سؤالك له جواب

هل ورث البشر خطية آدم؟ (1)‏

هل ورث البشر خطية آدم ؟؟ (1)‏

 

باسم ادرنلي

 

عدد كبير من النقاد، يحاولون انتقاد المسيحية من جهة تأثير خطية آدم على البشرية، ويحاولون ‏إظهار تناقضًا بين الآيات التالية، التي سنعرضها ونعرض أكثر ستة اعتراضات تصلنا عليها؛ ‏ونرد على ثلاثة منها في هذا المقال، وثلاثة في المقال المقبل:‏

الآيات: “20 اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ ‏الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ”‏ (حزقيال 18 : 20) .

مقارنة مع (رومية 5 : 12 – 14) : “12 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ ‏الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ …. 14 لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى ‏مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي”‏.

 

 

الاعتراض الأول:

كيف يُعلِّم كتابكم في رومية أن البشر ورثوا الخطية الأصلية من آدم؛ لكن في ‏الوقتنفسه، يعلم في حزقيال أن ذنب كل إنسان عليه يكون؛ فكيف يحمِّل الله البشر ذنب خطية آدم ‏إذًا؟ الرد:‏ إن الناقد كما يبدو لم يقرأ جيدًا ما تقوله الآيات في رومية!! وهي تتكلم عن وراثة نتائج خطية ‏آدم وليس خطية آدم الشخصية ذاتها؛ ونتائج الخطية تتمحور في ثلاث أركان أساسية مترابطة مع ‏بعضها البعض:

أولا: وراثة الطبيعة الخاطئة من آدم كما سماها آباء الكنيسة؛ أو ولادة الإنسان بنفس تميل إلى ‏الخطية وعكس الصالح (راجع أيضًا رومية 7: 18-20).

فآية رومية أعلاه تقول أنه:

“بِإِنْسَانٍ ‏وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ”؛ أي أن آدم فتح باب هذا العالم للخطية ولمعرفة الشر، بتمرده على ‏الله ورفضه لسيادة الله عليه وعلى العالم الذي أعطاه السلطان عليه (تكوين 1: 28-30 و2: ‏‏15) .

وهذا جعل إبليس يسلب سلطان آدم على العالم منه لأنه أقوى منه، ويسيطر على البشر ‏والعالم (لوقا 4: 6) .‏

ثانيًا: دخول الموت على حياة البشر، فالآية لا تقل أننا ورثنا خطية آدم الشخصية ذاتها، التي يتكلم ‏عنها الناقد في حزقيال!! بل الموت الذي نتج عنها:

” لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، ‏وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ”. أي أنه قبل أن يخطي البشر بإرادتهم كما أكد ‏العدد نفسه “12… إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”، وهم أجنة في أرحامهم، ساد الموت عليهم، ويولدون فيه. ‏

وحتى أحيانا يصاب الجنين بالموت وهو في رحم أمه، أي قبل أن يفعل شرًا أم خيرًا. أيضًا ‏عبارة “على شبه تعدي آدم”، تؤكد أن الموت يسود علينا ليس بسبب خطية آدم الشخصية ذاتها؛ ‏وإلا لقال: “بسبب خطية آدم” بدل من “عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ”. فالموت ساد على البشر، بمشابهة ‏حلول الموت على آدم بسبب تعديه على أمر الله؛ مما يؤكد حلول الموت علينا، كما حل عليه لأننا ‏من نسله؛ وليس بسبب خطيته الشخصية ذاتها كما يدعي المعترض؛ بل بسبب سقوط العالم في يد ‏الموت بسببه.‏

ثالثًا: ولادة البشر خارج الجنة، دون أن يعطيهم الله فرصة أن يكونوا فيها إلى أن يخطئوا، كما ‏أعطى آدم وحواء. لذلك ولد البشر في الأرض التي لعنت (كنتيجة للخطيئة) خطية آدم، حيث قال: “17 … ‏مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ … 19 بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ ‏إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ (اي دخل الموت على حياة آدم وذريته، ‏كما قلنا في النقطة السابقة)(سفر التكوين 3 : 17 و 19) .

ونرى هذا في آيات رومية مثل “12 .. كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ ‏دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ …. 14 لكِنْ قَدْ ‏مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى… ” أي تحول العالم الذي عندما خلقه الله، قال عنه “31 ورأى ‏الله كلَّ ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًا..” إلى عالم يسود عليه الكد والتعب، الخطية والموت. فما هو ‏ذنب ذرية آدم أن تولد خارج الجنة؟

لماذا لا تعطى لهم الفرصة في الجنة، كما أعطيت لآدم ‏وحواء، قبل سقوطهما؟!!‏

إذًا الناقد قد بنى نقده على فكرة مغلوطة أصلا، وهي أن وحي رومية 5، يدعي أن البشر ورثوا ‏خطية آدم ذاتها، وهذا فكرة مغلوط تمامًا!!

لقد ورث البشر نتائج خطية آدم، وليس خطية آدم ‏الشخصية ذاتها؛ فكما قال الأب أنطونيوس فكري، في تفسيره لـ (رومية 5: 12) ” ونلاحظ أننا ‏نموت لا بخطية آدم، بل بطبيعة آدم وبسبب خطايانا التي نصنعها بإرادتنا نحن.

” ‏لذلك لا تعارض بين آية حزقيال أعلاه ” اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ ‏الابْنِ” مع آيات رومية 5، لأن رومية تتكلم عن وراثة نتائج خطية آدم، وليس خطية آدم ‏الشخصية ذاتها، التي يتكلم عنها حزقال.

 

 

الاعتراض الثاني:

لماذا يجب أن يؤثر قرار آدم على جميع البشر؟ ‏

الرد: إن مسؤولية القائد هامة جدًا في تحديد مصير أمته، وهو أمر لا يمكن أن ينكره أحد كظاهرة ‏اجتماعية سياسية نراها كل الوقت في العالم الذي حولنا.

فقرارات أي قائد لأي دولة، قد تؤثر على ‏جميع الساكنين فيها؛ وحتى ممكن أن يجعل حياتهم جحيم على مدار عشرات السنين بسبب قراراته ‏الخاطئة غير الحكيمة.

وممكن أن يجعل السكان فقراء وبؤساء، وتكون الدولة من أغنى الدول في ‏البترول والموارد الطبيعية.

مثل قرار صدام حسين سنة 1980، عندما أعلن رسميًا حربه على ‏إيران التي استمرت 8 سنين، وراح ضحيتها حوالي 1.2 مليون شخص، وخسائر مادية حوالي ‏‏400 مليار دولار (وهي تعادل ميزانية السودان لمدة 40 عام؛ التي عدد سكانها مساوي للعراق).

‏وهذه الحرب قلبت العراق من دولة غنية جدًا بنفس مستوى دول الخليج، إلى دولة يسودها النزاعات ‏والصراعات والتشتت، ومعظم سكانها يعيشون تحت مستوى خط الفقر.

كذلك قرار آدم الخاطئ، لم ‏يكن قرارًا شخصيًا يخصه وحده فقط؛ فالله خلق الكل جيد في حياة آدم؛ ووضعه كخليفة له على ‏الأرض؛ وأعطاه سلطانًا كاملاً عليها ليعملها ويحفظها ويتسلط عليها (تكوين 1: 28 و2: 15)؛ ‏فكان آدم وهو في ظل حماية الله، قادر على طرد إبليس من الجنة. لكن في الوقت نفسه، خلق الله ‏الإمكانية لآدم لأن يرفضه، ويخرجه من عالمه (من خلال شجرة معرفة الخير والشر، تكوين 2: 9 ‏و17)؛ لأن الله أعطاه إرادة حرة روحية. ‏

أما آدم، فاختار أن يرفض الله ويكون هو سيد نفسه (بحسب إغراء الشيطان لحواء “تكونان كألله”، ‏تكوين 3: 5)،

وأهم نتيجة لذلك القرار على باقي البشر، كانت أن ألأرض الكاملة التي خلقها الله، ‏أصبحت تحت لعنة الله بسبب رفض سيادته عليها:

17.. مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا ‏كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.‏” (سفر التكوين 3: 17). فأصبحت مكان صعب ومتعب للعيش: “9 بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا…” (سفر ‏التكوين 3 : 19) ؛ بعدما أخذ آدم قراره بأن ينزع سيادة الله على حياته وعلى الأرض.‏

 

 

الاعتراض الثالث:

دعنا نقول أن قرار آدم أثر على البشر، فهل هذا عدل أن أدفع نتيجة خطية ‏يعملها آدم؟؟

الرد: نعم ليس من العدل أن أدفع أنا الثمن لنتائج خطية آدم، إلا إذا وفر الله لي حلا مجانيًا متاحًا ‏بشكل متساوي لجميع البشر دون تمييز.

فإذا كابد شرطي أضرارًا جسيمة في سيارته الخاصة ‏بسبب تأديته للخدمة الأمنية منها، ليس من العدل أن يدفع هو بشكل شخصي ثمن الأضرار الأمنية؛ ‏إلا إذا وهبته الدولة سيارة جديدة عوضًا عنها؛ عندها سوف لا يكون هذا ظلم؛ خاصة إذا وهبته ‏سيارة أفضل منها؛ كما فعل الله للبشر من خلال كفارة المسيح.

فهذا ما فعله الله تمامًا، وفر للبشر ‏تلك الإمكانية للنجاة من الجحيم وعقاب الخطية.

وهذا ما يؤكده وحي رومية 5، لكي يفسر لنا لماذا ‏بادر الله بخلاص مجاني لجميع البشر بغنى نعمته:‏ ‏

15 وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هَكَذَا أَيْضاً الْهِبَةُ (يعني الهبة فاقت بكثير مقدار الخطية). لأَنَّهُ إِنْ كَانَ ‏بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اللهِ وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ ‏الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ. 16 وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هَكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ ‏لِلدَّيْنُونَةِ وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. 17 لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ ‏بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ ‏الْمَسِيحِ.” (رومية 5 : 16 – 17).

جدير بالذكر أن الكثير من النقاد يرفضون فكرة خلاص المسيح المجاني، لأنهم لا يفهمون السبب ‏المنطقي له!!

لذلك يجب أن يقرأوا النقطة السابقة لكي يفهموا أن الله في خلاص المسيح المجاني، قد ‏قدم قمة العدالة والأنصاف للبشر من الذي نالوه بسبب قرار آدم الخاطئ؛ وحتى بحسب غنى نعمته، ‏قدم الله للبشر أكثر جدًا مما يستحقون.‏

سنتابع في المقال القادم  هل ورث البشر خطية آدم؟ (2)‏ ، الرد على ثلاث اعتراضات أخرى. 

 

للمزيد:

هل ورث البشر خطية آدم؟ (2)‏

هل ورث المسيح خطية آدم من بطن العذراء؟

آدم واحد أم اثنان ؟

 

Aisha Ahmad

رئيس تحرير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى