الإيمان المسيحيسؤالك له جواب

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون “ملطشة”؟

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون “ملطشة”؟

هل المسيحي يُفرط في حقوقه؟

هل دعانا السيد لكي نكون “ملطشة”؟

وتكون أموالنا مسلوبة بلا رادع؟

هل يمنعنا السيد من الدفاع عن أنفسنا؟

   د. إيهاب ألبرت

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون "ملطشة"؟   يقف كثيرون في حيرة أمام تعليم الرب يسوع في المعاملات مع من تختلف معهم أو من يهينوننا أو من يسلبوننا ويناصبونا العداء ولهذا نحتاج أن نقرأ هذا التعليم ونوضح أبعادة الخاصة.

   يقول السيد في الموعظة على الجبل: “سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا ومن أراد أن تخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا ومن سخرك ميلاً واحدًا، فاذهب معه اثنين.. من سألك فأعطه ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده” (مت5: 38-42).

   هل يمكننا تطبيق هذه التعاليم في أيامنا هذه.. هل من المعقول أن أعطي خدي الآخر لمن يلطمني.. هل من المعقول أضاعف العمل لمن يسخرني ويستعبدني، هل المسيحي يمكنه التخلي عن حقوقه وعن كرامته؟ هل مطلوب منا أن نتنازل عن أموالنا واستحقاقنا ونعيش مهانين؟

وللرد على هذه الأفكار لابد أن نوضح الحقائق الهامة والمعاني العميقة لهذه الآيات.

   أولاً: بالطبع لا يريدنا الله أن نعيش بلا كرامة وبلا حقوق، لأنه أتى لكي يعيد للإنسان حقه في الحياة الحقيقية.. لأن الخطية والعقاب الأبدي لها هي من أذلت الإنسان وأفقدته كرامته.. وأضاعت هيبته، فعار الشعوب الخطية (أم14 : 34 )، لكن الرب أتى لكي يعطي للإنسان حياة حقيقية وكرامة أبدية، فهو صاحب الوعد: “أما أنا فقد أتيت ليكون لهم حياة وليكون لهم أفضل” (يو10: 10).

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون "ملطشة"؟   ثانيًا: تحدث السيد في الموعظة على الجبل للكتبة والفريسيين ليصحح مفاهيم خاطئة ترسخت في أذهان الشعب باعتبارها قواعد وقوانين في ناموس موسى مع أنهم أساءوا فهمها كما أساءوا استخدامها. ولهذا قال: ” ا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل” (مت5: 17)، لهذا تكررت كلمات: “سمعتم أنه قيل.. أما أنا فأقول لكم”، في هذا الأصحاح (مت5) ست مرات ليوضح لهم أن الناموس قد وضع كقانون يحكم العلاقات بين الإنسان والله.. وبين الإنسان وأخيه الإنسان.. وأتى المسيح لا لينقض هذه القوانين بل ليضيف عليها بُعدًا اجتماعيًا جديدًا وهو “الحب” لقد أتى الرب يسوع برسالة الحب بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه الإنسان ويعلم بالحق. وفى الآيات محور دراستنا.. يقول إن الناموس قال: “عين بعين وسن بسن” (خر24 : 21) ، (لا 24 : 20) .. ولم يكن هذا القانون ليطبقه الناس بعضهم مع بعض لتطبيق شريعة الغابة والأخذ بالثأر، وليترك لكل إنسان لكي يثأر لنفسه.. بل على النقيض هذا القانون يستخدمه القضاة والحكام لكي يحكموا بالعدل بين الناس ليكون هذا رادعًا، لكي يحترم كل واحد أخاه ويحترم كرامته. فهذا قانون للحكام لتطبيقه وترسيخ العدل والمساواة.

   لكن أراد الرب يسوع أن يكمل هذا القانون ليضيف إليه بعدًا اجتماعيًا جديدًا.. أراد أن يكمل الناموس بإضافة جرعة مركزة من الحب على هذا القانون.. ليكون الحق والمساواة بين أفراد المجتمع متألقة بإعلانات الحب. الحب الصادق النقي الذي يحمل استعدادًا للتنازل عن الحقوق الشخصية بكل رضى وصفاء قلب في سبيل هدف واضح.. وهو ترسيخ قواعد الحب.. وقواعد الحب أقوى بكثير وأبقى من الزمن من حقوق الإنسان وقواعد المساواة.

ومن هنا نستطيع أن ندرك عمق الرسالة التي أراد يسوع أن يوصلها إلى الكتبة والفريسيين ومعلمي الناموس.. فوجود الناموس والقانون لم يستطع أن يمنع الجريمة ولم يمنح للمجتمع كل الحقوق والمساواة. فدعونا نضيف إليهم الحب والعطاء والبذل وهناك سنرى قوة أعظم تقود المجتمع إلى كرامة أفضل وحقوق المساواة أعظم، لكن بقانون الحب ويبدل قانون الانتقام بقانون أقوى وأبقى لا يقدر أحد أن يضعه إلا صاحبه.. الله محبة.

   رابعًا: كان الحديث عن القانون الذي يحكم العلاقات الشخصية بين أفراد المجتمع.. في الأسرة الوحدة.. وفي البيت الواحد.. وبين الجيران والأقرباء.. لكن بالطبع لم يكن هذا قانونًا يمكن استخدامه في الحروب أو الاعتداء على الغير عسكريًا.. أو في العلاقات بين الدول، لأن هذه تحكمها القوانين العسكرية.. وقد قاد الرب شعبه لكي يعيد لهم حريتهم المسلوبة وينصرهم على فرعون مصر الذي مات غارقًا في بحر سوف. كما أيضًا كان هناك يشوع كقائد للجيش في أيام موسى وقاد الحروب ضد أعدائه. فدعونا نستخدم كل حديث في مكانه دون تعميم. فالحروب لها قوانينها والاعتداءات العسكرية لها قواعدها.

  ما معنى “لا تقاوموا الشر” (مت 5: 39) ؟

   في الترجمات المبسطة “لا تقاوموا الأذى”، ولكنه يدعونا لكي نترفع عن مواجهة الشر بالشر مثله في العلاقات الاجتماعية.. لأن هذا يزيد من حدة الشر في المجتمع ويروج له. لكن لابد أن نواجهه بقوى أعظم منه وهذا ما يوضحه الرسول بولس: “لا تجازوا أحدًا عن شر بشر معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس. لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل اعطوا مكانًا للغضب لأنه مكتوب لي النقمة أنا أجازي يقول الرب. فإن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فاسقه. لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير” (رو12: 17-21) .

   ويسير الرسول بولس على ذات نهج سيده في مواجهة الشر، لهذا لابد أن نواجه الشر بالآتي:

–         لا نواجهه بالشر، لأن هذا يفسد العلاقات ويزيد الشر أكثر.

–         اترك الرب لكي يحكم بالعدل بين الناس وهو إله عادل، ففي انتقامك لنفسك تؤكد أن الله غير موجود، ليعيد إليك حقك.. بل سلم له.

–         كن مسالمًا لجميع الناس بقدر المستطاع وعلى قدر طاقتك وكأن الله يحترم حقوقك في الاحتمال والصبر على من حوالك.

–         إن قدمت الطعام والشراب لعدوك ستغلبه وتنتصر عليه أكثر جدًا من نصرتك عليه لو واجهته بالشر. فهناك قوة أعظم من الشر وهو الخير. هل جربت قوة العطاء والحب؟ فستجدها أقوى وأعظم من الانتقام والشر.

–       من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا (مت 5: 39) .

–       فهل هذا يعني أني أترك خدى لمن يلطمني وأصير ملطشة للكل واستكمالاً لما تحدثنا به عن مقاومة الشر بالخير يوضح السيد هنا قوة أعظم أيضًا لمقاومة الشر.

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون "ملطشة"؟–       إن كان ضرب الخد يهين المضروب، فهناك قوة أعظم من الأمانة هي قوة الثبات. وضبط النفس والاحتمال وقد مارس السيد هذه القوة مع صالبيه فشهد له الرسول بطرس: “الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضًا وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل” (1بط 2: 23) .

–       يوضح السيد أنك لابد أن تكون مستعدًا أن تهان في هذا العالم لأجل المسيح لكي تنال المجازاة الأبدية في السماويات.

   – قوة في احتمال الألم والثبات يدعمها هدف أساسي يسعى كل مؤمن بالرب يسوع لتحقيقه. والهدف الأساسي هو إرضاء الله أكثر من إرضاء النفس بالانتقام. كما أيضًا إعلان صورة المسيح وقوة الغفران التي هي أسمى وأعظم من قوة الجسد المادي. وهذا يصل بنا إلى الهدف الأعظم وهو ربح النفوس للمسيح “فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات” (مت 5: 16).

   وهذا ما فعله السيد الرب يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” (عب 12: 2) .

   لقد حسب الإهانات التي تعرض لها كلا شئ أمام هدف تحقيق خلاص الإنسان. فهل نضع أمامنا الهدف الأسمى وهو خلاص النفوس فلنترفع عن صغائر الانتقام والثأر بالكلمات واللطمات لنعلن محبة الله وغفرانه للبشر.

   هل هناك إنسان يمكنه أن يعيش هذه الكلمات؟ بالطبع فهذه دعوة شخصية خاصة لكي تعيش بحب المسيح ورابح للنفوس. لقد عاشها الرسل فقال الرسول بولس عن نفسه: “نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل يفترى علينا فنعظ” (1كو 4: 12)، “وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل المسيح” (أع 5: 41)، فهذه دعوة خاصة لمن يقدرها ويحملها على عاتقه قد تعني: “حول له الآخر أيضًا”، الاستعداد لتلقي ضربات وإهانات جديدة، لأن الإنسان المؤذي لن يتراجع عن طبيعته الغادرة، فاستعد لذلك.

   سؤال مهم.. هل يمنعنا السيد عن المطالبة بحقوقنا؟

أفكار مغلوطة عن الله.. هل دعانا الرب يسوع المسيح لكي نكون "ملطشة"؟   بالطبع لا.. فهو الذي أعطى لنا بفيض ما ليس لنا حق فيه.. الغفران والحياة الأبدية.. لهذا هو الذي بذل نفسه عنا لخلاص نفوسنا ليعيد إلينا مكاننا في الحياة الأفضل.. الحياة بكرامة وعفة ونتمتع بحقنا في المسيح بالفرح والسلام..

   ومع تسليمه نفسه لطالبيه ليتمم خلاصنا أتى واحد من الخدم ولطمه فعاتبه السيد قائلاً: “إن كنت قد تكلمت رديًا، فاشهد على الردى وإن حسنًا، فلماذا تضربني” (يو 18 : 23).

   وقد طالب الرسول بولس بحقه في أن لا يضربوه وهو يحمل الجنسية الرومانية: “أيجوز لكم أن تجلدوا إنسانًا رومانيًا غير مقضي عليه” (أع 22: 25).. بل ورفع دعواه إلى قيصر ليحاكم في بيت قيصر بروما.. ولهذا لم يمنعنا الرب يسوع عن المطالبة بالحقوق، لكن يحفزنا للترفع عن صغائر الانتقام والثأر الاجتماعي والإهانات المتبادلة، لنعيش بالحب والغفران “حسب طاقتكم” (رو12: 18).

   يعقب المفسر وليم آدي على هذه الآيات قائلاً: “يضع المسيح هنا مبدأ جوهريًا وهو أن أفضل طريقة لمقاومة شر العالم ليس بالمدافعة القوية بالقوة الجسدية.. لكن باحتماله بالحكمة المسيحية الروحية. فإن من يحتمل الظلم إكرامًا للمسيح.. ولأجل غايات روحية يظهر القوة الحقيقية للصبر والحكمة.. وليس هذا جبنًا أو ضعفًا.. فمن يبادر بالانتقام ممن أساءوا إليه ومحب للخصام والمجاهد في المطالبة بكل حقوقه الاجتماعية على الدوام دون أية اعتبارات أخرى، فهو يحمل روح العالم.. وقد يمدحه العالم لكن لم يمدحه المسيح، فإنه سيجازى بإكرام أبدي.

   فلابد أن تطالب بحقوقك.. ولابد أن تعيش بكرامة.. لكن ترفع عن الصغائر.. وأترك روح الانتقام والشر.. اغلب الشر بالخير، فالحب والغفران والعطاء هي أسلحة قوية في مواجهة من يبادر بالشر ضدك. وقد سبق تجربة هذه الأسلحة وهي أقوى من روح الانتقام والغضب والرد على الإساءة بمثلها. لنعلن رسالة المسيح وحبه وغفرانه.

آمين.

Magdios Alexandrian

رئيس مجلس إدارة الموقع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى