مجدي تادروس .. من هو آدم القرآني المَسجود له من كل الكائنات والمخلوقات الإلهية؟
هل في القرآن آدم واحد أم اثنان ؟ ومن هو آدم الذي أمر الله الملائكة والجن أن يسجدوا له ؟
آدم واحد أم اثنان؟ ومن هو آدم القرآني المسجود له من كل الكائنات والمخلوقات الإلهية ؟
مجدي تادروس
عنوان غريب كما يبدو لأول وهلة، نظراً إلى أن المُسلم يعتقد بان القرآن يتحدث عن آدم واحد.
بينما الكتاب المقدس بعهديه يتحدث عن آدمين، الأول ترابي من التراب والثاني من السماء وهو فوق الجميع. فأي الرأيين هو الصحيح؟..
وهل تحدث القرآن عن آدم الآخير السماوي المولود كما تحدث عن آدم الترابي المَخلوق من تراب ؟؟!!
في هذه الدراسة نستعرض ما يقوله القرآن وما يقوله الكتاب المقدس عن آدم الترابي المخلوق من التراب وآدم السماوي المولود من العذراء المطوبة، كلمة الله وروحاً من الله ألقاه في رحمها بطريقة عجز على فهمها العقول !!!
أولاً النصوص القرآنية التي تتكلم عن آدم على العموم:
تذكر نصوص القرآن عددا من صفات آدم. فتصف كيف خلق، ومن أي مادة خلق، وغرض الله من خلق آدم.
روى كاتب القرآن أن الله خلق آدم من طين:
حيث ورد في (سورة ص 38: 71-72): ” إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.
فامتثلت الملائكة لأمر الله ما عدا إبليس:
كما ورد في (سورة ص 38: 73-74؛ انظر أيضاً سورة البقرة 2: 6): ” فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.” .
وتفيد نصوص آخرى أن الله خلق آدم من تراب كما ورد في (سورة آل عمران 3 : 59)،
أو من صلصال من حمأ مسنون (سورة الحجر 15: 26).
أما كيفية خلق آدم فتبينها ثلاث نصوص:
بحسب النص الأول، خلقه الله بيديه، (سورة ص 38: 75): “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ” .
وبحسب النص الثاني، خلقه بكلمته (سورة آل عمران 3: 59): “إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.” ،
أما النص الثالث قال، أن الله خلقه بنفخة من روحه، (سورة ص 38: 72): ” فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.
تشير النصوص في (سورة ص 38: 71- 74) إلى أمرين حدثا بعدما خلق الله آدم، أولهما طاعة الملائكة لأمر الله، وثانيهما عصيان إبليس..
أولا، طاعة الملائكة، قبلما خلق الله آدم دعا الملائكة وأخبرهم عن عزمه على خلقه و أمرهم أن يقعوا له ساجدين..
وكما ورد في (سورة ص 38: 72) .. فامتثل الملائكة لأمر الله، “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ.”.. وفي (سورة ص 38: 73) وتشير نصوص أخرى إلى نفس الواقعة:
(سورة البقرة 2: 34؛ سورة الأعراف 7: 11؛ سورة الحجر 15: 28-29؛ سورة الأسراء 17: 61؛ سورة الكهف 18: 50؛ سورة طه 20: 116).
وأما عن طاعة الملائكة جديرة بالثناء. وهنا يتساءل المرء، أليس السجود جزءا من العبادة التي ينبغي أن تقدم لله وحده الذي يملك وحده صفتي الكمال والجلال؟
ثانيا، عصيان الشيطان (إبليس)،
وعلى الرغم أن النص أخبرنا أن الله قال للملائكة فقظ ولم يقول للجن المنتمي لهم إبليس، فبخلاف الملائكة، أبى إبليس أن يسجد لآدم، كما ورد بالنص الوارد في (سورة البقرة 2: 34): “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” وتشير نصوص أخرى إلى هذا الرفض، مثل (سورة الكهف 18: 50): “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.”.. ونظرا إلى أن إبليس كان من الجن، فهل كان ينبغي عليه أن يطيع أمر الله للملائكة؟
على أي حال لقد رفض إبليس أمر الله، فسأله الله عن سبب عدم إطاعته بالنص الوارد في (سورة الاعراف 7: 12): “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ”.. فسأله الله ثانية، في (سورة ص 38: 75 – 76):” قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِين؟ (75).. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)“.
إبليس يجادل الله
وبحسب النصوص القرآنية.. لقد مضى الشيطان في تطاولة على الذات الإلهية إلى أبعد من ذلك في مجادلته مع الله، وبحسب النص الوارد في (سورة ص 17: 62): ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا؟ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا”.
وهكذا قدم إبليس سببين لرفضه السجود لآدم.
أولهما، أصله المتفوق على آدم الطيني، لأنه هو مَخلوق من نار بينما خلق آدم من طين كما ورد في: (سورة الأعراف 7: 12)،
وثانيهما، ادعاؤه بأنه سوف يستولي على ذرية آدم ويضلهم، فيما لو قدر الله له أن يحيا إلى يوم القيامة كما ورد في:(سورة الجمعة 62 : 17)… وهذا الإدعاء يعني أنه أقوى من آدم وكل ذريته.
ومن الواضح أن سؤاله الساخر بشأن إكرام آدم يفترض ضمناً أنه اعتبر نفسه جديراً بسجود الملائكة له أكثر من جدارة آدم بذلك.
فوضع الله حداً لهذا الجدل فطرد إبليس من الجنة، وكما ورد في (سورة الأعراف 7 : 13): “قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ”.
المقصود بالسجود: ننتقل الآن إلى بحث مسألة سجود الملائكة لآدم.
قد يبدو هذا غريباً لكثير من القرّاء.. فكيف يأمر الله الملائكة بالسجود للمخلوق، في حين أن السجود جزء من العبادة الواجبة للخالق؟
هناك نصوص قرآنية تبين بوضوح أن الله ينهي عن عبادة المَخلوق أيا كان (سورة فصلت 41: 37): ” لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.”… لاحظ هنا أن السجود متصل بحكم طبيعته بالعبادة… فالسؤال الأساسي الآن هو: هل أمر الله الملائكة فعلاً أن يسجدوا لآدم؟… ليس هدف هذه الدراسة الدخول في تفاصيل الفقه الإسلامي لمعرفة مفهوم السجود… وإنما هدف الدراسة هو أن نستعرض بإيجاز وجهة النظر الإسلامية في تفسير معنى سجود الملائكة لآدم، بغية تفنيد حججهم بهذا الخصوص، وأن ننتقل بعد ذلك إلى تبيين حقيقة المسألة. وحقيقة المسألة هي أن الله قد أمر الملائكة بالسجود لذاك الذي يستحق السجود.
المفسرون المسلمون: يقول معظم المفسرين أن السجود المقدم لآدم لا يخص العبادة لكنه مجرد تعبير عن الأحترام والتعظيم.
ويستشهد بعضهم بأن السجود ليوسف الذي ذكره القرآن يشبه السجود لآدم، ويصح القول في تفسيرهما كليهما بأن ذلك السجود ليس عبادة ولكنه احترام وإكرام.
ومهما يكن من أمر فإن مسالة السجود ليوسف إنما تضيف مزيداً من التعقيد إلي المشكلة الأولى عوضاً عن حلها. ويمكنك الاطلاع على بحث مفصل لقصة يوسف وصلتها بمسألتي السجود والعبادة الوارد في:
http://answering-islam.org/Responses/Abualrub/twoadams_ss1.htm
هل الإكرام هو المقصود من السجود؟ يربط بعضهم سؤال الشيطان الساخر الذي توجه لله بقوله في (سورة الأسراء 17: 62): “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا.”.. وبين سؤال الله له في (سورة ص 38: 75): ” قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ.”… ويخلصون من ذلك الربط إلى القول إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم تكريماً له.
لكن مسألة إكرام آدم تطرح سؤالاً هاماً: لما كان خلق آدم عملاً قام به الله، فأي فضل لآدم في ذلك؟ وهل المنطق السليم يقضي بإعطاء الفضل للمخلوق أم للخالق الذي أبدعه؟ .. مهما يكن من الأمر فإن تفسير العلماء المُسلمين لهذا الأمر يبدو غير مقنع.
وماذا بخصوص المسيح؟
لقد أمتلك المسيح القرآني لبعض الصفات التي تجعله يتبوأ مكانة أسمى بكثير من مكانة آدم الترابي فأخبرنا النص القرآني الوارد في (سورة النساء 4: 171): “.. الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ …” .
وذكر جبريل في بشارته لمريم العذراء أنه سيكون لابنها مقام فريد في (سورة آل عمران 3 : 45): “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.”..
ويفسر البيضاوي الوجاهة في الدنيا بأنها تعني النبوة، أما الوجاهة في الآخرة فتعني الشفاعة.
كما أن المسيح لم يُخلق من تراب كآدم، بل كان من روح الله. وكذلك أعطاه الله وأمه مكانة فريدة،(سورة الإنبياء 21 : 91): “وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ.”.
وقد كان المسيح حقاً آية ورحمة للعالمين: في ولادته وحياته الخالية من الخطيئة وتعاليمه ومعجزاته، وفي الكيفية التي غادر بها هذا العالم وعاد إلى السماء حيث كان قبل تجسده ـ وهذه موضوعات سوف نتناولها بالتفصيل فيما بعد. فكل من يتأمل في هذه الحقائق يرى أن يسوع المسيح أجدر من آدم بالتكريم والسجود،
فلماذا لم يذكر القرآن أن الله أمر الملائكة بالسجود له؟
وخلاصة القول أننا لا نجد في القرآن ولا في كتابات المفسرين المُسلمين تفسيراً مقنعاً لسجود الملائكة لآدم… لذلك يلزمنا أن نطلع على ما قاله الكتاب المقدس عن آدم الترابي وعن آدم السماوي.
لقد كتب بولس الرسول رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس عام 55 للميلاد. ودافع فيها عن قيامة المسيح من الأموات. ولكي يدعم رأيه تحدث عن آدم الآول وعن آدم الأخير (رسالة كورنثوس الأولى 15: 45 -47): ” 45 صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً. 46 لَكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ. 47 الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ.“… إذاً بحسب الكتاب المقدس ليس هناك آدم واحد بل اثنان هناك: وهما يختلفان حسب تعليم الكتاب المقدس، من حيث الأصل والسيرة والمقام.
آدم الأول الترابي
يقول بولس الرسول في (رسالة كورنثوس الأولى 15: 47) عن آدم الأول أنه ” مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ”… وبالرجوع إلي البدايات في (سفر التكوين 1: 6 -7): ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَقَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ …. وَكَانَ كَذَلِكَ”… فكل الأشياء أوجدها الله بكلمته وكما ورد في: (مزمور 33: 6، 9؛ 145: 5؛ رسالة العبرانيين 11: 3)… ولكن الكتاب قال شيئا مختلفاً عن آدم… لقد خلق الله آدم بكيفية مختلفة (سفر التكوين 2: 7): “وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً.”… كان ذلك فضلاً من الله أصبغه على آدم، ولم يصبغه على باقي المُخلوقات… فآدم لم يأت إلى الوجود بأمر من الله، بل جاء بالآحرى بنفخة من الله، وهبته الحياة.
كذلك منحه الله ميزة عظيمة أخرى،(سفر التكوين 1: 27): ” فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ.”. وتتضمن “الصورة” صفات كالبر والقداسة (رسالة أفسس 4: 24) والمعرفة (رسالة كولوسي 1: 10). ثم في (سفر التكوين 2: 15):”َأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.”… أي أن الله عيّن آدم وكيلاً عنه. وأوصاه بأن يأكل من كل شجر الجنة عدا شجرة واحدة (سفر التكوين 2: 16-17): “وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: ” مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ.”.. وكان على آدم أن يطيع أمر الله. أما إذا خالف أمره، فسيكون عقابه الموت، أي أنه سوف يحرم من علاقته الروحية مع الله التي هي مصدر الحياة الحقيقية. فيموت روحيا، ومن ثم يموت جسدياً. وهكذا يعود إلى الأرض التي أخذ منها، كما قال له الله فيما بعد،في (سفر التكوين 3: 19): “لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ”.
واقتربت الحية (التي هي رمز إبليس والشيطان، راجع (سفر الرؤيا 20: 2)) من حواء محاولة تضليلها، وزعمت لها، بصورة غير مباشرة، أن الحقيقة هي بخلاف ما قاله الله لهما كما ورد في (سفر التكوين 3: 4- 5): ” لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّر.”.. وكم كانت الحقيقة بعيدة عما ادعاه الشيطان من أنهما سوف يصيران كالله! لقد خُدِعت حواء بادعاء إبليس وصدقت كذبه. فنظرت إلى الشجرة ثم اشتهت ثمرها، (سفر التكوين 3: 6): ” فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ.”. وانفتحت أعينهما، كما قال إبليس، ليس إلا لكي يبصرا حقيقة ما صارا إليه… وكما ورد في (سفر التكوين 3: 7) :”فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.”… لقد كانا من قبل يعيشان في الجنة سعيدين بوجودهما في حضرة الله غير خائفين، لا يعرفان أن يميزا بين الخير والشر؛ وإنما كانا في حالة من البراءة حتى أنهما في (سفر التكوين 2: 25): “َ كَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.”.. أما بعد أن عصيا أمر الله فقد خافا من مواجهة الله. لذلك عندما “سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ” .. كما ورد في (سفر التكوين 3: 8) هربا من وجهه،”فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ.”.
ولكن الله، الذي لا يخفى عليه شيء، رأى ما فعلا وعلم أنهما مختبآن، (سفر التكوين 3: 9، 10): “فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ: ’أَيْنَ أَنْتَ؟‘ فَقَالَ: ’سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ.”.
وعندما سأله الله عما إذا كان قد أكل من الشجرة، تهرب آدم من مسؤوليته. وبدلاً من الإقرار بذنبه ألقى باللوم على حواء كما ورد في: (سفر التكوين 3: 12). وبذلك عكر سلام العلاقة الزوجية بينه وبين امرأته. وحذت حواء حذو آدم، وبدلاً من الإقرار بذنبها ألقت باللوم على الحية.
وعاقب الله الحية (أي إبليس)، كما عاقب كلا من آدم وحواء.. (سفر التكوين 3: 14- 19). وتم طردهما من جنة عدن، (سفر التكوين 3: 23): “فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ.”.
إن أي محاولة للتقليل من شأن مخالفة آدم لأمر الله بأكله من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، إنما هي إغفال لدلالة تلك المخالفة. فلم يكن تصرف آدم مجرد سهو أو نسيان لوصية الله؛ إذ أنه من غير المحتمل أن ينسى آدم الوصية الوحيدة التي أوصاه الله بها وبيّن له نتيجة مخالفته. وبالإضافة إلى ذلك، لو نظر الله إلى عمله هذه النظرة لما طردهما من الجنة.. وكما قال الرب في (سفر هوشع ٧:٦): ” 7 وَلكِنَّهُمْ كَآدَمَ تَعَدَّوْا الْعَهْدَ. هُنَاكَ غَدَرُوا بِي.”… وخالف آدم أمر الله عامداً متعمداً وانقاد لرغبة امرأته حواء التي انقادت من قبله لخداع إبليس. لقد اقتنعت حواء بمزاعم إبليس وطمحت إلى أن تكون كالله، وأن تملك معرفة مماثلة لمعرفته… ومع أن آدم جارى حواء في أكلها من الثمرة، فإنه أيضًا عبر عن رغبة شريرة في أعماق نفسه. أراد آدم، أن يتجاوز مدى الحرية التي منحها الله له؛ وأراد أن تكون له حرية مطلقة… كان تصرف آدم عصيانا لأمر الله, وتمردا على سلطته. فلذلك سأله الله في (سفر التكوين 3: 11):” 11 هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟ “.
من الواضح إذًا أن آدم رفضَ أن يبقى في حالة البراءة، ورفض أن يسير في طريق الله. وسار بدلاً من ذلك في طريق الشر.
لكن عصيان آدم بدأ في الواقع، في اللحظة التي أصغت فيها حواء لصوت إبليس (وجاراها آدم في ذلك)، فشككت في صدق كلام الله وصدقت كذب الحية. لقد فضلت اتباع نصيحة الشيطان على اتباع أمر الله، وهكذا سارت حواء و سار آدم معها في طريق الشيطان، طريق العصيان والتمرد وما ترتب على ذلك من نتائج.
لم تقتصر نتيجة عصيان آدم عليه وحده. فقد جرّ اللعنة على الأرض التي سيعمل بها ويتعب فيها كل أيام حياته، حسبما قال الله له في (سفر التكوين 3: 17- 18): “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ.”. كما أن روح العصيان انتقلت إلى ذريته.. يتضح ذلك من حسد قايين لأخيه هابيل وغيرته منه، لأن الله قَبِل تقدمة أخيه هابيل دون تقدمته هو، مما جعل قلبه يمتلئ بالغيظ من جراء ذلك. ومع أن الله حذر قايين من الخطية التي كانت بانتظاره، لكنه أقدم على قتل أخيه .. أنظر (سفر التكوين 4: 3- 10).

وفي مقارنة بين آدم الترابي مصدر الموت لكل البشر وآدم السماوي مصدر الحياة لكل البشر، قال القديس بولس في (رسالة رومية 5 : 1 – 21): ” ١ فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ {آدم الأخير السماوي}، ٢ الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. ٣ وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، ٤ وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، ٥ وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا. ٦ لأَنَّ الْمَسِيحَ،{آدم الأخير السماوي} إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. ٧ فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. ٨ وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ {آدم الأخير السماوي} لأَجْلِنَا. ٩ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ {آدم الأخير السماوي} نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! ١٠ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ {آدم الأخير السماوي}، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ {آدم الأخير السماوي}! ١١ وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ {آدم الأخير السماوي}، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ. ١٢ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ {أدم الترابي} دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. ١٣ فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. ١٤ لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ {أدم الترابي} إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، {أدم الترابي} الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي. ١٥ وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ {أدم الترابي} مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ {آدم الأخير السماوي}، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ! ١٦ وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ {أدم الترابي} قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ {أدم الترابي} لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. ١٧ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ {أدم الترابي} قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ! {آدم الأخير السماوي} ١٨ فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ {أدم الترابي} صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ {آدم الأخير السماوي} صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. ١٩ لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ {أدم الترابي} جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ {آدم الأخير السماوي} سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا. ٢٠ وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. ٢١ حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا {آدم الأخير السماوي}.“.
والخلاصة إن آدم الأول كان في علاقة طيبة مع الله؛ لكنه بسبب عصيانه خسر تلك العلاقة… أما آدم الآخير، أي الرب يسوع المسيح، فقد أرسله الله من السماء. وأطاع الله تماماً خلال حياته، ولذلك استطاع أن يعيد الانسان إلى علاقة طيبة مع الله.
آدم الأخير السماوي
جاء الرب يسوع المسيح من السماء. كتب يوحنا الحبيب أحد تلاميذ المسيح عنه في (أنجيل يوحنا 3: 31): “اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ.”… كذلك قال الرب يسوع المسيح لليهود في (أنجيل يوحنا 6: 38-39): “لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.”..
راجع أيضا 6: 41، 50، 51؛ وإنجيل يوحنا 3: 13).
لذلك كان الرب يسوع المسيح فريدًا في كل شيء، منذ بداية حياته على الأرض، حتى عودته إلى الآب في السماء، حيث كان قبل تجسده…
كان فريدا في وجوده السابق لولادته
ففي مجادلته مع اليهود، أشار الرب يسوع المسيح إلى وجوده الأزلي في (أنجيل يوحنا 8: 58): “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ ” . وكتب يوحنا عنه أيضاً في (أنجيل يوحنا 1: 1-3): ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.”. وفي صلاته لأجل تلاميذه، أشار يسوع إلى علاقته الخاصة بالله في (أنجيل يوحنا 17: 4-5): “أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.”..
نعم كان فريدًا في ولادته
لقد ولد الرب يسوع المسيح من عذراء دون أن تعرف رجلاً. إذ جاء الملاك جبرائيل إلى مريم العذراء، وبشرها بأنها ستحبل وتلد ابنا وتسميه يسوع وسيكون عظيماً (أنجيل لوقا 1: 26، 31 – 32)… وعندما استفسرت مندهشة عن كيفية حدوث ذلك أجابها الملاك في (أنجيل لوقا 1: 35): “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ ،وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ ، فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. “.
نعم كان فريدًا في حياته. لقد وُلِدَ كباقي البشر، ولكن بلا خطيئة، ونما وكبر فصار صبياً ثم فتى ثم رجلاً؛ وعمل في مهنة النجارة وعاش كباقي الناس، فأكل وشرب، وأحس بالجوع والتعب؛ وحزن وبكى؛ لكنه مع ذلك اختلف عن باقي الناس على نحو فريد.
كان يسوع فريداً في كلامه:
فلم يذهب إلى مدرسة دينية كباقي معلمي الشريعة ولكن معرفته كانت أفضل من معرفتهم. وكان بوسعه أن يجادلهم في مسائل الشريعة، (أنجيل يوحنا 7: 15-16): “فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: ’كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟‘ أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ:’تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي.”… وعنما أرسل رؤساء الكهنة خدامهم ليقبضوا على يسوع، لم ينفذ الخدام أمر رؤساء الكهنة، بل عادوا دون أن يقبضوا عليه، وقالوا لرؤساء الكهنة (أنجيل يوحنا 7: 46): “لَمْ يَتَكَلَّم ْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ !”.
وبينما كانت عادة معلمي الشريعة الرجوع والإسناد إلى من سبقهم من علماء الشريعة، كان الرب يسوع المسيح يتكلم بسلطانه هو دون حاجة إلى دعم من أحد. وعندما دخل المجمع في كفر ناحوم وصار يعلم، “َبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. ” (أنجيل مرقس 1: 22). أضف إلى ذلك أنه عندما كان يوضح مسائل الشريعة تجرأ على القول، “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ…. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ…” (أنجيل متى 5: 21-22، 27- 28، 31-32، 38-39، 43-44). في إحدى المناسبات حدّث يسوع تلاميذه عن نفسه بأنه ” الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ” (أنجيل يوحنا 6: 51)، وأنه الوسيلة لنوال الحياة الأبدية (أنجيل يوحنا 6: 54- 55). فتذمر كثيرون من تلاميذه من كلامه، لكن يسوع قال لهم مؤكدًا: “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (أنجيل يوحنا 6: 63).
نعم كان فريدا في سلطانه على المرض:
فشفى حماة بطرس المصابة بالحمى (أنجيل مرقس 1: 29- 31)، كما شفى أعمى منذ ولادته (أنجيل يوحنا 9: 1- 7 راجع أنجيل متى 9: 27- 29)، ورجلا مفلوجًا (أنجيل مرقس 2: 1- 12). وشفى أيضًا امرأة ظلت تعاني من نزف دمها اثنتي عشرة سنة (أنجيل مرقس 5: 25- 34)، وأبرأ رجلا أبرص (أنجيل متى 8: 2- 4 راجع أنجيل لوقا 17: 11-19). ولم تقتصر معجزات شفاء المرضى على أنحاء فلسطين فقط، بل أحضروا إليه السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة من جميع أنحاء سورية فشفاهم (أنجيل متى 4: 24).
كان له سلطان فريد على الأرواح النجسة:
فعندما زار بلدة كفرناحوم دخل المجمع وكان يعلّم. (أنجيل لوقا 4: 33-36):
“وَكَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً ’آهِ ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ ؟أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ !‘ فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: ’اخْرَسْ ! وَاخْرُجْ مِنْهُ !‘ فَصَرَعَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوَسْطِ وَخَرَجَ مِنْهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئاً. فَوَقَعَتْ دَهْشَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَكَانُوا يُخَاطِبُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ:’مَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ ؟لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ يَأْمُرُ الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتَخْرُجُ !‘”..
(قارن أنجيل مرقس 3: 11؛ 5: 1-13 ؛ 7: 25 ؛ 9: 25).
لقد استطاع بعض الأنبياء، كالنبي أليشع، عمل آيات وعجائب بعضها شبيه بمعجزات الرب يسوع المسيح.. أنظر (سفر ملوك الثاني 4: 1- 7؛ 4: 17- 35 ؛ 4: 42- 43)، لكن الرب يسوع المسيح لم يملك السلطان على شفاء المرضى وإخراج الأرواح النجسة وإحياء الموتى فحسب، بل منح هذا السلطان لتلاميذه أيضًا، أنظر (أنجيل متى 10: 1، 8؛ وانجيل مرقس 16: 17، 18). فأخضعوا الشياطين وشفوا مرضى كثيرين (أنجيل لوقا 10: 17؛ سفر أعمال الرسل 5: 16؛ سفر أعمال الرسل 8: 7).
وكان ليسوع سلطان فريد على أقامة الموتى
قال الرب يسوع المسيح إنه يعطي حياة. “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ.” (أنجيل يوحنا 5: 21). في مدينة نايين أقام من الموت شابا وحيدًا لأمه (أنجيل لوقا 7: 12- 15). وفي كفرناحوم استجاب لالتماس من أحد رؤساء المجمع لكي يشفي ابنته التي تحتضر. وعندما وصل يسوع إلى البيت وجد أن ابنة رئيس المجمع قد ماتت. لكنه شجع رئيس المجمع، ثم دخل البيت وأقام الفتاة الميتة (أنجيل مرقس 5: 35- 42). وفي بيت عنيا أقام لعازر من القبر بعدما مرت أربعة أيام على دفنه (أنجيل يوحنا 11: 38- 44).
بالإضافة إلى ذلك ادعى يسوع ما لم يدعه أحد سواه. إذ قال إنه يعطي حياة أبدية. ففي إشارته إلى الذين آمنوا به، قال: “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.” (أنجيل يوحنا 10: 27- 28).
وكان ليسوع سلطان فريد على الطبيعة
في مناسبتين منفصلتين أطعم يسوع جمعا غفيرا من كمية ضئيلة من الطعام. في المناسبة الأولى كان لدى التلاميذ سبعة أرغفة وقليل من السمك. “فأخذ السبع خبزات وشكر وكسر وأعطى تلاميذه ليقدموا فقدموا ثم أعطاهم من السمك فأكل الجمع وشبعوا وفضل عنهم سبع سلال من الكسر. وكان الآكلون نحو أربعة آلاف (أنجيل مرقس 8: 1- 9). وبمعجزة مشابهة أطعم خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، “فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءَةً، وَمِنَ السَّمَكِ.” (أنجيل مرقس 6: 42- 43 ؛ اقرأ أيضا أنجيل مرقس 8: 1-9 ؛ أنجيل لوقا 9: 11- 17؛ أنجيل يوحنا 6: 5- 13).
ذات مساء كان التلاميذ يبحرون على متن سفينة صيد في بحيرة طبرية ولم يكن يسوع معهم. واشتدت الريح وعلت الأمواج، “وَرَآهُمْ مُعَذَّبِينَ فِي الْجَذْفِ…” فمضى إليهم ماشيا على البحر. “فَلَمَّا رَأَوْهُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ ظَنُّوهُ خَيَالاً، فَصَرَخُوا. لأَنَّ الْجَمِيعَ رَأَوْهُ وَاضْطَرَبُوا. فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ وقَالَ لَهُمْ: ’ثِقُوا. أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا‘ فَصَعِدَ إِلَيْهِمْ إِلَى السَّفِينَةِ فَسَكَنَتِ الرِّيحُ فَبُهِتُوا، وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدّاً إِلَى الْغَايَةِ،” (أنجيل مرقس 6: 48 – 51).
وفي مناسبة أخرى عندما أبحروا في السفينة ويسوع معهم هاج البحر هياجًا شديداً حتى كادت السفينة تغرق. وكان الرب يسوع نائماً “فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: ’يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟‘ فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: ’اسْكُتْ! ابْكَمْ !‘ فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ’مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضاً وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!‘” (أنجيل مرقس 4: 38-41).
كان يسوع يعلم الغيب على نحو فريد
إن معرفة الغيب بصورة مطلقة صفة من صفات الله… إلا أن الإنجيل بيّن في عدة مناسبات أن يسوع أيضًا يعلم الغيب. فعندما جاء نثنائيل للقاء يسوع أول مرة قال له يسو ع: “قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ.” (أنجيل يوحنا 1: 48).
وقبلما شفى الرجل المفلوج قال له: “يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ.” (أنجيل مرقس 2: 5)، ففكر الكتبة (معلموا الشريعة) في قلوبهم أن يسوع، بقوله هذا، قد تكلم بتجاديف، لأنه انتحل لنفسه قدرة الله على غفران الخطايا. ومع أنهم لم يقولوا ذلك صراحة لكن “شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هَكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ” (أنجيل مرقس 2: 8، راجع أنجيل يوحنا 2: 24-25؛ أنجيل لوقا 24: 38).
وتجلت معرفته الفائقة هذه على الخصوص عندما تنبأ عن موته وقيامته، “مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ.” (أنجيل متى 16: 21 ، أنجيل مرقس 8: 31؛ ؛ أنجيل لوقا 9: 22). وقد حدث كل ذلك فعلا (أنجيل متى 26: 66-67؛ 27: 35؛ لاحظ أيضًا أنجيل متى 28: 5-6).
كان يسوع فريدا من حيث أنه لم يرتكب خطيئة قط
قال الرب يسوع إنه كان يعمل إرادة الله دائماً (أنجيل يوحنا 8: 29)… وهذا ما أكدته شهادة الآب عن يسوع عندما عمده يوحنا في نهر الأردن (أنجيل متى 3: 17). وعندما كان الرب يسوع مع تلاميذه على جبل التجلي حيث قال الله عنه: “هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا” (أنجيل متى 17: 1-5؛ راجع ؤ رسالة بطرس الثانية 1: 16-18).
وعندما تحدى يسوعُ خصومَه من اليهود بقوله، “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ ” (أنجيل يوحنا 8: 46)، لم يجرؤ أحد من الخصوم على أن يرد على هذا التحدي.
وحتى أثناء محاكمة يسوع من قبل بيلاطس الحاكم الروماني، لم تثبت صحة أي من الشكاوى التي قدمها رؤساء الكهنة والجموع ضد يسوع، مما جعل بيلاطس يقول لرؤساء الكهنة واليهود:”إنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هَذَا الإِنْسَانِ.” (أنجيل لوقا 23: 4).
كان للرب يسوع سلطان فريد أن يغفر الخطايا
فعندما أُحضِر إليه مفلوج ليشفيه (كما ذكرنا سابقًا)، قال له يسوع: “يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ.”. ففكر رجال الدين الحاضرون أن يسوع يجدف، لأنه ادعى سلطانا لا يملكه إلا الله. لكن يسوع بين لهم بوضوح أن له سلطانا أن يغفر الخطايا. ثم شفى الرجل المفلوج. وجاء شفاء المفلوج دليلا على صحة ادعاء يسوع (أنجيل مرقس 2: 1-12).
ليسوع سلطان فريد أعطاه الله له فهو الحَكَمُ في يوم الدين
نظرا إلى أن يسوع عاش على هذه الأرض بلا خطيئة لذلك أعطاه الله سلطانا فريدا لا يملكه إلا الله وهو سلطان الدينونة. قال يسوع: “لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ، … وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ.” (أنجيل يوحنا 5: 22، 27).
كان يسوع فريداً في الانتصار على الشيطان
بعد معمودية يسوع اقتيد بالروح القدس مدة أربعين يوماً وهو يجرب من إبليس. وقد رويت بالتفصيل ثلاث تجارب فقط. كان غرض إبليس خلال تلك التجارب، مشابها لغرضه عندما جرب حواء وآدم، أي أن يزرع بذور الشك في ذهن يسوع، بشأن هويته وبشأن إرادة أبيه السماوي، لكي يحرفه عن طريق الله (أنجيل لوقا 4: 3، 6-7؛ 9-10). لكن يسوع كان يعي مخططات الشيطان فرفض اقتراحاته المغرية، واستخدم كلمة الله كسلاح ضده ونجح في دحره (أنجيل لوقا 4: 4، 8، 12).
كان يسوع فريدا من حيث استحقاقه للسجود
كُتِبت نبؤة دانيال في القرن السادس قبل الميلاد. وجاء فيها أن النبي دانيال رأى ابنَ الانسان، أي الرب يسوعَ المسيح، وهو يُعبَدُ ويُسجَد له، من قبل كل الشعوب والأمم.. (سفر دانيال 7: 13-14): “كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.”..
لدى مولد الرب يسوع المسيح، قدم مجوس من الشرق وسجدوا له، كما ورد في (أنجيل متى 2: 1؛ 7-8؛ 10-11):”وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ:’أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ‘”… فدعا هيرودس المجوس سرا وتأكد منهم بشأن الوقت الذي ظهر فيه النجم، وأرسلهم إلى بيت لحم قائلا، “اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ.” … ” فَلَمَّا رَأَوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ.”.
كذلك سجد له تلاميذه . فبعدما أنقذ يسوعُ بطرسَ من الغرق في بحيرة طبرية، صعد يسوع وبطرس إلى السفينة فسكنت الريح. فسجد له الذين كانوا في السفينة، قائلين، “بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ!” (أنجيل متى 14: 32-33؛ راجع أيضا أنجيل متى 9: 18؛ أنجيل مرقس 5: 6؛ أنجيل لوقا 5: 8، 12؛ أنجيل يوحنا 9: 35-38).
وبعد قيامة يسوع من الموت، وقبل صعوده إلى السماء،. سجد له تلاميذه. يروي متى كيف ظهر يسوع لمريم المجدلية ومريم الأخرى اللتين جاءتا إلى القبر حيث جلس الملاك على بابه. وبعد أن نظرتا إلى الداخل، كما قال الملاك لهما ولم تشاهدا يسوع لأنه كان قد قام. “فَخَرَجَتَا سَرِيعاً مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ ،رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ. وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: ’سَلاَمٌ لَكُمَا‘. فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ.” (أنجيل متى 28: 8-9).
وحدث مع الأحد عشر الأمر نفسه، “وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ ،حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ ،وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا.” (أنجيل متى 28: 16-17).
في كل هذه الحالات لم يعترض يسوع على السجود المقدم له، أما بطرس، الذي لم يكن سوى مجرد انسان، فقد رفض بحزم السجود المقدم له من قبل كرنيليوس. “وَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ اسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَجَدَ وَاقِعاً عَلَى قَدَمَيْهِ. فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلاً: ’قُمْ أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ‘ (سفر أعمال الرسل 10: 25-26).
كان الرب يسوع المسيح فريدًا من حيث نهاية حياته على الأرض
كان ليسوع سلطان على حياته، (أنجيل يوحنا 10: 17- 18). فعندما أراد اليهود أن يجعلوه ملكًا رفض ذلك “وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً، انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ..” (أنجيل يوحنا 6: 15) وفي مناسبة أخرى استاء الحاضرون في مجمع الناصرة من تعليمه، ولذلك أخرجوه خارج المدينة وأرادوا أن يطرحوه إلى أسفل الجبل، ولكنه “َجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى.” (أنجيل لوقا 4: 29-30).
ولكن يسوع تصرف بطريقة مختلفة تماما عندما جاء الجند وخدام رؤساء الكهنة والفريسيين ليقبضوا عليه كما سبق وأنبأ تلاميذه
(أنجيل يوحنا 18: 4- 8) :” فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: ’مَنْ تَطْلُبُونَ؟‘ أَجَابُوهُ: ’يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ‘. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ’أَنَا هُوَ‘. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: ’إِنِّي أَنَا هُوَ‘، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: ’مَنْ تَطْلُبُونَ؟‘ فَقَالُوا: ’يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ‘. أَجَابَ: ’قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ [التلاميذ] يَذْهَبُونَ.‘ .
واستل بطرس سيفه، وقطع أذن عبد رئيس الكهنة. (أنجيل يوحنا 18: 10) لكن يسوع قال له: “رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ.” (أنجيل متى 26: 52) و”َلَمَسَ أُذْنَهُ [أُذْنَ الْعَبْدِ] وَأَبْرَأَهَا.” (أنجيل لوقا 22: 51) وتابع مخاطبا بطرس: “أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟” (أنجيل متى 26: 53- 54).
كان موت يسوع إتماما للنبوات على نحو فريد. إن أحد الكتب التي كان يسوع يشير إليها هو كتاب إشعياء النبي (وتاريخ كتابته حوالى عام 600 ق.م). ويتحدث الاصحاح 53 من ذلك الكتاب عن دلالة وأهمية موت المسيح:
كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ.
وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. (سفر أشعياء 53: 6، 11).
وعلى غرار ذلك ما قاله بطرس الرسول أيضًا عن الرب يسوع في (رسالة بطرس الأولى 2: 22): “الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ.” . لقد أراد يسوع البار، بدافع محبته الفائقة، أن يأخذ مكان الخطاة متحملا قصاصهم على الصليب، كما قال إشعياء النبي قي (سفر أشعياء 53: 12): “… سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.”.
بعد أن سمع قائد المائة الروماني ومن معه كلمات يسوع على الصليب، ورأوا الظلمة تغطي الأرض (عند الظهر) وشاهدوا الزلزلة، خافوا جدا وقالوا: “حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ!” (أنجيل متى 27: 54).
انتصار الرب يسوع المجيد كان فريداً
إن نهاية حياة كل إنسان على هذه الأرض هي الموت ثم القبر. لكن نهاية الرب يسوع المسيح كانت مختلفة، فلم يبق في القبر بل قام. بالحقيقة إن نبوءة إشعياء بموت المسيح، أشارت أيضا إلى قيامته… (سفر أشعياء 53: 10): ” أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ.”.
جدير بالانتباه أن الرب يسوع المسيح الذي جعل نفسه ذبيحة إثم سوف يرى نسلاً تطول أيامه. ألا يعنى هذا أن الرب يسوع المسيح لن يقوم فحسب بل أنه أيضا سيبقى إلى الأبد(سفر الرؤيا 1: 18), وأن من يؤمن بيسوع سيحيا حياة أبدية مع يسوع؟ (أنجيل يوحنا 17: 24)…
ففي فجر يوم الأحد جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر فشاهدتا الملاك الذي كان قد دحرج الحجر عن باب القبر جالساً عليه. فقال لهما: “لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ هَهُنَا, لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ.” (أنجيل متى 28: 5- 6؛ قارن أنجيل متى 16: 21). وبعد قيامته ظهر لتلاميذه مرارًا على مدى أربعين يوما (سفر أعمال الرسل 1: 3) . ثم صعد إلى السماء (سفر أعمال الرسل 1: 9-11).
مقارنة بين آدم الأول وآدم الأخير
بعد استعراض صفات آدم الأول وآدم الأخير (الرب يسوع المسيح) فإن مقارنة سريعة بينهما تبين من منهما يستحق أن تسجد له الملائكة.
& – آدم الأول جبل من التراب؛ أما آدم الأخير فهو الرب من السماء.
& – حياة آدم الأول كانت لها بداية ونهاية. أما آدم الأخير فكان منذ الأزل لأنه الكلمة، ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ.”(أنجيل يوحنا 1: 1-3)؛ وهو الآن حي إلى أبد الآبدين.
& – (رسالة العبرانيين 7: 24، 25): ” وَأَمَّا هَذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ.”.
& – آدم الآول خُدِعَِ من قبل إبليس، وتبع مشورته. أما آدم الأخير فقد ميز خطط إبليس وأبى أن يتبع اقتراحاته المغرية.
& – آدم الترابي خالف وصية الله وحرم من علاقته مع الله. ولكن آدم السماوي عاش بانسجام تام مع إرادة الله وكان الله معه دائما (أنجيل يوحنا 8: 29؛ راجع أنجيل متى 3: 17؛ 17: 5).
الخلاصة:
آدم الأول جُبِل من التراب وأخطأ ومات وعاد إلى التراب.
أما آدم الأخير الرب يسوع المسيح فنزل من السماء وعاش على الأرض بجسد بشري، خال من الخطية، ومات. لكنه قام من الموت وصعد بجسده المقام إلى السماء. وهو الآن مع الله.
بإنسان واحد، أي آدم الترابي، دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت أما آدم الأخير فهو القدوس البار الذي يخلصنا من الخطيئة.
لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اللهِ وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ! … لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ [آدم الأول] جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ [آدم الأخير] سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً. (رسالة رومية 5: 15 , 19).
أراد آدم الأول الترابي، أن يصبح معادلاً لله وأن يتحرر من سلطانه. أما آدم الأخير، الرب من السماء، الذي كان بطبيعته معادلاً لله باعتباره ابن الله الأزلي، فقد أخلى نفسه وأخذ هيئة بشرية وخضع لسلطان الله خضوعا تاما.
تفوق الرب يسوع المسيح
كانت طاعة المسيح كاملة في كل شيء وفي كل وقت. لكنها بلغت غايتها العظمى عندما قبل يسوع أن يموت على الصليب، لا لخطيئة فعلها بل بسبب خطايا البشر. وبذلك أكمل يسوع عمل الفداء الذي قصده الله منذ الأزل، فخلص الإنسان من عقاب الخطية وسلطانها. كما خلصه أيضًا من سلطان إبليس. وقد بين بولس الرسول أهمية طاعة يسوع بنظر الله في رسالته إلى كنيسة فيليبي في (رسالة فيليبي 2: 5-11): ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً، الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ.وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.”.
إن الاسم في الكتاب المقدس يعنى الشخص ذاته وما يستطيع أن يعمله. ولذلك فإن إعطاء الله ليسوع اسما فوق كل اسم يعني أنه جعل مقامه فوق الجميع في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض. ولهذا فهو يستحق أن تجثو له كل ركبة، ليس بمعنى الاحترام أو التعظيم بل بمعنى العبادة التي تقدم لله. وليس هذا بمستغرب لأنه منذ الأزل كان معادلاً لله.
ويتحدث الاصحاح الأول من الرسالة إلى العبرانيين عن نفس الموضوع. فهو يبيّن مركز المسيح ابن الله وكلمة الله، إذ أنه قدم نفسه ذبيحة لله ليطهرنا من خطايانا:
اَللهُ، … بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ الَّذِي ….بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. (رسالة العبرانيين 1: 1- 4).
هذا النص يبين أن الاسم الذي ورثه الرب يسوع المسيح أو الذي منحه له الله بسبب طاعته حتى الموت، موت الصليب، هو اسم أفضل من الملائكة. لذا يستحق أن تسجد له الملائكة بل أن تعبده. هنا ينجلي الغموض الذي واجهناه في مطلع هذا البحث، ونفهم تماما قول الله عن الابن:
مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ [آدم الأخير] إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:
“وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ.” (رسالة العبرانيين 1: 6).
لقد أُمرت الملائكة بالسجود للمسيح. وكذلك سوف تتعبد له أيضا كل الشعوب والأمم والألسنة بحكم ما أعطي له من سلطان ومجد.
وماذا بشأن حواء؟
هناك سؤال هام آخر:
هل كان آدم المخلوق الوحيد الذي خلقه الله بيديه؟
وهل خلقت حواء بكلمة الله كباقي الخلائق، من حيوانات ونباتات؟
وما الذي يقوله القرآن عن خلق حواء؟
من الغرابة بمكان أن القرآن لا يخبر كيف خلقت حواء ولا يذكر حتى اسمها، لكنه يذكر فقط ان الله خلقها وكما ورد في (سورة الأعراف 7: 189): “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ “.
وفي (سورة النحل 16 : 72):”وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ.”.
وأيضاً في (سورة الروم 30: 21): “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.”… وأيضاً في (سورة الزمر 39: 6): “خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا.”.
وفي (سورة النساء 4: 1):”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.” .
يذكر الطبري في تفسيره للنص الوارد في (سورة النساء 4: 1): “وخلق منها زوجها”، يَعْنِي أن حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ آدَم , مِنْ ضِلْع مِنْ أَضْلَاعه .
6703 – حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ, قَالَ: ’أُسْكِنَ آدَم الْجَنَّة, فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحِشًا لَيْسَ لَهُ زَوْج يَسْكُن إِلَيْهَا; فَنَامَ نَوْمَة, فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْد رَأْسه اِمْرَأَة قَاعِدَة خَلَقَهَا اللَّه مِنْ ضِلْعه, فَسَأَلَهَا مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ اِمْرَأَة, قَالَ: وَلِمَ خُلِقْت ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُن إِلَيّ‘.َ
ثمة شبه بين سبب خلق حواء، كما يدل جوابها لآدم وهو (لتسكن إلي) وبين ما نقرأه في التوراة في (سفر التكوين 2: 18): “وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ:’لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ‘.” .
– 6704 حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ: ثنا سَلَمَة, عَنْ اِبْن إِسْحَاق, قَالَ: أُلْقِيَ عَلَى آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّنَة فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْل الْكِتَاب مِنْ أَهْل التَّوْرَاة وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْعِلْم, عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس وَغَيْره, ثُمَّ أَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعه مِنْ شِقّه الْأَيْسَر, وَلَأَمَ مَكَانه, وَآدَم نَائِم لَمْ يَهُبّ مِنْ نَوْمَته. حَتَّى خَلَقَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ ضِلْعه تِلْكَ زَوْجَته حَوَّاء, فَسَوَّاهَا اِمْرَأَة لِيَسْكُن إِلَيْهَا, فَلَمَّا كُشِفَتْ عَنْهُ السِّنَة وَهَبَّ مِنْ نَوْمَته رَآهَا إِلَى جَنْبه, فَقَالَ فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّه أَعْلَم: لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي! فَسَكَنَ إِلَيْهَا.
التفسير الأخير يكاد يكون اقتباسا عن قصة خلق حواء كما وردت بالتوراة في (سفر التكوين 2: 21-23): ” فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْماً. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: “هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ.”.
يتضح إذا من التوراة ومن تفسير الطبري أن حواء خلقت بيدي الله كما خلق آدم. ونظرًا إلى أن الملائكة قد أُمِرتْ بالسجود لآدم لأن الله خلقه بكلتا يديه،
فلماذا لم تؤمر الملائكة بالسجود لحواء أيضا؟
الخلاصة:
أيها القارئ العزيز أمامك خياران:
فإما أن تكتفي بما قاله القرآن عن آدم الأول، أو أن تؤمن بما يقوله الكتاب المقدس عن آدم الأول وآدم الأخير.
تذكر أن “الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا.” (رسالة رومية 3: 23) وأن “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.” (رسالة رومية 6: 23). إن يسوع المسيح، الذي هو آدم الأخير، قد مات على الصليب ليخلص الخطاة. فكل من يومن به يخلص ولن يواجه العقاب الأبدي (أنجيل يوحنا 3: 16).
لذلك إذا آمنت بما يقوله الكتاب المقدس عن آدم الأخير، الذي جاء من السماء وأطاع الله طاعة تامة، ومات لأجل خطاياك، فإنك تنال الخلاص والحياة الأبدية. أضف إلى ذلك أنك ستنعم بالعلاقة الحميمة معه الآن وفي الأبدية.
نرحب بأسئلتكم حول هذا الموضوع.
ملحق:
هل يمكننا أن نثق بما يقوله الكتاب المقدس عن آدم الأول وآدم الأخير؟
ربما يعترض بعض القراء المسلمين على ما يقوم به الكتاب المقدس من توضيح أو تصحيح لمعلومات القرآن بهذا الخصوص لأنهم سمعوا من قبل الادعاء القائل أن الكتاب المقدس محرّف، ولا يمكن قبوله كمصدر موثوق لتوضيح وتصحيح ما ذكره القرآن بشأن آدم. سوف أقدم أولا ردًّا مختصرا على هذا الادعاء، ثم أتبع ذلك بحجة مفصلة تقدم الاقتباسات والشواهد اللازمة لدحضه.
أ – القرآن يشهد لصحة الكتاب المقدس.
يبين القرآن أن الله هو الذي أعطى الكتاب المقدس وشهد بصدق محتوياته، وكلف القرآن بالمحافظة عليه، بل إن الله ذاته هو كتب الكتاب المقدس. كذلك يحث القرآن المسلمين على الإيمان بالتوراة والإنجيل. وهذا يثبت ـ حتى من وجهة نظر القرآن ـ صحة الكتاب المقدس الذي كان معروفا في زمن محمد. كما يبين القرآن أن الله سيحفظ الكتاب المقدس المعروف آنذاك من أي تبديل.
.ب – يشهد التاريخ لصحة هذه الحقيقة.
إن جميع المخطوطات من القرن الرابع الميلادي تتضمن النصوص نفسها التي يتضمنها الكتاب المقدس اليوم في جميع أنحاء العالم.
خلاصة القول، نظراً إلى أن القرآن يشهد بصحة الكتاب المقدس، كما تشهد المخطوطات لاستمراريته دون تبديل فيه، فبوسع المسلمين أن يدرسوا الكتاب المقدس ويؤمنوا بما يقوله عن آدم الأول وآدم الأخير: آدم الذي من التراب وآدم الذي من السماء.
ونقدم فيما يلي الأدلة على البيانات السابقة.
أ. الحقيقة الأولى، صحة الكتاب المقدس
1. ألآيات القرآنية تشهد بصحة الكتاب المقدس
يتضمن القرآن عدداً من الآيات التي تشهد بصحة الكتاب المقدس، ومنها على سبيل المثال لا الحصر (سورة يونس 10 : 37):”وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.”.
فسر الطبري هذه النص بقوله: “يقول الله تعالى ’تصديق الذي بين يديه أي الكتب التي أعلنها الله لأنبيائه كالتوراة والإنجيل وبقية الكتب المعلنة لأنبيائه.‘ لاحظ أيضا الآيات القرآنية الأخرى التي تشير إلى نفس الحقيقة: (سورة البقرة 2 : 89، 91، 97؛ سورة الأنعام 6: 92؛ سورة فاطر 35: 31).
2. الله هو الذي أنزل (أوحى بِــــ ) التوراة والإنجيل
تبين الآية 3 من السورة 3 أن الله نفسه هو الذي أنزل (أوحى بــــــــ) التوراة والإنجيل كما أنزل القرآن، (سورة آل عمران 3: 3): “نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.” .
3. القرآن يحافظ على الكتاب المقدس
لقد أعلن الله أن مهمة القرآن هي أن يصدق الكتب التي سبقته ويحافظ عليها ( سورة المائدة 5 : 48): “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ…”.. وجاء في تفسير الطبري للنص: أنزلنا إليك الكتاب، يا محمد، مصدقا للكتب التي سبقته وشاهدا بأنها الحق من عند الله، ومحافظا عليها بأمانة.
4. القرآن يؤكد أهمية محتوى التوراة
جاء في السورة 5 أي المائدة أن الله أنزل التوراة، (سورة المائدة 5: 44): ” إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ…”.. وجاء في تفسير الطبري للتص ف 9387: عندما جاء الناس إلى محمد ليستشيروه بشأن القصاص الذي يجب أن يوقعوه بزوجين يهوديين ارتكبا الزنى، قال: “أنني أحكم بما جاء في التوراة”.
5. القرآن يؤكد أهمية الإنجيل
وكما ورد ي (سورة المائدة 5: 46):”وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ” .
6. كتب الله في التوراة وسفر المزامير (الزبور)
إن أقوى حجة قرآنية على صدق الكتاب المقدس واردة في السورة 21 (سورة الأنبياء 21: 105):” َلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.”.. بين هذا النص أن الله قد كتب هذين الكتابين، التوراة والمزامير. وبحسب تفسير الطبري 18806، الزبور في هذه الآية يعني مزامير داود؛ والذكر يعني توراة موسى (لاحظ الأعراف 7: 145؛ الأنبياء 21: 7).
من المهم أن نلاحظ أن عبارة “يرثها عبادي الصالحون” شبيهة بعبارة في كتاب المزامير، “وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ.” (مزمور 37: 9).
7. إن الله يأمر المُسلمين بأن يصرحوا بأنهم يؤمنون بما في التوراة والإنجيل:
وبحسب (سورة البقرة 2 : 136): “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.”.. وبحسب تفسير الطبري للنص، ’”ما أنزل إلى موسى وعيسى” إشارة إلى التوراة التي اعطاها الله لموسى والإنجيل الذي أعطاه الله لعيسى (يسوع).‘
ومما سبق نستنتج الأتي:
& – إن الكتاب المقدس الذي كان في زمن محمد أصيل وجدير بالتصديق.
& – جميع النصوص الواردة أعلاه تثبت أن الكتاب المقدس الذي كان في زمن محمد هو بحسب شهادة القرآن أصيل وجدير بالتصديق. ولم ينزّله الله فحسب بل وكتبه أيضاً.
& – ولكن هل الكتاب المقدس المعروف في زمن محمد هو الكتاب المقدس نفسه الموجود بين أيدينا اليوم؟ لكي نعرف الإجابة عن هذا السؤال نشير إلى دليلين: شهادة القرآن وشهادة المخطوطات.
& – القرآن يشهد بأن الله حفظ الكتاب المقدس
1- لا يستطيع أحد أن يبدل كلمات الله..
ثمة عدد من الآيات التي تبين أن أحدا ما لا يستطيع أن يبدل كلمات الله: “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ.” (سورة الأنعام 6: 34)؛
“وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (سورة الكهف 18 : 27)؛ “وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.” (سورة الأنعام 6 : 115) وفسر الطبري هذه الآية بقوله: لا مغيّر لما أخبر الله في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله.
2. الله يحفظ الذكر
توجد في السورة 21 {الأنبياء} آية على قدر كبير من الأهمية: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.” (سورة الحجر 15: 9) كلمة “الذِّكر” لا تعنى القرآن حصرًا (سورة النحل 16 : 43،44)، بل تشمل التوراة والإنجيل أيضا، كما يتضح من (سورة الأنبياء 21: 7)، “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.” (سورة الأنبياء 21: 7) وبحسب تفسير الطبري 18471، فإن “أهل الذكر هم أهل التوراة والإنجيل.”..
3. أضف إلى ذلك أن أهل الذكر (التوراة والإنجيل) جديرون بالثقة.
يوجد حث للمؤمنين كي يسألوا أهل الذكر (التوراة والإنجيل بحسب تفسير الطبري 16313) “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ (التوراة والإنجيل) إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.” (سورة النحل 16 : 43) فلو كان الكتاب (التوراة والإنجيل) في زمن محمد محرَّفا لما أمر القرآنُ المؤمنين بأن يسألوا أهل الكتاب.
4. لم يحدث تبديل في الكتاب المقدس
لم يُشِرْ القرآن إلى أي تبديل في الكتاب المقدس. ولولا ذلك لما حث أهل الكتاب على التمسك بكتابهم: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ… (سورة المائدة 5: 68) يفسرالطبري هذه الآية بقوله، “يقول تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى” يَا أَهْل الْكِتَاب” (أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل) , لَسْتُمْ عَلَى شَيْء مِمَّا تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَلَيْهِ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْشَر الْيَهُود , وَلَا مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ عِيسَى مَعْشَر النَّصَارَى حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل…
كذلك حث القرآن المسلمين على الإيمان بالتوراة والإنجيل. “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.” (سورة البقرة 2: 136) وبحسب تفسير الطبري “ما أوتي موسى وما أوتي عيسى إشارة إلى التوراة والإنجيل”. وهذا يشير بوضوح إلى أن أيا من الكتابين لم يطرأ عليه أي تبديل. (للاطلاع على مناقشة هذه المسألة بمزيد من التفصيل راجع
http://www.answering-islam.org/Quran/Bible/
ب. المخطوطات تثبت صحة الكتاب المقدس
تاريخ ومضمون المخطوطات
يوجد عدد كبير من مخطوطات الكتاب المقدس. وقد حفظت تلك المخطوطات على شكل Codex . هذا المصطلح يعني مجلدا يحوي إما ورقة واحدة أو رزمة أوراق. وقد استعملت هذه الوسيلة لحفظ أجزاء الكتاب المقدس من قبل المسيحيين في مصر حوالى منتصف القرن الثالث. وبعض المخطوطات المجلدة تحوي أجزاء من الكتاب المقدس، ولكن توجد بعض المخطوطات تتضمن كل الكتاب المقدس أو معظمه. نكتفي بذكر تلاثة مخطوطات مجلدة.
1. المخطوطة الاسكندرانية وهي مخطوطة تتضمن الكتاب المقدس كله باللغة اليونانية، وترجع على الأرجح إلى القرن الخامس الميلادي، ومحفوظة الآن في المتحف البريطاني. وهي على العموم بحالة جيدة ولكن توجد ثغرات في بعض أجزاء الكتاب المقدس. وهذه المخطوطة شهادة هامة لنص الترجمة السبعينية للكتاب المقدس وللعهد الجديد.
2. المخطوطة السينائية. وتتضمن الكتاب المقدس كله؛ وكانت قبلا في سيناء، ثم نقلت إلى سان بطرسبرغ، ثم نقلت إلى المتحف البريطاني عام 1934. وربما يرجع تاريخها إلى القرن الرابع.
3. المخطوطة الفاتيكانية. مخطوطة تتضمن الكتاب المقدس بكامله، وهي في مكتبة الفاتيكان منذ 1475. يمكن أن يرجع تاريخها إلى القرن الرابع. (موسوعة زوندرفان المصورة، المجلد الأول الصفحات 899- 903)
إن الدليل المادي على تحريف أو صحة الكتاب المقدس يكمن في المخطوطات. وإن دراسة هذه المخطوطات لتؤكد صدق الكتاب المقدس ونزاهته. فبفضل وجود عدد كبير من المخطوطات تمكن العلماء من أن يؤكدوا، خلافا لما ذكر سابقا، أن نص الكتاب المقدس قد نقل بصورة أمينة تدعو للدهشة.
لقد عبر ابن تيمية في القرن الرابع عشر عن رأيه في هذه المسألة فذكر أن إثبات صحة الكتاب المقدس يتطلب فحص كل مخطوطة. ولم يكن هذا ممكنا في ذلك الوقت نظرا إلى أن تلك المخطوطات كانت متفرقة في جميع أنحاء العالم. أما اليوم فإن الأمر مختلف تماما. إذ أن العلماء يملكون وسائل للبحث والفحص لم تكن متيسرة من قبل، ويستطيعون الاتصال فيما بينهم لمقارنة نتائج دراساتهم. ويتفق خبراء المخطوطات، بغض النظر عن قناعاتهم الدينية، على أن الكتاب المقدس قد وصل إلينا بدقة استثنائية. ولا تستطيع الاختلافات النصّية بأي حال أن تلقي ظلا من الشك على النص الكتابي.
هذا وإن المخطوطات المذكورة أعلاه قد سبقت نشأ الاسلام. وعندما تقارن تلك المخطوطات مع المخطوطات التي ترجع إلى تاريخ لاحق يتبين لنا أن نص الكتاب المقدس لم يتغير نتيجة إحجام اليهود والمسيحيين عن قبول محمد كنبي لله.” (من كتاب شوكة مقري، “النبي والمسيح” ص 73- 74 المطبوع بالإنجليزية).
ملحوظة هامة جداً: استشهادنا بنصوص القرآن لا يعني اننا نصدق على ان القرآن عمل اللهي .. فنحن نقر ونؤمن بأن القرآن كتاب بشري شيطاني كتبه محمد بن أمنة القريشية النبي الكذاب ..
المـــــــــــــــــزيد:
نعم مثل عيسى عند الله كمثل آدم
المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ – الجزء الأول
المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ – الجزء الثاني
المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ – الجزء الثالث
تضارب أقوال كاتب القرآن حول مولد المسيح عيسى ابن مريم




