سؤالك له جواب

القس/ عزت شاكر .. كيف يطلب الله ذبيحة بشرية؟!

كيف يطلب الله ذبيحة بشرية؟

القس/ عزت شاكر

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟ - توماس رفعت“وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم!. فقال: هأنذا. فقال: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك” (تك 22 : 1، 2).

   هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة، ولعل أهم سؤال هو:

كيف يطلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه ذبيحة؟ وهل يريد الله أن نقدم له ذبائح بشرية؟

   ويقول زينون كوسيدوفسكي: “أما قصة إسحق وكبش الفداء… حيث يعرّض يهوه إبراهيم لامتحان فظيع القساوة، لا يتوافق أبدًا مع كون الرب لطيفًا بعباده رحيمًا بهم”.

GOD'S GRACE [ROMANS 4:13,16-18] | A CHRISTIAN PILGRIMAGEوللإجابة على هذا السؤال أقول:

   1) لقد كان إبراهيم يعيش في وسط مجتمع يعبد عبادة بربرية، ففي بلاد ما بين النهرين وسورية، كانوا يقدمون أولادهم البكر قرابين للآلهة. وكان الكنعانيون يقدمون أبناءهم وبناتهم ذبائح للإله مولك، وكانت هذه العادات أيضًا سائدة كذلك في كل آسيا الصغرى في ذلك الزمان. فيذكر هيربرت لوكير أن ماريوس قدم ابنته ذبيحة بعد الانتصار على الكمبرييين “الجومريين”، وكذلك نذر ملك كريت عقب عاصفة هوجاء أن يقدم للإله نبتون أول من يخرج من القصر للقائه بعد عودته سالمًا. وكذلك قدم أجاممنون ابنته إفيجينيا للإله. ويقول آرثر كندال: إن ملك موآب قدم ابنه ذبيحة بشرية لاسترضاء الإله كموش وليصنع خلاصًا من يد إسرائيل ويهوذا وآدوم (2مل 3 : 27).

   ويقول زينون كوسيدوفسكي: “إننا نعرف اليوم أن قصة إسحق ليست إلا صدى لطقس من طقوس عبادة بربرية، وقد استطعنا من خلال الاكتشافات الأثرية الوصول إلى منشئه. ففي بلاد ما بين النهرين وسورية وأرض كنعان، عُرف طقس قديم جدًا يقوم على تقديم الأولاد البكر قرابين للآلهة. وخلال التقنيات في جازر ” مركز العبادات والطقوس الكنعانية الأم” وُجدت أوعية تحتوى على هياكل عظمية لأطفال بعمر ثمانية أيام قُدموا قرابين للآلهة، كما كان الأولاد يقدمون قرابين للآلهة بمناسبة إعمار المعابد والمباني العامة”.

   وسط هذا الجو الفاسد أعلن الله بوضوح أنه يبغض الذبائح البشرية، بل ويدين بشدة من يفعل ذلك، وحذر شعبه من ممارستها فقال لهم:

   “متى قرض الرب إلهك من أمامك الأمم الذين أنت ذاهب إليهم لترثهم وورثتهم وسكنت أرضهم فاحترز من أن تصاد وراءهم من بعد ما بادوا من أمامك ومن أن تسأل عن آلهتهم: كيف عبد هؤلاء الأمم آلهتهم، فأنا أيضًا أفعل هكذا؟ لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب مما يكرهه إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم. كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه” (تث12 : 29-32).

   وقال أيضًا: “متى دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم. لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار…” (تث 18 : 9-10).

✞ Sound Of Wisdom ✞: إبراهيم الخليل المحب والمطيع لله (5)  وعندما ضرب الرب فرعون وشعبه بالضربة العاضرة وهي (موت الأبكار)، طلب الرب من شعبه أن يكون كل بكر فاتح رحم له، لكنه أوصى بوضوح عدة مرات أن كل بكر من البهائم الطاهرة يُقدم ذبيحة، بينما كل بكر من البشر يُفدى بذبيحة حيوانية، وبذلك يكون كأنه قدم للرب ذبيحة، شهادة على فداء الرب لهم وتخليصهم من العبودية فنقرأ:

“ويكون متى أدخلك الرب أرض الكنعانيين كما حلف لك ولآبائك وأعطاك إياها أنك تقدم للرب كل فاتح رحم وكل بكر من نتاج البهائم التي تكون لك. الذكور للرب. ولكن كل بكر حمار تفديه بشاة. وإن لم تفده فتكسر عنقه. وكل بكر إنسان من أولادك تفديه. ويكون متى سألك ابنك غدًا: ما هذا؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الرب من مصر من بيت العبودية. وكان لما تقسى فرعون عن إطلاقنا أن الرب قتل كل بكر في أرض مصر من بكر الناس إلى بكر البهائم. لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم وأفدي كل بكر من أولادي” (خر13 : 11-15).

   وكرر الوصية مرة أخرى: “لي كل فاتح رحم وكل ما يولد ذكرًا من مواشيك بكرًا من ثور وشاة. وأما بكر الحمار فتفديه بشاة. وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من بنيك تفديه ولا يظهروا أمامي فارغين” (خر 34 : 19, 20).

   ويكرر أيضًا: “كل فاتح رحم من كل جسد يقدمونه للرب من الناس ومن البهائم يكون لك. غير أنك تقبل فداء بكر الإنسان وبكر البهيمة النجسة تقبل فداءه. وفداؤه من ابن شهر تقبله حسب تقويمك فضة خمسة شواقل على شاقل القدس. هو عشرون جيرة” (عدد 18 : 15 ، 16).

   وقد كان الأنبياء يحذرون الشعب بشدة من هذه الممارسات الوثنية.

   (2) بلا شك عندما كان الوثنيون يقدمون أبكارهم ذبائح لآلهتهم، كانت هذه التقدمات لا تحمل حبًا من جانب مقدميها بقدر ما تكشف عن روح القلق والخوف الذي يملأ قلوبهم من هذه الآلهة، فكانوا يودون استرضاء هذه الآلهة المتعطشة إلى الدماء لتجنب غضبهم! لهذا فإن الله طالب إبراهيم خليله بهذه التقدمة ليعلن للوثنيين قلب إبراهيم المحب لله، إذ هو مستعد أن يقدم أثمن ما لديه، وفي نفس الوقت إذ قدم الله كبشًا عوض إسحق أعلن عدم قبوله الذبائح البشرية، ليس عن ضعف في محبة المؤمنين لله، وإنما في تقدير الله للإنسان، إذ لا يطلب سفك دمه وهلاكه! فالله لا يطيق الذبائح البشرية، إذ هو محب للبشر، يشتهي حياتهم لا هلاكهم.

   (3) لم يكن الله ينوي قط أن يذبح إبراهيم ابنه، إنما كل ما أراده الله هو إظهار عظمة إيمان إبراهيم، وعظمة طاعة إسحق، وفعلاً ظهر إيمان إبراهيم إلى الدرجة التي كان مستعدًا أن يضحي بابنه الذي أنجبه في شيخوخته على مذبح الإيمان.

   ويؤكد القديس أغسطينوس قائلاً: “لم يكن إبراهيم يؤمن قط بأن الله يقبل الذبائح البشرية ومع ذلك عندما دوى صوت الوصية الإلهية (بتقديم إسحق) أطاع بغير جدال. إذ كان يؤمن تمامًا أنه إذ يقدم ابنه محرقة سيقوم ثانية، كقول الرب له “لأنه بإسحاق يُدعى لك نسل” (تك21 : 12). لذلك إذ كان الأب متمسكًا بالوعد منذ البداية الذي يتحقق خلال هذا الابن الذي أمر الله بذبحه لم يشك قط أن ذاك الذي كان قبلاً لم يترج ولادته يمكن أن يقوم بعد تقديمه محرقة”. فهناك فرق كبير بين تقديم إبراهيم لابنه إسحق ذبيحة وبين الذبائح البشرية التي كانت تقدم للأوثان. فقد آمن إبراهيم بالله الذي وهبه إسحق بعدما كان رحم سارة مماتًا وحسب ولادته أشبه بقيامة من الأموات فلا يصعب عليه أن يقيمه بعد تقدمته محرقة، أما الوثنيون فكانوا يقدمون أبكارهم استرضاءً لآلهتهم المحبة لسفك الدماء، يقدمونهم بلا رجاء!

   ويرى العلامة أوريجانوس أن هذه التجربة كشفت أعماق إبراهيم وأفكاره الخفية من جهة إيمانه بالقيامة، إذ يقول: “بالروح عرف كاتب الرسالة إلى العبرانيين إيمان إبراهيم وأفكاره، معلنًا إياها بقوله: “بالإيمان قدم إبراهيم إسحاق وهو مجرب، قدم الذي قبل المواعيد، وحيده الذي قيل له: “إنه بإسحاق يدعى لك نسل”. إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات أيضًا” (عب 11 : 17-19). وهذه هي أول مرة يظهر فيها الإيمان بالقيامة، هكذا كشفت التجربة عن قلب إبراهيم أب الآباء كإنسان يؤمن بالقيامة من الأموات.

   لقد كان واثقًا أنه حتى لو ذبح ابنه، فإن الله قادر أن يقيمه من الموت، وبهذا الإيمان قال لغلاميه: “اجلسا أنتما ههنا مع الحمار وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما” (تك 22 : 5).

ذبح إسحق | تفسير التكوين 22 - تفسير سفر التكوين الأصحاح الثاني والعشرون - القمص تادرس يعقوب - تفسير العهد القديم | St-Takla.org   (4) إن امتحان الله لإبراهيم لا يعني أن الله لا يعرف قلبه، لأنه يعرف كل أسرارنا الداخلية، لكنه سمح بالتجربة لكي يذكيه أمام الكل ويعلن إيمانه الرائع الخفي، فيكون نموذجًا ومثالاً حيًا للآخرين. وكما يقول القديس أغسطينوس: “جُرب إبراهيم بتقديم ابنه الحبيب إسحق ليزكى طاعته الورعة، ويجعلها معلنة لا لله بل للعالم كله”. الدارس المدقق يعرف أن الله كان قد أعده وأهله قبل أن يدخل في التجربة، فعندما يبدأ الوحي في عرض التجربة يقول: “وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم بالقول”. وما هي “هذه الأمور” هي ظهور الله له في بلوطات ممرا وتأكيد الوعد له من جهة إسحق، وبعدما صنع ميثاقًا مع أبيمالك مظهرًا له كيف أعطاه مهابة ورهبة حتى أمام الملوك. وكأن الله لم يسمح لإبراهيم بالتجربة إلا بعد أن أعده لها بطرق كثيرة، وكما يقول الرسول: “ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو 10 : 13). وقد هيأ قلبه وفكره وأعد كل حياته لقبول التجربة، كما رافقه أثناء التجربة أيضًا بطريقة خفية وكان سندًا له، وفي النهاية تجلى في حياته بطريقة أو أخرى. وهكذا مع كل تجربة يقوم الرب نفسه بمساندتنا قبل التجربة وأثناءها وبعدها، حتى يحقق غايته فينا إن قبلنا عمله في حياتنا.

   فهو عندما يسمح لنا بالتجارب لا يتركنا فريسة في يد العدو، بل يعدنا ويؤهلنا للإنتصار قبل الدخول في التجربة، ألم يقل لبطرس: “سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة! ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت ثبت إخوتك” (لو 22 : 31-32)؟ لقد طلب الرب يسوع من أجله قبل أن يغربله الشيطان.

Aisha Ahmad

رئيس تحرير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى