فلن تفوت الطائفة اليهودية الناصرية هذه الفرصة التاريخية لأن كل الظروف مواتية تماما للقيام بذلك.

كانت القبائل العربية آنذاك حديثة العهد باعتناق المسيحية، في القرن 5  و6 الميلادي، وليست لديها رؤية واضحة ودقيقة بخصوص أرض الميعاد، فقط بدأت تتخلى عن بعض عاداتها القبيحة كالغزوات العشوائية التي تحكي عنها القصاصات التاريخية القديمة. من جهة أخرى كانت بيزنطة تعتمد على هذه القبائل العربية لمراقبة تراب الامبراطورية، كما كانت تستأجرهم كقوات مساعدة في حملاتها الحربية. من بين هذه القبائل العربية المتعددة التي أثارت الانتباه، تلك التي كانت تعيش في شمال سوريا على بعد 30 كلم في الشمال الشرقي لمدينة اللاذقية . في سنة 1920م كانت لاتزال بقايا وأنقاض ” مربط القوافل ” التي كانت تستقر بها القبائل العربية الرحل التي كانت تشتغل في مجال التجارة عبر القوافل. انها منطقة خاصة بقبائل قريش تسمى” خان قريش” أو مربط قوافل قريش. لا زالت الخرائط القديمة لسوريا تشهد على ذلك كتلك التي أنجزها الفرنسي “روني دوسو” سنة 1927م. معقل قبيلة قريش كان يحمل اسم ” خان القريشي ” الذي يتواجد بالقرب من النهر الذي يسمى النهر القريشي ، وهو لا يزال يحمل نفس الاسم إلى يومنا هذا.

قبيلة قريش كانت قبيلة شامية لا علاقة لها بمكة . السبب بسيط ،لأن مكة واصنامها وجاهليتها لم تكن موجودة عندما ظهر القرآن في بداية القرن السابع الميلادي . بالأضافة الى ذلك لايوجد في مكة الحالية اي اثار ولا بقايا لقبيلة قريش ولا لمكّة القديمة ولا بيوتها ولا معابدها ولا اصنامها في الجاهلية . هناك شهادات تاريخية مثلا : في عام 480 م كتب المؤرخ السرياني نصراي النصيبيني ، أنَّ قريش قبيلة عربية تعيش في الشام ، وأنّها كانت تقوم بغزواة على جيرانها وعلى القوافل في اطراف الصحراء السورية جنوب دمشق .

الباحثان نافع شابو و عادل حنالله .. اضاءات تاريخية في بداية الإسلام المبكر .. الجزء التاسع عشروتشير قصاصات نرسي دونيزيب التي تعود لسنة 485م أن قبائل قريش كانت متواجدة في الشرق قبل ان تستقر بشمال سوريا ، وتضيف أن الجميع كان يشتكي من وحشية الغزوات وأعمال السرقة التي كانت تقوم بها ومن الدمار الذي يخلفه القريشيين، ويصفها بأنها “أقبح وأفظع من المجاعة. اعتنقت هذه القبائل تعاليم الدين المسيحي فهذب سلوكها بعض الشيء فتمكنت من العمل بالتجارة خاصة تجارة الحرير، وبدأت تتعامل وفق أعراف التجارة ومبادئها، وهو ما يفسر استقرارها ومربط قوافلها بالقرب من ميناء اللاذقية. في نفس الوقت كان اعتناقهم للمسيحية فرصة لدخول الطائفة اليهودية الناصرية على الخط، حيث تمكنت من استقطابهم واستدراجهم عقائديا لفائدة ايديولوجيتهم. 

يمكن تلخيص الكيفية التي تمكنت بها الطائفة اليهودية الناصرية لكسب العرب لنصرة قضيتهم وتبني أطروحاتهم كالتالي :  “نحن الناصريون، يهود أبناء وحفدة ابراهيم من ابنه اسحاق، وأنتم العرب كذلك حفدة ابراهيم من ابنه اسماعيل. وبالتالي فنحن جميعا ننحدر من نفس الجد الموقر أبو الأنبياء والمؤسس الأول للدين الحق. نحن اذن أبناء العمومة، إننا اخوة وننتمي الى نفس المجموعة: لنفس الأمة، نشترك في الانتماء الى الدين الحق ونتبع نفس التعاليم المذكورة في التوراة التي أوحاها الله الى موسى التوراة كما احتفظ بها اليهود الناصريون، ( وهي مختلفة عما كان متداولا لدى اليهود الحاخاميين )، ونمتثل لتعاليم المسيح كما هي في الانجيل ( والانجيل عندهم بصيغة المفرد، للإشارة الى الإنجيل الأول، أي انجيل “ متى “، والتي أدخلوا عليه تغييرات كثيرة كما رأينا سابقا ) . وهذا يماثل تماما ما ذكره القران مشيراً إلى انجيل واحد.

واعتباراً لكل هذا، فان مشروع استرجاع الأرض الموعودة وتحرير أورشليم واعادة بناء الهيكل هو مشروعنا جميعا. وعليه فأنتم العرب ستبايعوننا نحن اليهود لأننا أبناء العمومة واخوتكم في الدين الحق وسنقودكم ونقوم جميعا بتخليص العالم بأسره. سنهيئ الظروف الضرورية لعودة المسيح الى الأرض ليحررها ويصبح قائدنا المسلح ويخلصها من الشر، وسنصبح من أصفيائه في مملكته الفاضلة: سنكون جنوده، نحن أبناء اسحاق وأنتم أبناء اسماعيل (2).

هذا هو خلاصة الطرح المسياني الواعد الذي قدمته الطائفة اليهودية الناصرية للعرب المبايعة ثم التحالف والانخراط التام في المشروع الذي كان جد مغري للعر ب، لأنهم من جهة سيصبحون من العرق النقي السامي يمكنهم من دخول مملكة المسيح، ومن جهة أخرى ستكون لهم مكافآت دنيوية كبيرة من الغنائم والسبايا خلال الحرب من أجل تحرير مدينة أورشليم المقدسة وأرض الميعاد. 

ولتحقيق هذا الهدف كان لابد من بلورة عملية الدعاية بإحكام، وهو ما دفع بهذه الطائفة التي كانت تتكلم اللغة السريانية – الآرامية فبسطوا كتبهم الدينية للعرب، ثم بعد ذلك تم تكوين المبشرين العرب اي ائمة، الأمر الذي استدعى ترجمة هذه النصوص الى اللغة العربية ليسهل تلقينها للعرب. وفي نفس الإطار أنتجوا كتابات وشروحات تشبه دلائل وملخصات لهم عن التوراة وإنجيلهم، ولعاداتهم وتقاليدهم، وشروط الطهارة والختان. (2)

 كانت الضرورة تستدعي وجود مذكرات مكتوبة، سيما وأن جل التعاليم كانت في تلك الفترة تعتمد على التلقين بالحفظ. هذه المذكرات الجديدة هي عبارة عن نصوص مترجمة باللغة العربية لفصول دينية سريانية من الكتب المقدسة كانت تستعملها هذه الطائفة في إقامة شعائرها العقائدية. كانت هذه المذكرات تحتوي على شروحات وتأويلات للنصوص الدينية، كما هو معمول به لدى المسيحيين. فهي تحتوي على مقتطفات مختارة من العهد القديم والعهد الجديد -كما تفهمه هذه الطائفة- وعلى الشعائر الدينية حسب التقويم اليهودي ، مثلا يوم السبت والأحد أيام عيد وعطلة.

 هذه المذكرات أو كتب العبادات يطلق عليها بالسريانية ” قرياناً ” وهي التي أعطت فيما بعد كلمة قرآن باللغة العربية. وانطلاقا من هذا تكونت مجموعة من الكتابات وخطب الوعظ وبعض التراتيل المقدسة تم تجميع بعضها في “مذكرات” [ ومن هنا جاء كلمة الذكر في القرآن ]  مكتوبة والتي صارت ذو أهمية بالغة فيما بعد. لقد كانت تحتوي أساسا على الدعاية للأيديولوجية الناصرية وكانت تستهدف بالنقد للعقيدة المسيحية لدى العرب حيث كانت تتهمهم بالشرك وتعتبر أن المسيحيين يجعلون لله شركاء، أي عقيدة التثليث.

المصادر

  1. 1. Ohlig, Karl Heinz. The Hidden Origins of Islam New Research Into Its Early History. New York : Prometheus Books, 2009.
  2. 2. Ohlig, اولاف. تلرجمة عزيز العساوى. Karl Heinz. التاريخ المخفى للاسلام. 2007.

3- نافع شابو: ” ألأسلام ألأول كان طائفة – نصرانية – الجزء الرابع القرآن يشهد على نصرانية الأسلام ألأول”، الحوار المتمدين،30/8/2018

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=610123

للمــــــــــــــزيد:

«السُم والعسل».. شبكات دعاة تستغل مساجد وجمعيات فى تفريخ الدواعش بمصر

مصر .. أدراج الرئيس الإرهابي الجاسوس محمد مرسي العياط على قائمة الإرهابيين رغم وفاته

الأبعاد السيكولوجية والسوسيولوجية للتطرف والإرهاب الإسلامي

مخاطر إقامة مجتمعات موازية في ألمانيا، مشروع الإخوان المسلمين!

فرنسا.. قيود جديدة على إستقدام أئمة المساجد، من أجل محاربة التطرف

بريطانيا.. هل نجحت فى تدريب الأئمة ومعالجة التطرف الإسلامي بها؟

جماعة الإخوان المُسلمين تستغل المجتمعات الإسلامية فى أوروبا

تنظيم “الإخوان المُسلمين” وخلق المجتمعات الموازية فى أوروبا.. التهديدات والمخاطر

أردوغان.. استغلال الجالية التركية لإهداف سياسية فى أوروبا

مخاطر إقامة مجتمعات موازية في ألمانيا، مشروع الإخوان المسلمين!

المقاتلون الأجانب العائدون إلى اوروبا، هل يساهمون فعلاً في نشر التطرف الإسلامي والإرهاب؟

الإستخبارات الألمانية تكشف خطر جماعة الإخوان المُسلمين على أراضيها

مخاطر التطرف الإسلامي مجتمعياً في أوروبا

هل نجحت جهود أوروبا فى محاربة التطرف الإسلامي العنيف؟

مكافحة الإرهاب في فرنسا.. سياسات وقوانين جديدة

كتاب “عشاق الموت” : سعيد شعيب وتوماس كويجن يقتحمان حصون التطرف في كندا

الإسلام عقيدة أيدولوجية أخطر من النازية والفاشية وعلى الجميع كشفها ومحاربتها – المقدمة

الإسلام عقيدة أيدولوجية أخطر من النازية والفاشية وعلى الجميع كشفها ومحاربتها جـ 1

الإسلام عقيدة أيدولوجية أخطر من النازية والفاشية وعلى الجميع كشفها ومحاربتها جـ 2

الإسلام عقيدة أيدولوجية أخطر من النازية والفاشية وعلى الجميع كشفها ومحاربتها جـ 3

Aisha Ahmad

رئيس تحرير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى