Arabic English French Persian
قرآن رابسو..  سورة الفنكوش

قرآن رابسو.. سورة الفنكوش صلى الله عليه وسلم

الْفَنكِوَشُ (1) مَا الْفَنكِوَشُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفَنكِوَشُ (3) يَوْمَ يَكُونُ الأَّبْتَرُ كَالْفَرَاشِ الْمَنْبُوشِ (4) وَتَكُونُ ْنِسَاءهُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فِي رَقٍّ مَنْقُوشٍ (6) وَشِعرَهنٍ مَنْكُوشٍ (7) وَالْثَوْبِ الْمَهْبُوشِ (8) وَالفَّرْجِ الْمَدْشُوشِ (9) وَالْطَرْقِ بالْشَاْكُوشِ (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْفُاَشِّوِشَ (11) الَّذِينَ لَهُمْ خَوْضٍ مَغْشَوُشَ (12) يَوْمَ يُهَزُّونَ زِرِ اَلَطَّرَبَوًّش (13) هَذِاِ الْفَنكِوَشُ الَّذِي كُنْتُ بِهِ مُدَوشَ (14) فَغَشَّاكَ مَا غَشَّى بَّعَكَوًّش (15) فَبِأَيِّ آلَةِ دَمِّكَ مَرَشَوَش (16) بِضَرِبَة شْاَكَوشْ أَو طَلِقَ الْخَرِطَوشُ (17) رُشَ فَى جِسَدكَ مَفرِوَشٌ (18) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ احكُّاُمِ قرْأُقوَش (19) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَدْهَوشَ (20) وَتَضْحَكُ عَلَى خَرْبُوشَ (21) فَلَا تَيَئِسُ مِنَ الْفَنكِوَشُ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُرُوشِ (22).

صدق الفنكوش الخفي

 

أسباب النزول والصعود

شاهد مولانا النبي رابسو المبعوث نظافة للعالمين سيدنا ومولانا خاتم المساحيق من الإنبياء والمرسلين، فيلم "واحدة بواحدة" وهو فيلم مصري أنتج عام 1984، تدور أحداثه حول "صلاح فؤاد" الرجل صاحب العلاقات النسائية المتعددة، والذي يعمل في مجال الدعاية والإعلان، وحبكة الفيلم عندما يتورط صلاح في الإعلان عن سلعة ليس لها وجود تحمل اسم "الفنكوش"، وتتوالي المواقف الكوميدية في الفيلم الذي أخرجه نادر جلال، والفيلم تم تمصيره من فيلم Lover Come Back ..

وقد شهد مولانا المسحوق بأن الفيلم واحد من أفلام الزعيم عادل أمام (رضي الله عنه) الجميلة الذى أضحك فيه جمهوره كثيراً، وهو منهمكاً بالترويج لشىء اسمه "الفنكوش"، تارة يعدد فوائد لا تحصى "للفنكوش"، وآخرى يسهب في وصف محاسن "الفنكوش" التي لا تضاهى.. فالفنكوش هو الحل لكل مشاكل الكائنات من الانس والجن وحتى الدواب والطيور.. هذا دون ان يعطينا الزعيم "عادل أمام" أي معلومة حول ماهية "الفنكوش".. وماهو، أو مما يتكون أو لأي غرض يستعمل.. هل هو طعام، كساء، شىء للزينة.. لم يقل لنا ابداً.. فقط يبشر ويتغزل بعظمة الشىء الذي اسمه "الفنكوش"!!

 

 

ولأن "شرُّ البليّة ما يضحك"، فقد لاحظ مولانا المسحوق رابسو ان قصة "الفنكوش" تشبه قصة "الفَّنِكَوشِّ الإلهي" صلى الله عليه وسلم الذى قدسه وبجله وعبده الصلاعمة حتى تفنكشوا وتفنكشت أذهانهم وعقولهم ومشاعرهم وارادتهم وأتخذوا من الفنكوش صلى الله عليه وسلم حلاً لكل مشاكلهم وأعتبروه صراطهم الوحيد للدخول لجنة المتفنكشين، بل وصدقوا أن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الفَّنِكَوشِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيُهَم هَم الَّذِينَ آمَنُوا بَالفَّنِكَوشِ أن يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيسَلِّمُوا له تَسْلِيمًا!!

وبينما يفكر مولانا المسحوق رابسو فى سر "الفَّنِكَوشِّ الإلهي" صلى الله عليه وسلم أكتشف أن كاتب القرآن يقول فى (سورة الزمر 39 : 53):

"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " .

وبسرعة دخل على القرطبي فى تفسيره للنصوجده يقول:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا:

يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ،

وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ،

وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؟

فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ،

وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ; لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ:

وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ،

فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ، وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَزَنَيْتُ،

هَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِّي تَوْبَةً؟

فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَزَلَتْ:

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ: أَرَى شَرْطًا، فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ ،

قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ،

أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

فَنَزَلَتْ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ

فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ.

وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ " إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ ".

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [ سُبْحَانَ ] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ.

* أنظر تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - سورة الزمر - قوله تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - الجزء الخامس عشر – ص : 239 دار الفكر .

http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=48&surano=39&ayano=53

لاحظ مولا نا المسحوق رابسو أن المفسرين لم بتعرضوا للخلل الموجود فى النص.. فكان من الطبيعي أن يقول {قل لعبادي وليس ياعبادي} كما ورد فى النصوص الآخرى من القرآن:

حيث ورد فى(سورة إبراهيم 14: 31):

" قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا

يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ".

وأيضاً فى ( سورة الإسراء 17 : 53):

" وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ

إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ".

بل وهناك الكثير من النصوص التى تبدء بفعل الأمر " قل " يقوله إله القران لينقل "محمد" للناس مابعدها من سياق كمرسل إليهم مثل ماورد فى :

(سورة الكافرون 109 : 1):

" قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)".

فمحمد يقول للقوم الكافرون (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)..

لكن النص" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.."..

أى ان محمد سينقل للناس ما بعد فعل الأمر " قل "

أى سيقول للناس:

" يَا عِبَادِيَ {أى أن الناس هم عبيد محمد} الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ..".

وتسائل مولانا المسحوق رابسو فى نفسه قائلاً:

كيف يأمر الله محمد أن يقول للناس يَا عِبَادِيَ؟

وهل محمد قرين الله مساوياً له فى الجوهر ليتعبد له الناس؟

وهنا أدرك مولانا المسحوق رابسو أن الفَّنِكَوشِّ الصلعومي صلى الله عليه وسلم الذى خرج علينا فى القرن السادس الميلادي (570 م) أفتكس إلهاً تابعاً له يسايره على هواه، ومظهراً نفسه كأله على الكل، وَبِكُلِّ إِلهٍ لاَ يُبَالِي لأَنَّهُ يَتَعَظَّمُ عَلَى الْكُلِّ.. بل وتجاسر قائلاً فى (سورة الأحزاب 33 : 56):

"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

فصرخ مولانا المسحوق رابسو مستغيثاً ومستعيناً بصرصريل بأجنحته العريضة وغط مولانا حتى أخذه الجهد حتى تفنكش مولانا فتلا عليه "سورة الفنكوش" التى تقول:

"الْفَنكِوَشُ (1) مَا الْفَنكِوَشُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفَنكِوَشُ (3) يَوْمَ يَكُونُ الأَّبْتَرُ كَالْفَرَاشِ الْمَنْبُوشِ (4) وَتَكُونُ ْنِسَاءهُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فِي رَقٍّ مَنْقُوشٍ (6) وَشِعرَهنٍ مَنْكُوشٍ (7) وَالْثَوْبِ الْمَهْبُوشِ (8) وَالفَّرْجِ الْمَدْشُوشِ (9) وَالْطَرْقِ بالْشَاْكُوشِ (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْفُاَشِّوِشَ (11) الَّذِينَ لَهُمْ خَوْضٍ مَغْشَوُشَ (12) يَوْمَ يُهَزُّونَ زِرِ اَلَطَّرَبَوًّش (13) هَذِاِ الْفَنكِوَشُ الَّذِي كُنْتُ بِهِ مُدَوشَ (14) فَغَشَّاكَ مَا غَشَّى بَّعَكَوًّش (15) فَبِأَيِّ آلَةِ دَمِّكَ مَرَشَوَش (16) بِضَرِبَة شْاَكَوشْ أَو طَلِقَ الْخَرِطَوشُ (17) رُشَ فَى جِسَدكَ مَفرِوَشٌ (18) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ احكُّاُمِ قرْأُقوَش (19) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَدْهَوشَ (20) وَتَضْحَكُ عَلَى خَرْبُوشَ (21) فَلَا تَيَئِسُ مِنَ الْفَنكِوَشُ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُرُوشِ (22).".

سورة الشمس مع التجويد وأعراض الوحي

التجديف على الله في القران - إله الإسلام خالق الموت

 

هل هناك تناقضات في القرآن؟

 

تناقضات واضحة في القرآن !

علاقة رسول الاسلام بالشيطان حقيقة ام ازدراء!

قراءات القرآن والخلاف حول جمعه

أكذوبة مصحف عثمان في القاهرة

ﻣﺣﻣد رﺳول اﻻﺳﻼم ﺣﻘﯾﻘﺔ أم ﺧﯾﺎل؟

قصة جمع القرآن فى زمن عثمان بن عفان

 

للمـــــــــزيد:

قرآن رابسو.. سورة النقاب

قرآن رابسو.. سورة الفاشية

قرآن رابسو.. سورة اَلْحَكِ

قرآن رابسو.. سورة كورونا

سورة الواديان

قرآن رابسو.. سورة اللمم

قرآن رابسو.. سورة اَلْحَكِ

سورة الكوارع

قرآن رابسو.. سورة رمضان

سورة القدس

قرآن رابسو .. سورة الدبر

قرآن رابسو .. سورة الصلعوم

سورة التجديد

قرآن رابسو.. سورة الجنة

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الزِنـَـــا

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الشُذوذِ

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الدَعَارَةِ

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

للكبار فقط (+18) : رهط من الصعاليك العراة ينتهكون عرض النبي محمد (ص) ويركبونه حتى الصباح

للكبار فقط (+ 18): هل كان الرسول محمد (ص) شاذاً لوطي ؟

الخليفة عمر ابن الخطاب يقر ويعترف بأنه لوطي وشاذ جنسياً

محمد يأتيه الوحي وهو فى ثوب عائشة

الشَّبَقُ الْجِنْسِيُّ عِنْدَ قَثْم بْن عَبْدِ اللَّات المكني بمحمد ابن أمنه

أخلاق إسلامية (1): وإن زني وإن سرق

أخلاق إسلامية (2) : لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله

أخلاق إسلامية (3) : ينكح بلا قانون ويقتل بلا شريعة

أخلاق إسلامية (4): أصول السباب الجنسي

أخلاق إسلامية (5): اغتيال براءة الأطفال

أخلاق إسلامية (6) : استعارة فروج النساء

ما يجوز ولا يجوز في نكاح البهيمة والعجوز

داود ويوناثان - رجلا حسب قلب الله

 داود ويوناثان - رجلا حسب قلب الله

 

 

موريس بسالي

إن عمق الصداقة دليل على نُبل الشخصية. ومحبة يوناثان لداود هي واحدة من الصداقات النموذجية في التاريخ، خصوصًا إذا قوبلت بغيرة شاول وغدره.

 

فولاء يوناثان كان بمثابة تشجيع كبير لداود أثناء سنوات رفضه. ولا يوجد في التاريخ نظير لتخلي يوناثان عن عرشه من أجل خاطر داود، الذي كان بمثابة مُزاحم ومنافس له.

 

فنُبل شخصية يوناثان ظهر في هذا: أنه بالرغم من ولائه الشديد لداود إلا أنه لم يُحرِّض داود ضد أبيه شاول، الذي كان ما زال “مسيح الرب”. لقد كان على النقيض تمامًا من أبيه؛ فبينما كان شاول يكره داود ويحاول قتله بشتى الطرق، كان يوناثان يحب داود، وحاول مساعدته وانقاذه من نوايا شاول القاتلة.

 

لقد كانت محبة داود ويوناثان الأخوية مؤسسة على إيمانهما المشترك، فكلاهما كان بطلاً ومحاربًا، ولكن شجاعتهما نبعت من معرفتهما أن الله دائمًا في صف شعبه سفر صموئيل الأول 14: 6-17: 47)، فبدأت صداقتهما في يوم هزم داود جليات، واستمرت حتى موت يوناثان، عندما كتب داود عن عمق صداقتهما (سفر صموئيل الثاني 1: 26).

 

إيمان يوناثان العظيم

يظهر إيمان يوناثان بالله في (سفر صموئيل الأول 14)، حيث حقَّق انتصارًا كبيرًا على الفلسطينين بفضل ثقته العظيمة في الله. فعبر هو وحامل سلاحه خلف خطوط الأعداء بدون علم أبيه، شاول الملك (14: 1-5). «فقال يوناثان للغلام حامل سلاحه تعال نعبر إلى صف هؤلاء الغلف لعلَّ الله يعمل معنا، لأنه ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل» (14: 6). كان إيمان يوناثان مؤسسًا على علمه أن الله سوف يخلص شعبه، لأنه فعل هكذا في الماضي. وبالفعل أسلم الله الفلسطينيين ليد إسرائيل (14: 12).

 

علاقة يوناثان وداود

بدأت صداقة داود ويوناثان بعدما قتل داود جليات «وكان لما فرغ (داود) من الكلام مع شاول أنَّ نفس يوناثان تعلَّقت بنفس داود وأحبه يوناثان كنفسه» (سفر صموئيل الأول 18: 1). ومثل يوناثان، نحن نظهر حبنا وولاءنا تجاه من هو ابن داود، بل من هو أعظم من داود، الرب يسوع.

إن ما أضرم محبة يوناثان الشديدة لداود هو قتل جليات، ونحن عندما نفكر فيما عمله الرب يسوع من أجلنا، تزداد محبتنا وتكريسنا له (رسالة كورنثوس 15: 54-58).

كان يوناثان ابنًا لشاول، وبالتالي فهو وريث العرش، ولكن داود كان قد مُسح لهذه الوظيفة من قِبل الله، فبدلاً من أن يحقد على داود، والذي صار مزاحمًا له، أحبه يوناثان! هنا نرى نعمة الله التي لا مثيل لها في تعامله معنا. ترجع محبة داود ويوناثان إلى ذاك الذي في يده جميع قلوب الناس، وهو يحركها كيفما يشاء.

 

 

عهد يوناثان مع داود

«وقطع يوناثان وداود عهدًا ... وخلع يوناثان الجبة التي عليه وأعطاها لداود مع ثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته» (18: 3-4). العهد الذي قطعاه يعني أنهما سوف يلتصقان ببعضهما ويساعد أحدهما الآخر. من الصعب أن تجد صداقة مشابهة لصداقتهما. داود وهو راعٍ صغير لم يكن يملك ثيابًا تتناسب مع وضعه الجديد كبطل قومي، ولهذا أعطى له يوناثان جبته وسيفه وقوسه ومنطقته. لقد جرَّد نفسه من كل ما يملك من أجل خاطر داود، ألا ينبغي علينا أن نظهر مثل هذا التكريس تُجاه من هو أعظم من داود؟

 

 

شفاعة يوناثان لداود

نقرأ في (سفر صموئيل الأول  19: 2-7) المزيد عن الصداقة الحقيقية بين يوناثان وداود. ونرى أيضًا كيف حذَّر يوناثان داود من خطر القتل الذي كان مُعرَّضًا له من قِبل شاول الملك، ونصحه باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك. لقد تصرَّف يوناثان كالمُصالح، وتشفَّع لداود أمام شاول، وتوسَّل لأبيه من جهة داود. لقد ذكَّر أباه، أن داود بتخليصه لإسرائيل من الفلسطينيين، أنقذ عرش الملك، ولم يخطئ في حقه قط، فحذَّر أباه أن لا يخطئ بسفك دمٍ بريءٍ.

 

كان لشفاعة يوناثان تأثير مؤقت على أبيه. فبينما حلف شاول بأنه لن يقتل داود، فقد حاول قتله بعد ذلك برمحه (18: 6-10). وهذا كُتب من أجل تعليمنا (رسالة كورنثوس الأولى 10: 11). فكم من مرة كان توقُّف غير المؤمنين عن طرقهم الشريرة مؤقتًا ليرجعو إليها بعد وقت قصير، فهم مثل خنزيرة مغتسلة عادت إلى مراغة الحمأة (رسالة بطرس الثانية 2: 22).

 

 

حوار داود مع يوناثان

يحتوي (سفر صموئيل الأول 20 )على حوار طويل بين داود ويوناثان، والذي فيه قال داود: «ماذا عملت؟ وما هو إثمي، وما هي خطيتي أمام أبيك حتى يطلب نفسي؟» (20: 1)، حيث نرى إن الضمير المتكلم يتكرر كثيرًا، ليُظهر حالة ذهنه. فلم يكن الله في حساباته مطلقًا في هذا الوقت، فما قاله بعد ذلك يظهر بوضوح الخوف الذي تملَّكه، هذا الخوف الناتج من عدم الإيمان «إنه كخطوة بيني وبين الموت» (20: 3). هذا الكلام يكشف أنه لم تكن لداود في تلك الأثناء ثقة في الله، بل كانت شركته بالرب مقطوعة.

 

نحن الخاسرون عندما نفشل في معرفة الرب في كل طرقنا. فعندما تنقطع شركتنا مع الله، نستسلم للتجربة والخطية. وعندئذ اتَّفق داود مع يوناثان على أن يكذب من أجله، فكان متوقَّع حضور داود إلى القصر في وقت الأكل، ولكنه خاف من الحضور، فأخذ الإذن من يوناثان بالاختفاء ثلاثة أيام، قائلاً له: «وإذا افتقدني أبوك فقل قد طلب داود مني طلبة أن يركض إلى بيت لحم مدينته لأن هناك ذبيحة سنوية لكل العشيرة» (20: 6). ألا يتكلم هذا محذرًا إيانا من العواقب الوخيمة للشركة المقطوعة مع الرب.

 

يوناثان يسعى لمساعدة داود

عندما رأى يوناثان صدمة داود وحزنه، لم يكن له من الشجاعة الأدبية التي تؤهله للاعتراف بأن أباه يريد قتل داود. فحاول تهدئة داود بالهروب من الواقع قائلاً: «حاشا. لا تموت. هوذا أبي لا يعمل أمرًا كبيرًا ولا أمرًا صغيرًا إلا ويخبرني به. ولماذا يخفي عني أبي هذا الأمر. ليس كذا» (سفر صموئيل الأول 20: 2). كان هذا كذب، لأن شاول كان قد سبق وقال علانية ليوناثان وعبيده أن يقتلوا داود (سفر صموئيل الأول 19: 1). لم يجهل يوناثان برمي شاول الحربة على داود، ولا بالتعليمات المعطاة للعبيد بقتله (19: 11)، ولا بالرسل الذين بُعِثوا للقبض عليه (19: 20)، ولا عندما تبع شاول داود في الرامة (19: 22). فبالرغم من علم يوناثان بأن أباه يتوق إلى دم داود، إلا أنه قال له: «لأنه لو علمت أن الشر قد أُعدّ عند أبي ليأتي عليك، أ فما كنت أُخبرك به؟» (20: 9).

 

 

يوناثان يتَّصل بداود

وضع الصديقان خطة للاتصال. ودعت الخطة إلى استخدام يوناثان قوسه وسهامه. وهذا لن يثير الشك، لأنه كان محاربًا وكثيرًا ما خرج للرماية. كان على داود أن يختبئ في الحقل. فإذا تجاوزت الرمية داود فهذا معناه أنه في خطر وعليه الهرب، ولكن إذا رمي السهم قريبًا أمام داود فهذا معناه أنه في أمان، وعليه أن يعود.

في اليوم الثالث أخذ يوناثان قوسه وخرج للحقل. ولم يكن شاول يعلم أنه مزمع على توصيل رسالة لداود. وكان شاول قد أظهر بصورة واضحة أنه يريد قتل داود. فطار السهم في الهواء ونزل على الجانب الآخر من داود. وهذا معناه أنه عليه بالهرب. حينئذ طلب يوناثان من حامل سلاحه أن يأخذ القوس والسهام ويدخل بهما المدينة. ثم تكلم يوناثان مع داود وذكَّره بعهدهما. حفظ يوناثان العهد من جانبه وظل أمينًا لداود حتى موته، وهكذا أيضًا كان داود أمينًا مع يوناثان ونسله.

 

غضب شاول على يوناثان

جلس شاول للأكل في أول يومين، وكان مكان داود خاليًا (سفر صموئيل الأول 20: 14- 27). فسأل الملك يوناثان لماذا لم يحضر داود للطعام، فكان جواب يوناثان أن داود استأذنه كيما يذهب إلى بيت لحم إلى ذبيحة العشيرة. فانصبَّ غضب شاول على ابنه وشتمه وشتم أمه (20: 30- 31). فخرجت كلمات شريرة وفاسدة من هذا الملك التعيس المتروك من الله، وفي غضبه رمي ابنه بالحربة كي يقتله (20: 33). وهذا يوضح كراهية الشيطان لكل من يأخذ جانب مسيح الله، كما اتَّخذ يوناثان صف داود.

 

في الصباح التالي حدث الفراق بين الصديقين، فتقابل يوناثان مع داود، وقبَّل أحدهما الآخر وبكيا معًا. ومن ذلك اليوم فصاعدًا، أصبح داود في خطر.

 

 

نموذج كتابي للصداقة الحقيقية

تبرز العلاقة بين داود ويوناثان كنموذج للصداقة الحقيقية بين رجلين، بالرغم من وجود عوائق كبيرة، فنقرأ في 1صموئيل 23 أنهما تصرفا كصديقين حميمين «وأقام داود في البرية في الحصون ومكث في الجبل في برية زيف. وكان شاول يطلبه كل الأيام ولكن لم يدفعه الله ليده، فرأى داود أن شاول قد خرج يطلب نفسه. وكان داود في برية زيف في الغاب. فقام يوناثان بن شاول وذهب إلى داود إلى الغاب وشدَّد يده بالله. وقال له لا تخف لأن يد شاول أبي لا تجدك، وأنت تملك على إسرائيل وأنا أكون لك ثانيًا، وشاول أبي أيضًا يعلم ذلك. فقطعا كلاهما عهدًا أمام الرب. وأقام داود في الغاب وأما يوناثان فمضى إلى بيته» (سفر صموئيل الأول 23: 14- 18).

نجد في هذه الفقرة ثلاثة أمور فعلها يوناثان مع صديقه:

أولاً: ذهب يوناثان إلى حيث كان داود مختبئًا في البرية، وشدَّد يده. كان داود محبطًا شاعرًا بالمرارة والاستياء. ويوناثان لم يُقلِّل من مشكلة داود، ولم يدَّعِ أنه لا داعي للقلق، ولا تصرف كما لو كان عنده الحل. إنه لم يستخدم المنطق الإنساني ليشجع داود، ولكنه شدَّد يده بالله.

ثانيًا: شجع داود قائلاً: «أنت تملك على إسرائيل». فلقد أكد وعد الله في حياة داود. فكونه أكبر أبناء شاول، وكرسي العرش من حقه، فهذا لم يجعله يحقد على داود، بالعكس ساعد داود على إدراك قصد الله في حياته، وهذا هو أسمى صور الصداقة.

ثالثًا: صرَّح يوناثان وداود بولائهما أحدهما للآخر، فقطعا عهدًا أمام الرب. فالتزما بالصداقة الحقيقية. فهما على استعداد بان يلتصقا ببعضهما ويساعدا بعضهما حتى النهاية. هكذا كانت العلاقة الجميلة بين داود ويوناثان.

 

 

شاهد

 

 

 

 

 داود الملك ويوناثان للأطفال

 

 

 

إقرأ للمزيد:

سيرة النبي إيليا (النبي إلياس)

هل أُخذت المزامير والأمثال من كتابات الحضارات؟

لماذا كان المسيح قاسيًا مع المرأة الكنعانية؟

من هو النبي الكذاب بحسب الكتاب المقدس؟

السيد المسيح الملك (المولود الملكي)

هل تكلم الكتاب عن نبي بعد المسيح؟

السنهدرين اليهودي يدعو العرب لأخذ دورهم في بناء الهيكل الثالث الذى تنبأ عنه إشعياء النبي عليه السلام

فلك نوح رمزاً للمسيح الذى أجتاز بنا طوفان الهلاك الأبدي ليهب لنا الحياة والخلود

وباء الكورونا (COVID-19).. وكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ

كلمة السر فى "مثل العشاء العظيم" لو 14

كلمة السر فى مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات

عصا موسى.. الخشبة التى تنقذ من الموت!

الصليب هو "شهادة الوفاة" التى تجعلك وارثاً للحياة الأبدية

القرآن يقر ويعترف بان المسيح هو الرحمن

القرآن يؤكد أن المسيح الرب لم يتكبر أن يكون عبداً لله

اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ "الْحَيُّ الْقَيُّومُ" من أسماء المسيح فى الكتاب المقدس

قصة "ضرب الصخرة – الحجر" التى ذكرها القرآن كانت رمز نبوي لصلب المسيح

الله لا يسمح بالشر.. فمن أين أتت علينا عقيدة السماح الإلهي؟

التوحيد الإسلامي هو عين الشِرك بالله

القديس المُتنصر.. المُعز لدين الله بن منصور الخليفة الفَاطمي

الله لا يسمح بالشر.. فمن أين أتت علينا عقيدة السماح الإلهي؟

بإعتراف القرآن .. المسيح هو إله السماء الارض

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح هو خالق كل البشر

كاتب القرآن يقر ويعترف بألوهية محمد فى القرآن

كاتب القرآن يقر بأن "المسيح هو الله" والآحاديث تؤكد!

تضارب أقوال كاتب القرآن حول مولد المسيح عيسى ابن مريم

أولئك هم الوارثون

إله الإسلام خاسيس فَاَسق لا يتستر ويفضح العباد

عوج بن عنق حفيد آدم الذى بني الفلك مع نوح ثم قتله موسى النبي

نعم الله فى الإسلام يصلي لذلك صلى يسوع المسيح !!

ميلاد الرب يسوع المسيح المعجزي العذراوي

التجسد الإلهي في الأديان

طبيعة المسيح .. علي لسان صلاح جاهين الصريح

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 1

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 2

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 3

هل ورث المسيح خطية آدم من بطن العذراء؟

-وحدانية الثالوث في المسيحيّة والإسلام

-وحدانية الثالوث في المسيحيّة والإسلام

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

لماذا أعفى شيخ الأزهر الدكتور محمد محمد الفحام {عبد المسيح الفحام} من منصبة ؟

القديس المُتنصر.. المُعز لدين الله بن منصور الخليفة الفَاطمي

القديس عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ اَلْأَسَدِيِ

تَوحِيد الآلِهة بِإله واحِد.. إيمانٌ أمْ تَقِية وَأطماعٌ سُلطَاوِية

قصة حياة العالم الأزهري المتنصر الشيخ محمد بن محمد بن منصور المتنصر بأسم الشيخ ميخائيل منصور

يا سائحا نحو السماء تشددا

التوحيد والتثليث للشيخ محمد محمد منصور

من هو الحيوان عيسى ابن مريم وأمه الذى يتكلم عنهما القرآن؟

طهَ حُسين وعبوره من الظلمة لنور المسيح

القرآن آجندة الشيطان لقتل كل البشر

للكبار فقط (+ 18): هل كان الرسول محمد (ص) شاذاً لوطي ؟

الخليفة عمر ابن الخطاب يقر ويعترف بأنه لوطي وشاذ جنسياً

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

للكبار فقط (+18) : رهط من الصعاليك العراة ينتهكون عرض النبي محمد (ص) ويركبونه حتى الصباح

محمد يأتيه الوحي وهو فى ثوب عائشة

سيرة النبي إيليا (النبي إلياس)

سيرة النبي إيليا (النبي إلياس)

 

 

الدكتور القس . منيس عبد النور

 

الفصل الأول: المطر يتوقف

الفصل الثاني: الشجاعة تواجه الخوف

الفصل الثالث: اللّه يواجه الوثن

الفصل الرابع: المطر ينزل

الفصل الخامس: إيليا يهرب

الفصل السادس: كرم نابوت

الفصل السابع: إيليا يعلّم الملكين أخزيا ويهورام

الفصل الثامن: إيليا يصعد للسماء

الفصل التاسع: إيليا في الإنجيل

الفصل العاشر: إيليا البطل العظيم

مسابقة في حياة إيليا.

هذا الكتاب

نتحدث في هذا الكتاب عن النبي العظيم إيليا (إلياس)، الذي وعظ وتنبأ في المملكة الشمالية، المعروفة بمملكة إسرائيل، وعاصمتها السامرة.

وقد جاءت خدمته في وقت ضعُفت فيه عبادة اللّه الواحد الحيّ. كان إيليا مستعداً دوماً لعمل مشيئة اللّه، مهما كانت التكلفة.

واستمد القوة ليحمل المسئولية من حياة الصلاة والوجود في محضر اللّه دائماً. لقد تحمّل إيليا مسئوليته كاملة في خدمة الرب، معتمداً تماماً على الإِله الحي الذي «وقف أمامه» دائماً. وقد أجرى اللّه بواسطة إيليا معجزات كثيرة، كلها معجزات رحمة توضح محبة الله وعنايته، ومعجزات قوة تعلن مجد اللّه وسلطانه، ليعود الشعب إلى عبادة اللّه الحقيقي. ونلاحظ أنه كلما زاد الناس ضلالاً عن اللّه، أرسل لهم كلمته مؤيَّدة بالمعجزات، ليردَّهم إلى الرشد، وإلى عبادته. ونحن نرجو للقارئ العربي العزيز أن يجد في سيرة النبي إيليا (إلياس) دروساً لحياته مع اللّه.

 

الفصل الأول: المطر يتوقف

ظهر النبي إيليا (وفي اللغة اليونانية اسمه إلياس) فجأة على مسرح التاريخ الديني، في أيام الملك أخآب، الذي حكم دولة إسرائيل وكانت عاصمتها السامرة آنذاك عام ٨٧٥ ق. م.

وكان الملك أخآب ملكاً عظيماً، قاد بلاده إلى نجاح ثقافي واقتصادي وانتصارات عظيمة، وكان يحب السلام والفنون، كما أنه بنى مدناً وقصوراً حكت التوراة المقدسة عنها، حتى أنه بنى قصراً من العاج في يزرعيل، أحاطه بالحدائق الغناء، فكان محل إعجاب الجميع، حتى قال أحد المؤرخين: «لئِن كان العاج قد ظهر في مملكة إسرائيل في كرسي العرش الذي صنعه سليمان، فإن الملك أخآب في نجاحه العظيم غطى بيته كله بالعاج».

وكانت للملك أخآب قوة سياسية وحربية عظيمة، فقد ورد في النقوش الأشورية أنه أرسل ألفي مركبة حربية وعشرة آلاف من المشاة ليشتركوا مع جيش أرام (سوريا) في حربهم ضد مملكة أشور.

على أن التوراة المقدسة لا تقدم لنا الملك أخآب في عظمته الاقتصادية أو السياسية، لكنها تنتقده انتقاداً شديداً باعتباره الرجل الشرير الذي جرَّ شعبه إلى ارتكاب الخطأ وعبادة الأوثان، فقد تزوج من إيزابل ابنة «أثبعل» ملك صيدون، وكانت وثنية تعبد الصنم المعروف باسم «بعل» وعملت جهدها كله لتبيد عبادة الإِله الحي الحقيقي وتقيم عبادة الصنم الذي تتعبَّد له، فقتلت أنبياء اللّه الأتقياء، ونشرت العبادة الوثنية، برضى زوجها الملك أخآب.

أيها القارئ الكريم، عندما يقيّمنا اللّه لا يزِنُنا بمقدار ما عندنا من مال أو علم أو جاه، لكن بمقدار ما فينا من حب له وتعبُّد لشخصه. فلئن كان الملك أخآب قمة في النجاح السياسي والحربي والاقتصادي، إلا أن المؤرخ المقدس في التوراة يحسبه شريراً فاسداً، وينسى كل إنجازاته المادية، لأنه انحرف عن عبادة اللّه. وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟

ولا بد أن هناك سبباً سياسياً دفع الملك أخآب ليرفض عبادة الإله الواحد «الحي» ويوافق على أن يعبد شعبه الصنم «بعل»، فقد كان يخاف أن يذهب شعبه إلى مدينة أورشليم، حيث هيكل سليمان - وكانت أورشليم عاصمة المملكة الجنوبية المعروفة بمملكة يهوذا.

من هو إيليا؟

في عام ٨٧٥ ق. م. وفي أثناء حكم الملك أخآب ظهر النبي العظيم إيليا ومعنى اسمه العبري «إلهي يهوه». ولا نعرف الكثير عن نشأة النبي إيليا، إلا أن التوراة المقدسة تقدّمه لنا باعتبار أنه إيليا التِّشْبِيّ من مستوطني جلعاد. كما تصفه بأنه رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. وقال بعض العلماء إن كلمة التشبي تعني «الغريب». وقد يكون المقصود أن إيليا الغريب كان من مستوطني جلعاد، فيكون أنه مجهول الأصل، ولكن اللّه اختاره ليكون نبياً عظيماً له. أو لعله من مدينة تِشْبه الواقعة في شرق الأردن في منطقة جلعاد. ولعل تسميته بهذا الاسم تعني أنه كان شخصاً غريباً، بمعنى أنه مختلف عن غيره، لأنه كان يقضي الكثير من وقته في الصحراء في محضر اللّه، يتعبَّد له، إلى اليوم الذي فيه دعاه اللّه ليكون نبياً.

بداية خدمته:

أول ما نقرأ عن النبي إيليا في التوراة المقدسة نقرأه في الأصحاح السابع عشر من سفر الملوك الأول حيث يقول: «وَقَالَ إِيلِيَّا ٱلتِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لأَخْآبَ: «حَيٌّ هُوَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هٰذِهِ ٱلسِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي» (سفر الملوك الأول ١٧: ١). وهذا عقاب للذين هجروا عبادة اللّه الحي. لقد أقام اللّه النبي إيليا لينقذ بلاده من عبادة البعل، أو من العبادة المختلطة بين عبادة اللّه وعبادة البعل. ولما رأى تفشّي تلك العبادة الوثنية السيئة، أدرك أن عقاب اللّه لا بد سيحلُّ على البلاد التي بعُدت عنه. كانت الظلمة حالكة في تلك الأيام، وقلَّ عدد الذين يعبدون الرب بإخلاص، وارتفع مذبحٌ للصنم يكفي لكثيرين من العابدين، وانتشرت الهياكل الوثنية في كل أرجاء مملكة بني إسرائيل. أما مذابح الإِله الحي، مثل مذبح الكرمِل، فكان قد تهدَّم.

واشتعلت نيران الاضطهاد، وأُغلقت مدارس الأنبياء. وكان الأنبياء والمخلِصون لعبادة الرب يطوفون في جلود غنم وجلود معزى، معتازين مكروبين مذلين (رسالة عبرانيين ١١: ٣٧). ووقف إيليا ينظر إلى هذه الحالة الشريرة وقد امتلأت نفسه بالغيرة لعبادة الرب. ترى ماذا عساه يفعل؟ لم يكن أمامه سوى أمر واحد، وهو أن يلجأ إلى اللّه مصلياً.

ويقول الإِنجيل إن إيليا «صلى صلاة» (رسالة يعقوب ٥: ١٧) بمعنى أنه رفع للّه صلاة حارة من أجل شعبه، فاشتعل غضب الرب عليهم، وأغلق السماء عنهم فلا تعود تعطي مطراً. وأدرك أن اللّه الحي سمع صلاته، فتوجَّه من الصحراء إلى العاصمة حيث الملك العظيم أخآب. ودون أن يخاف قال له: «حيٌّ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه، إنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي». ويا لها من ثقة عظيمة في استجابة الصلاة، ويا له من إيمان حي باللّه القدير، ويا لها من صلاة مرعبة، فيها إعلان مخيف أعلنه النبي للملك في شجاعة وجرأة دون خوف.

كان إيليا يصلي، وكان واثقاً أن صلاته لا بد أن تُستجاب. ولم يكن سرُّ شجاعة إيليا في شخصه، ولا في الظروف التي عاش فيها. لكن لأنه وضع ثقته في اللّه قال: «حي هو الرب» فكل مَن هو غيْر اللّه قابلٌ للموت، أما اللّه فإنه الحي الذي قال عنه أيوب: «فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ» (سفر أيوب ١٩: ٢٥).

ثم قال إيليا: «الرب الذي أنا واقف أمامه»، لقد وقف إيليا أمام اللّه الحق، فاستطاع أن يواجه الملك الشرير آخاب في غير خوف، ليعلن له قضاء اللّه وعقابه.

ليتنا ندرِّب أنفسنا على أن نتحقَّق دائماً من وجودنا في حضرة اللّه، وهذا يرفعنا فوق كل خوف. دعنا نحيا ونتحرك ونوجد، يسودنا فكر واحد هو أن اللّه هنا، وأنا أقف أمامه وفي محضره. وعندها تتحقق لنا استجابة الصلوات الغالبة المنتصرة، وندرك أن اللّه الحي يرى ويسمع ويستجيب ويبارك.

كان إيليا متأكداً أن اللّه حي، وكان قد وقف مصلياً في محضره، إلى أن استمد منه القوة والشجاعة. ولقد قلنا أن كلمة إيليا معناها: «إلهي يهوه». فعندما خصَّص إيليا نفسه للرب، وجد سرَّ القوة. إن كان اللّه حِصْنه فممّن يرتعب؟ وعندما اقترب إليه الأشرار ليأكلوا لحمه، مضايقوه وأعداؤه عثروا وسقطوا، كما يقول النبي داود في مزموره السابع والعشرين. ولذلك استطاع أن يهتف: «ٱلرَّبُّ قُّوَتِي وَنَشِيدِي، وَقَدْ صَارَ خَلاَصِي» (سفر خروج ١٥: ٢).

الغربان تعول إيليا:

توقَّف نزول المطر بناءً على صلاة إيليا، وبدأت الأرض تعاني من الجفاف. تُرى مَن يعول إيليا وقت المجاعة؟

تقول التوراة إن اللّه أصدر أمره إلى إيليا: «ٱنْطَلِقْ مِنْ هُنَا وَاتَّجِهْ نَحْوَ ٱلْمَشْرِقِ، وَٱخْتَبِئْ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ ٱلَّذِي هُوَ مُقَابِلُ ٱلأُرْدُنِّ، فَتَشْرَبَ مِنَ ٱلنَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ ٱلْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ» (سفر الملوك الأول ١٧: ٣ ، ٤) فانطلق النبي إيليا وعمل حسب كلام الرب، وذهب فأقام عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن (ولعله هو المعروف اليوم باسم فصيل، شرق الأردن). كانت الغربان تأتي للنبي إيليا بخبز ولحم صباحاً وبخبز ولحم مساءً، وكان يشرب من النهر... يا للمعجزة!!

ألا ترى معي أن قول التوراة: «كان كلام الرب إلى إيليا» يعني أن اللّه دوماً يكلّمنا، ويعلن لنا مشيئته الصالحة المرضية الكاملة. تأتيك كلمة اللّه من خلال الكتاب المقدس، وتأتيك من خلال تأثير يطبعه روح اللّه على قلبك، وتأتيك كلمته في بعض الظروف الخاصة. وكيفما جاءتك فإنها يجب أن تجدك مستعداً أن تسمعها، لأنك تقول للرب ما قاله النبي صموئيل: «تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (سفر صموئيل الأول ٣: ٩).

إن أمر اللّه للنبي إيليا أن يختبئ عند نهر كريث يعلّمنا أننا يجب أن نجد مكاناً نختلي فيه باللّه، كما قال السيد المسيح لتلاميذه: «تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ» (أنجيل مرقس ٦: ٣١).

لا شك أن النبي إيليا كان محتاجاً إلى وقت يختلي فيه بالرب. لقد وقف أمام الملك أخآب في غير خوف، وقال له: «لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي». ولذلك كان معرَّضاً لأن تصيبه خطية الكبرياء - ربما يظن نفسه أنه عظيم - ولذلك طلب اللّه منه أن يختلي بعيداً وحده عند نهر كريث ليقيم في محضر اللّه، ليدرك أن اللّه هو الكل في الكل.

أحياناً نحس أننا شيء، والواقع أننا لسنا شيئاً، فقد قال لنا السيد المسيح: «بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً» (أنجيل يوحنا ١٥: ٥). ربما يطلب منك اللّه أن تختبئ لتختلي معه، في مثل هذا الوقت الذي يهجرك فيه الناس وتحسّ أنك وحيد، لا يستطيع أحد أن يشاركك المتاعب التي تجتاز فيها، عندها أرجوك أن تدرك أن اللّه حيٌّ إلى جوارك، وأنه يريدك أن تتحدَّث إليه. فعندما تغلق باب غرفتك عليك، أو عندما تنغلق نفسياً وأنت وحيد بسبب الآلام التي تجوز فيها، أرجوك أن تدرك أن اللّه يخبّئك لتختلي به ولتتحدث إليه، ولتكون قريباً من قلبه.

وكم كان غريباً أن يطعم اللّه نبيه بأمْر الغربان أن تعوله، فكانت الغربان تأتي إلى إيليا بخبز ولحم صباحاً وبخبز ولحم مساء، وكان يشرب من ماء نهر كريث. يوماً بعد يوم، ظلت الغربان تجيء بالطعام إلى إيليا. لا شك أنه كان ينتظر في مطلع كل يوم أن تجيء الغربان إليه حاملة طعامه. ترى هل تساءل إيليا يوماً: هل ستجيئني الغربان بالخبز واللحم هذا المساء، أو هل ستتوقَّف عن أن تطعمني؟ ربما سأل هذا السؤال، لكن المهم أن اللّه عاله، وكلَّف تلك الطيور التي تخطف كجوارح أن تخدم خادمه. وعندما نصلي نحن الصلاة الربانية قائلين: «خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ» (أنجيل متى ٦: ١١) ندرك أن إلهنا يدبّر كل ما نحتاج إليه.

ونلاحظ أن اللّه قال لإيليا: «أمرتُ الغربان أن تعولك هناك». وكلمة هناك مهمة، لأنها تحدد المكان الذي يريد اللّه أن يكون نبيُّه فيه. وأنت، عندما تطيع اللّه وتتواجد في المكان الذي يريدك أن تكون فيه، عندها يعولك ويضمن احتياجاتك، لذلك قال السيد المسيح: «ٱطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ وَبِرَّهُ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ» (أنجيل متى ٦: ٣٣). وعندما تطلب بر اللّه وملكوته سوف يزيد اللّه لك البركات التي تحتاج إليها.

النهر يجف:

وبعد مدة من بقاء إيليا بجوار نهر كريث، تقول التوراة إن النهر يبس بسبب عدم هطول المطر. لقد جفَّت مراعي الجبال، وكأنَّ ألسنة نيران اندلعت فأفنَتْها، ولم يعد الندى يبلّل الأرض. ترى ماذا جال في خاطر إيليا في ذلك الوقت؟

لابد أنه كان ينتظر اللّه صامتاً، يفعل ما قاله المرنم في مزموره: كان يسكّت نفسه كفطيم نحو أمه (مزمور ١٣١: ٢) وهو يقول: «إِنَّمَا لِلّٰهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي» (مزمور ٦٢: ٥). عندما تيبس كل الأنهار، يريد اللّه أن يعلّمك أن تتكل على شخصه وليس على عطاياه، ويريدك أن تدرك أن سواقي اللّه ملآنة ماء (مزمور ٦٥: ٩). فتُلقي اتكالك بالتمام عليه وعلى حكمته. وتختبر معنى قول السيد المسيح: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هٰذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلٰكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلأَبَدِ» (أنجيل يوحنا ٤: ١٣ ، ١٤).

أحياناً نطمئن إلى وضع معيَّن ونستقر عليه، ويريدنا اللّه أن نعتمد عليه وحده. ترى ماذا تفعل لو أنك واجهت مثل هذا الموقف الذي واجهه إيليا؟ هل تظن أن اللّه نسيك؟ هذا ما لم يحدث مع إيليا، ففي الوقت المناسب تماماً أصدر اللّه أوامره مرة أخرى إلى نبيّه، وهو دوماً يرشد الذين يحبونه في الموعد المناسب ليتخذوا القرار المناسب. فتقول التوراة إنه «بعد مدة من الزمان يبس نهر كريث، لأنه لم يكن هناك مطر». وجعل إيليا يرقب هذا النهر وهو ييبس أسبوعاً بعد أسبوع. ولا بد أن الشكوك هاجمته، ولكنه لم يسمح لظروفه أن تعطّل إيمانه. صحيح أن الشك ينظر إلى اللّه من خلال الظروف، أما الإيمان فإنه يضع اللّه بينه وبين الظروف. الإيمان ينظر إلى ظروفه عن طريق اللّه.

أرملة تعول إيليا:

وفي الموعد المناسب أمر اللّه نبيه إيليا: «قُمِ ٱذْهَبْ إِلَى صِرْفَةَ ٱلَّتِي لِصَيْدُونَ وَأَقِمْ هُنَاكَ. هُوَذَا قَدْ أَمَرْتُ هُنَاكَ أَرْمَلَةً أَنْ تَعُولَكَ» (سفر الملوك الأول ١٧: ٩) فأطاع إيليا فوراً. ولما وصل إلى باب المدينة رأى أرملة تقشُّ عيداناً فناداها وقال: «هاتي لي قليل ماء في إناء لأشرب» ربما نظن أن النبيَّ إيليا التقى بها من باب الصدفة، لكن ليس عند اللّه صدفة، فإن ما تراه العين البشرية صدفة تراه عين الإيمان تدبيراً من العناية الإلهية، ولا شك أن اللّه كان قد دبَّر قدوم الأرملة لتلتقي بإيليا، لأن اللّه كان قد قال له: «هوذا قد أمرتُ هناك أرملة لتعولك». ولعل هذا هو السبب الذي جعلها تطيع أمر إيليا، فتذهب في صمت وهدوء لتأتي إليه بكأس ماء بارد. ووجد النبي في قبول الأرملة لطلبه ما شجَّعه أن يطلب منها أيضاً أن تأتيه بكسرة خبز. وكان هذا طلباً متواضعاً، ولكنه حرَّك أوجاعاً كامنة في نفس المرأة، فلم يكن لديها كسرة خبز، بل كان كل ما تمتلكه ملء كف من الدقيق وقليل من الزيت، كانت تريد أن تعمل منه كعكة لها ولابنها ثم يموتان جوعاً.

ولكن إيليا المؤمن قال للمرأة: «لاَ تَخَافِي. ٱدْخُلِي وَٱعْمَلِي كَقَوْلِكِ، وَلٰكِنِ ٱعْمَلِي لِي مِنْهَا كَعْكَةً صَغِيرَةً أَوَّلاً وَٱخْرُجِي بِهَا إِلَيَّ، ثُمَّ ٱعْمَلِي لَكِ وَلٱِبْنِكِ أَخِيراً. لأَنَّهُ هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ: إِنَّ كُوَّارَ ٱلدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ ٱلّزَيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي فِيهِ يُعْطِي ٱلرَّبُّ مَطَراً» (سفر الملوك الأول ١٧: ١٣ و١٤).

إننا نقف في انذهال أمام عظمة إيمان النبي إيليا في توجيه الرب له: «أمرت أرملة أن تعولك» - ولا شك أن الأرملة لن تعول إيليا بما عندها، لكن بما يعطيه الرب لها. ولما كان كل ما عندها قليل من الدقيق، وقليل من الزيت، فإن اللّه لا بد أن يبارك في هذا القليل ليكون كثيراً. وينقلنا هذا إلى مشهد أقام فيه المسيح وليمة أطعم فيها خمسة آلاف بخمس خبزات وسمكتين، إذ أخذ وبارك وأعطى تلاميذه ليوزّعوا على الجموع، فوجد كل إنسان احتياجه، وأكل بحسب ما احتاج. وهذا ما حدث مع الأرملة التي أطاعت نداء اللّه، فإن كُوَّار الدقيق لم يفرُغ، وكوز الزيت لم ينقص حسب قول الرب الذي تكلم به بواسطة إيليا.

ونقف أيضاً في انذهال أمام عظمة إيمان الأرملة التي قالت لإيليا: «حي هو الرب إلهك». إنها تعلم أن الإله الذي أرشد إيليا هو الإِله الحقيقي وهو الإِله الحي. ففي وسط الظلمة التي سادت البلاد في عبادة الأوثان، وُجدت تلك السيدة التقية التي علمت أن اللّه حي وموجود، يستطيع أن يعمل المعجزة ويدبّر، لأنه إله المستحيلات. إن لم تنفع الطرق العادية لتساعدنا، فإن اللّه يدبّر لنا احتياجنا بطرق معجزية، والمطلوب منا أن نحيا حياة الطاعة للّه.

وأنت أيها القارئ، عندما تقول «إن الرب حي» كَرِّرْها لأنك تؤمن بها، ولأنك تدرك أن إلهك الحي يدبر احتياجاتك. وما أجمل ما قال السيد المسيح: «لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ ٱلْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلطَّعَامِ، وَٱلْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ ٱللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا» (أنجيل متى ٦: ٢٥ ، ٢٦).

ابن الأرملة يموت ويقوم:

كان لأرملة صرفة، حيث أقام النبي إيليا، ابن وحيد، اشتدَّ به المرض ذات يوم ومات. فجاءت الأرملة إلى إيليا تصرخ: «ما لي ولك يا رجل اللّه. هل جئت إليَّ لتذكير إثمي وإماتة ابني؟» يبدو من كلام المرأة أن حياتها تلوَّثت من قَبْل بلوثة أخلاقية، بقيت جاثمة أمامها كإثم لا يُغتفَر. ونحن لا ندري ما هو ذلك الإِثم. هل كان يتعلق بميلاد ولدها هذا؟ إن ضمير الإِنسان منّا قد ينام فترة، لكن هناك دوماً ما يوقظه. وعلينا ألا نسكت على إثم إلا ونعترف به، لأنه: «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (رسالة يوحنا الأولى ١: ٩).

ولما سمع إيليا الكلمات القاسية التي وجَّهتها له الأرملة لم يوبخها، ولم يجاوب عليها بخشونة، ولكنه قال لها: «أعطيني ابنك». وأخذه من حضنها وصعد به إلى العلية التي كان مقيماً بها، وأضجعه على سريره، وصرخ إلى الرب وقال: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهِي، أَأَيْضاً إِلَى ٱلأَرْمَلَةِ ٱلَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ٱبْنَهَا؟» (سفر الملوك الأول ١٧: ٢٠).

لا شك أن إيليا كان متألماً من توبيخ الأرملة له، كما كان متألماً من الكارثة التي حلَّت بها. وإيليا في هذه الكلمات يذكِّرنا بما سبق أن قاله كليم اللّه موسى عندما رجع إلى الرب وقال: «يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا أَسَأْتَ إِلَى هٰذَا ٱلشَّعْبِ؟ لِمَاذَا أَرْسَلْتَنِي؟» (سفر خروج ٥: ٢٢).

ولم يغضب الرب من إيليا، ولكنه غفر له، لأن اللّه يعرف اللغة الصادرة من قلب متألم مُخْلص. واللّه يفضّل أن نأتي إليه بإخلاص، مهما كان هذا الإِخلاص ضعيفاً، مهما كان التعبير عنه غير لائق. إن اللّه يريد أن تتعانق روح المؤمن مع روحه هو، في الحب والألم، مهما كانت الظروف التي نعيش فيها.

ثم أخذ إيليا جثة الولد وتمدَّد عليها ثلاث مرات وصرخ إلى الرب قائلاً: «يا رب إلهي، لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه». فسمع الرب صلاة إيليا وقام الولد من موته. فأخذه إيليا ونزل به من عِليته إلى البيت، ودفعه إلى أمه وقال لها بلهجة الشكر للّه والانتصار: «أُنظري، ابنك حي». فقالت المرأة لإيليا: «هٰذَا ٱلْوَقْتَ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ ٱللّٰهِ، وَأَنَّ كَلاَمَ ٱلرَّبِّ فِي فَمِكَ حَقٌّ» (سفر الملوك الأول ١٧: ٢٣ ، ٢٤).

من هو النبي الحقيقي؟

النبي الحقيقي هو الذي يستخدمه اللّه ليقيم موتى الخطية لحياة التقوى ومخافة اللّه. وهو الذي يؤازره اللّه بمعجزات من عنده، كما آزر موسى وإيليا وبطرس وبولس وغيرهم من رجاله الصادقين.

كانت معجزة إقامة الميت معجزة كبيرة، أجراها اللّه على يد نبيه إيليا.

فكيف حقق إيليا هذه المعجزة؟ لقد أخذ الولد الميت من حضن أمه وصعد به إلى العِلية التي كان مقيماً فيها، وأضجعه على سريره وصرخ إلى الرب. وفي تواضع تمدَّد على الولد. أليس عجيباً أن نرى رجلاً عظيماً يصرف وقتاً ومجهوداً على هذا الهيكل الجسدي الفاني، ويرضى أن يلتصق بذلك الميت، الذي تقول شريعة موسى إنه ينجّسه؟ لكن إيليا في تواضع حقيقي تناسى هذا كله وبدأ يصلي للولد وهو متمدّد عليه في مثابرة، وصرخ إلى الرب ثلاث مرات دون أن يتطرَّق اليأس إلى قلبه. إن صلاة إيليا الثلاثية تجعلنا نتذكر قول السيد المسيح: «يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ» (أنجيل لوقا ١٨: ١). ولقد لقي تضرع إيليا نعمة عند اللّه، فسمع الرب صلاته وأقام الولد من موته، ويقول التقليد اليهودي الذي وصلنا بالتواتر إن هذا الولد كبر ليكون يونان النبي، الذي أرسله اللّه إلى نينوى كارزاً بالخلاص.

أيها القارئ الكريم، إننا نوجِّه إليك دعوة الآن أن لا تخبئ خطيتك داخل نفسك كما فعلت تلك الأرملة، بل أن تعترف بها للّه الذي يغفر لك ويطهر قلبك من دنس الذنوب. ونريد أن نؤكد لك أن المسيح الحي يريد أن يهبك الحياة الأبدية، إن أنت وضعت ثقتك فيه، «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (أنجيل يوحنا ٣: ١٦). كما نؤكد لك أن الإِله المحب سيبارك حياتك لتعمل معه على إقامة غيرك من موتى الخطية للحياة الجديدة في المسيح.

ونوجه إليك دعوة أخرى: قد تكون ساكناً في أمان، كما سكن إيليا عند أرملة صرفة، ولكن اللّه يكلّفك أن تقوم بخدمة خطيرة له - كن مستعداً أن تحيا في سلام، وأن تجاهد أيضاً في سبيل اللّه. إن الجهاد هو الذي يقوي عضلات الإيمان ويزيده.

الفصل الثاني: الشجاعة تواجه الخوف

بعد أيام كثيرة تكلم الرب مع إيليا مرة أخرى وأمره أن يرحل عن بيت الأرملة. لقد مرَّت عليه عدة شهور وهو في عزلته في صرفة، في أثنائها التصقت نفسه بنفس الأرملة وابنها بأقدس الروابط، كما تقدَّس ذلك البيت وعليته وكُوَّار الدقيق وكوز الزيت بأبهج الذكريات عن عناية اللّه العجيبة بشعبه.

وتقول التوراة: «بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ كَانَ كَلاَمُ ٱلرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا فِي ٱلسَّنَةِ ٱلثَّالِثَةِ: «ٱذْهَبْ وَتَرَاءَ لأَخْآبَ فَأُعْطِيَ مَطَراً عَلَى وَجْهِ ٱلأَرْضِ» (سفر الملوك الأول ١٨: ١). لقد كان هذا التكليف الإِلهي صعباً. كيف يلتقي إيليا بالملك أخآب، والملك يبحث عنه في كل الممالك المجاورة ليوقع به الأذى، بعد أن امتنع هطول المطر على البلاد ثم سادها الجفاف القاتل؟ ولكن النبي إيليا أطاع هذا الأمر الإِلهي، وخرج عن عزلته في صرفة ليلتقي بالملك. ولا شك أن إيليا شجَّع نفسه بالكلمات التي تعلَّمها عندما التقى بالملك الشرير أخآب في المرة الأولى، وقال له: «حيٌّ هو الرب الذي أنا واقف أمامه». ولا شك أن إيليا تشجع بكلمات مثل الكلمات التي جاءت في المزمور السابع والعشرين لداود: «اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ ٱلرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ عِنْدَ مَا ٱقْتَرَبَ إِلَيَّ ٱلأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا» (مزمور ٢٧: ١ و٢).

وعندما خرج إيليا من مخبئه عند الأرملة، بدأ يسير وسط البلاد قاصداً العاصمة. ولا شك أن قلبه انكسر حزناً على جوع الجائعين. ولكن عندما وصل إلى السامرة كان الجوع هناك أكثر، لأن التوراة تقول: «كَانَ ٱلْجُوعُ شَدِيداً فِي ٱلسَّامِرَةِ» (سفر الملوك الأول ١٨: ٢). وكنا ننتظر أن يخصّص الملك أخآب وقته لتخفيف بؤس شعبه، أو أن يرجع إلى اللّه تائباً حتى يرسل اللّه المطر. لكن شيئاً من هذا لم يحدث بل بالعكس، فقد حَصَرَ الملكُ همَّه كله في إطعام خيله وبغاله، ووجَّه كل اهتمامه إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حيواناته، ولذلك قام برحلة بحث عن العشب، وكان أوْلَى به قبل أن يبحث عن العشب أن يبحث عن رضى اللّه عليه.

إن الملك أخآب في تصرُّفه هذا يذكّرنا بالذين يركبون السيارات الفخمة ويأكلون الطعام الفاخر، دون أن يبالوا بالجائعين المساكين الذين هم أصل ثروتهم. إن محبة الذات هي التي تنفق على أثاث البيوت، وعلى كلاب الصيد والملاهي، أكثر مما يحتاجه الأمر لاستمرار عمل اللّه.

إيليا يقابل عوبديا:

في أثناء خروج نبي اللّه إيليا ليلتقي بالملك أخآب، التقى بشخص يشغل مركزاً خطيراً في البلاط الملكي اسمه عوبديا، كان الوكيل المتصرف على القصور، وهي وظيفة تعادل اليوم وزير القصور والتشريفات الملكية. وكان عوبديا رجلاً تقياً يخشى الرب منذ صباه. وقد بيَّن عوبديا محبته للّه، لأنه عندما اضطهدت إيزابل رجال اللّه وطاردت أنبياءه لتقتلهم، نجَّى عوبديا الصالح مئة من هؤلاء الأنبياء، وخبأهم خمسين خمسين في المغاير، وعالهم بخبز وماء. ومع أن عوبديا كان رجلاً صالحاً، إلا أنه لم يكن يملك الشجاعة الأدبية، وإلا لما استطاع أن يبقى في وظيفته بالقصر، يخدم أخآب الشرير وزوجته الوثنية إيزابل.

كان عوبديا لا يؤمن بأن يكون متطرّفاً. صحيح أنه لم يكن راضياً عن الحوادث التي تجري حوله، ولا بد أنه كان يتألم مما يراه في القصر الملكي من تحطيم لشريعة اللّه، لكنه كان يدرك أن طَرْده من الوظيفة لن يُصلِح تلك الأخطاء. وكان واثقاً أن الملك سيطرده من وظيفته لو أنه جاهر بآرائه. وكلما فكر عوبديا فيما يقاسيه أنبياء اللّه، اشتد حزنه، وفكَّر أن يدافع عن قضيتهم. لكنه كان يرى أن شخصاً واحداً مِثْلَه لن يقدر أن يفعل شيئاً ليغيّر سياسة الدولة بكاملها، ولذلك فضَّل أن يساعد أنبياء اللّه بطريقة هادئة، ويظل في مكانه، ولو كان في ذلك كسر لمبادئه. ولعله لهذا السبب قال إيليا لعوبديا: «ٱذْهَبْ وَقُلْ لِسَيِّدِكَ: هُوَذَا إِيلِيَّا» (سفر الملوك الأول ١٨: ٨).

هناك كثيرون يعرفون الحق، ويحاولون أن يفعلوه سراً، لكنهم لا يتكلمون عنه إلا نادراً. ولا يوبّخون الخطية مطلقاً، ولا يُظهِرون حقيقة أمرهم، كما فعل عوبديا. وعندما يسمعون عن اضطهاد يحلّ بالمؤمنين يشتدّ حزنهم، ولكن لا يخطر ببالهم أن يقفوا بجانبهم أو يشجعوهم، ويسكّتون ضمائرهم الثائرة عليهم بتقديم بعض الخدمات البسيطة لرجال اللّه المطارَدين. وبينما هم يُخْفُون هذه المساعدات عن العالم، يُبْرزونها أمام أولاد اللّه كدليل على إخلاصهم وغيرتهم. فقد جاوب عوبديا إيليا بقوله: «أَلَمْ يُخْبَرْ سَيِّدِي بِمَا فَعَلْتُ... إِذْ خَبَّأْتُ مِنْ أَنْبِيَاءِ ٱلرَّبِّ مِئَةَ رَجُلٍ؟» (سفر الملوك الأول ١٨: ١٣).

وما أعظم الفرق بين إيليا الشجاع الذي وقف وقفة قوية للّه، لأنه يعلم أن إلهه حي، وهو يقول: «الرب الذي وقفتُ أمامه». وبين عوبديا الذي يخبّئ عبادته داخل قلبه، لأنه يخاف على مركزه وعلى مكانته. إن هناك فرقاً كبيراً بين التقوى السلبية والتقوى الإيجابية، وهناك فرق بين الإحتياط للظروف وبين جسارة الإيمان - ذلك أن الإيمان الحقيقي يقف في مواجهة الصعوبات في غير خوف، لأن صاحبه يدرك أن اللّه معه وأنه حي، ويدرك معنى قول المسيح: «طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا» (أنجيل متى ٥: ١١ و١٢).

الفصل الثالث: اللّه يواجه الوثن

في السنة الثالثة أمر الرب نبيَّه إيليا أن يتَّجه إلى الملك أخآب ليقول له إن الرب سيعطي مطراً على وجه الأرض. وكان الجوع شديداً، وكان الملك يفتّش على مراعٍ لمواشيه، دون أن يهتم بمصلحة الشعب الفقير البائس. واتَّجه إيليا إلى حيث كان أخآب، فقال له الملك: «هل أنت مكدّر إسرائيل؟». فأجاب إيليا: «لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك، بترككم وصايا الرب وسيركم وراء الأصنام والأوثان». ثم طلب النبي من الملك أن يجمع له أنبياء الصنم ليواجههم في امتحان قاس يشهده الشعب جميعاً. ووافق الملك على تلك المواجهة (سفر الملوك الأول ١٨: ١٧-٢١).

وفي اليوم المحدد جاء أنبياء الأوثان، كما جاء كثيرون من الشعب. فقال إيليا للشعب: «أَنَا بَقِيتُ نَبِيّاً لِلرَّبِّ وَحْدِي، وَأَنْبِيَاءُ ٱلْبَعْلِ أَرْبَعُ مِئَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلاً. فَلْيُعْطُونَا ثَوْرَيْنِ، فَيَخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ ثَوْراً وَاحِداً وَيُقَطِّعُوهُ وَيَضَعُوهُ عَلَى ٱلْحَطَبِ، وَلٰكِنْ لاَ يَضَعُوا نَاراً. وَأَنَا أُقَرِّبُ ٱلثَّوْرَ ٱلآخَرَ وَأَجْعَلُهُ عَلَى ٱلْحَطَبِ، وَلٰكِنْ لاَ أَضَعُ نَاراً. ثُمَّ تَدْعُونَ بِٱسْمِ آلِهَتِكُمْ وَأَنَا أَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ. وَٱلإِلٰهُ ٱلَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ ٱللّٰهُ». فَأَجَابَ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ: «ٱلْكَلاَمُ حَسَنٌ» (سفر الملوك الأول ١٨: ٢٢-٢٤).

الوثنيون يبدأون:

وقال إيليا لأنبياء الأوثان: «ٱخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ ثَوْراً وَاحِداً وَقَرِّبُوا أَوَّلاً، لأَنَّكُمْ أَنْتُمُ ٱلأَكْثَرُ، وَٱدْعُوا بِٱسْمِ آلِهَتِكُمْ، وَلٰكِنْ لاَ تَضَعُوا نَاراً». فَأَخَذُوا ٱلثَّوْرَ ٱلَّذِي أُعْطِيَ لَهُمْ وَقَرَّبُوهُ، وَدَعُوا بِٱسْمِ ٱلْبَعْلِ مِنَ ٱلصَّبَاحِ إِلَى ٱلظُّهْرِ: «يَا بَعْلُ أَجِبْنَا». فَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ. وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ ٱلْمَذْبَحِ ٱلَّذِي عُمِلَ. وَعِنْدَ ٱلظُّهْرِ سَخِرَ بِهِمْ إِيلِيَّا وَقَالَ: «ٱدْعُوا بِصَوْتٍ عَالٍ لأَنَّهُ إِلٰهٌ! لَعَلَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ فِي خَلْوَةٍ أَوْ فِي سَفَرٍ، أَوْ لَعَلَّهُ نَائِمٌ فَيَتَنَبَّهَ!» فَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَالٍ، وَتَقَطَّعُوا حَسَبَ عَادَتِهِمْ بِٱلسُّيُوفِ وَٱلرِّمَاحِ حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ ٱلدَّمُ. وَلَمَّا جَازَ ٱلظُّهْرُ وَتَنَبَّأُوا إِلَى حِينِ إِصْعَادِ ٱلتَّقْدِمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ وَلاَ مُصْغٍ» (سفر الملوك الأول ١٨: ٢٥-٣٠)، بدأ إيليا يرمّم مذبح الرب المنهدم، وأخذ اثني عشر حجراً بعدد أسباط بني إسرائيل، وعمل قناة حول المذبح ثم رتَّب الحطب وقطَّع الثور ووضعه على الحطب، وطلب أن يملأوا أربع جرات من الماء وأن يصبّوه على المحرقة وعلى الحطب. وطلب منهم أن يفعلوا ذلك ثلاث مرات، فسكبوا اثنتي عشرة جرة ماء على الذبيحة، فجرى الماء حول المذبح، وامتلأت القناة بالماء.

ثم صلى إيليا: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ، لِيُعْلَمِ ٱلْيَوْمَ أَنَّكَ أَنْتَ ٱللّٰهُ فِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ، وَبِأَمْرِكَ قَدْ فَعَلْتُ كُلَّ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ. ٱسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ ٱسْتَجِبْنِي، لِيَعْلَمَ هٰذَا ٱلشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ، وَأَنَّكَ أَنْتَ حَوَّلْتَ قُلُوبَهُمْ رُجُوعاً» (سفر الملوك الأول ١٨: ٣٦ و٣٧). واستجاب اللّه صلاة نبيِّه إيليا، فنزلت نار من السماء أكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، وتقول التوراة إنها لحست المياه التي في القناة. وما أن رأى جميع الشعب ذلك حتى سقطوا على وجوههم يصرخون: «ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللّٰهُ! ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللّٰهُ!» (سفر الملوك الأول ١٨: ٣٩). فأمرهم إيليا أن يُمسكوا أنبياء البعل ويقتلوهم. وهنا قال إيليا للملك أخآب: «أسرع إلى بيتك فإن المطر سوف ينهمر» (سفر الملوك الأول ١٨: ٢٥-٤١).

مواجهة كبيرة:

لقد تمَّت المواجهة بين الإله الحي الحقيقي القادر على كل شيء، والأوثان التي لا تنفع ولا تفيد. ولم تستطع الأوثان أن تُعين الذين صرخوا إليها، لكن الرب استجاب بنار من السماء. وهكذا استطاع الجميع أن يميّزوا من هو الإله الحقيقي صاحب السلطان في السماء وعلى الأرض. وقال النبي إيليا للملك أخآب: «أسرع إلى بيتك فإنه بعد سقوط العبادة الوثنية، سوف يُنزِل الرب المطر من السماء، لتعود للأرض ثمارُها وغلَّتها».

كان إيليا ممتلئاً بالغيرة على ملكوت اللّه، حتى أنه دعا اللّه قائلاً: «ليُعْلَم اليومَ أنك أنت اللّه». وكانت نفسه مليئة بالحزن على ضلال الشعب وارتداده عن العبادة الحقيقية، فكان قلبه يأكله لأنه يريد أن يُرجع الناس للعبادة الحقيقية. وهذا يذكّرنا بالقول الكريم: «غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي» (أنجيل يوحنا ٢: ١٧).

وكان يرغب أن يعرف خطة اللّه ليتمّمها، فقال: «ليُعْلم اليوم أنك أنت اللّه، وأني أنا عبدك، وبأمرك قد فعلت كل هذه الأمور». وعندما عرف إيليا خطة اللّه لحياته، اندفع يتمّمها بغير خوف من الملك الشرير أخآب.

هل تعلم أن اللّه جهَّز خطة جميلة لحياتك رتَّبها لك؟ فعليك أن تعرفها لتسلك فيها. وما أجمل ما قال الإنجيل: «مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (رسالة أفسس ٢: ١٠).

ثم قال إيليا لبني إسرائيل «حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ ٱلْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللّٰهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ ٱلْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ» (سفر الملوك الأول ١٨: ٢١). لقد كان الشعب يعبد الوثن، وفي الوقت نفسه يعبد اللّه. ولم يكن اللّه ولا إيليا راضيين عن هذا.

ألا ترى أن كثيرين في أيامنا هذه يعيشون ساعة لربهم وساعة لشهواتهم. إنهم يُشبِهون في سيرهم رجلاً أعرج، رجلاه غير متعادلتين، أو يشبهون خادماً يخدم سيدين وهو يحاول أن يرضيهما كليهما في وقت واحد، ولكنه لن يستطيع أن يُرضي أياً منهما. ولذلك فإن النبي إيليا، في غيرته للرب، لم يحتمل هذه الغباوة من جانب الشعب، وأعلن أنه قد حان الوقت ليقف الشعب كله وراء الرب الإله، بدون أن يُشرك في عبادته أحداً. ومن الغريب أن الشعب عندما سمع كلام إيليا: «إن كان الرب هو اللّه فاتَّبعوه» لم يجيبوا إيليا بكلمة واحدة، ولم يستطيعوا أن يدافعوا عن عَرجهم المؤلم بين عبادة اللّه وبين عبادة الوثن.

وقدم إيليا لمستمعيه تحدياً آخر. قال: «إن الإِله الذي يُجيب بنار فهو اللّه». وهنا تكلم الشعب وأجابوا: «الكلام حسن». لقد قدم إيليا اقتراحه وهو واثق أن اللّه لا يمكن أن يخيِّب منتظريه. فاللّه هو الحي، وهو الذي كلَّف إيليا بخدمته، وهو الذي يرسله ليقوم بتلك الرسالة. إن اللّه لا يخيّب رجاء الإنسان الذي يُلقي عليه كل اتكاله. وأنت إن كنت واثقاً أنك تتمّم خطة اللّه، فنرجوك أن تتقدم باسم اللّه، وعندئذ ستجد أن قُوى الطبيعة سارت في طاعتك.

ونلاحظ أن النبي إيليا خاطب مستمعيه من أنبياء البعل بكلمات سخرية لاذعة. لقد ظلوا يدْعون باسم صنمهم من الصباح إلى الظهر، وهم يرقصون حول المذبح مراراً. ولكن كما يقول كاتب المزمور المئة والخامس عشر: «أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي ٱلنَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا» (سفر المزامير ١١٥: ٤-٨).

أصنام اليوم:

ونحن في هذه الأيام وإن كنا لا نعبد أصناماً، لكننا نعبد المادة، والمراكز، وشهواتنا. ولقد آن الأوان لندرك أن هذه الآلهة لن تجيب ولن تصغي لنا. وستظل حياتنا بلا دفء ولا معنى حتى نجيء إلى اللّه الحي الحقيقي.

ونلاحظ أن النبي إيليا قتل أنبياء الوثن جميعاً. وهذه هي النهاية الطبيعية للذين يتركون اللّه ويعبدون أوثاناً من صُنع أيديهم، فالكتاب المقدس يقول إن أجرة الخطية هي موت، وإن النفس التي تخطئ تموت. وكل من يبتعد عن اللّه يحكم على نفسه بالموت، لأنه يفصل نفسه عن مصدر الحياة. ما أجمل ما قاله الكتاب المقدس: إننا باللّه نحيا ونتحرك ونوجد. وما أجمل ما قال السيد المسيح: «إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (أنجيل يوحنا ١٤: ١٩).

ندعوك أن تتخذ اللّه إلهاً لك وسيداً لحياتك، تسلّمه القلب والحياة وتعيش في إرادته الصالحة باستمرار، لتختبر الحياة ذات المعنى وذات القيمة، كما اختبرها نبيُّ اللّه إيليا.

دروس لنا:

طلب اللّه من إيليا أن يجاهد في سبيله، ليرُدَّ الشعب إلى العبادة الصحيحة. وأعطى إيليا الإيمان والشجاعة ليقوم بهذه المسئولية. وعندما يكلفك اللّه بعمل خدمة له فإنه يؤهلك لتقوم بها على أحسن وجه.

عندما قابل إيليا الملك أخآب كان يمكن أن يغضب الملك عليه ويقتله، ولكن اللّه حفظ إيليا. ولقد جاء المسيح إلى العالم ليُلقي سيفاً روحياً لمحاربة إبليس وأتباعه، وليس فقط سلاماً - وقال سمعان الشيخ وهو يحمل الطفل يسوع: «هٰذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضاً يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ» (أنجيل لوقا ٢: ٣٤ ، ٣٥). هو في وسط هذه الحروب كلها يستر أولاده بستر جناحيه.

وكل الذين يخدمون اللّه يطلق العالم عليهم لقب «مكدّر» - كما قال أخآب عن إيليا. وهكذا «يكدر» النورُ العينَ المريضة، و «يكدر» الملحُ الجسمَ المجروح. ولو كانت حياة المؤمنين مع الخطاة بغير تكدير للخطاة، لكانت حياة المؤمنين مثل الملح الذي فقد ملوحته.

يعلن اللّه عن نفسه بالنار، فحسناً قيل: «إلهنا نار آكلة» (رسالة العبرانيين ١٢: ٣٩). لقد قطع اللّه عهداً مع إبراهيم بمرور مصباح نار بين قطع الذبائح (سفر التكوين ١٥: ١٧). وأحرق اللّه سدوم وعمورة بالنار (سفر التكوين ١٩: ٢٤). وأهلك المئتين والخمسين رجلاً الذين تعاونوا مع بني قورح بالنار (سفر العدد ١٦: ٣٥). وفي يوم الخمسين حل الروح القدس على التلاميذ واستقرَّ عليهم بألسنة كأنها من نار (سفر أعمال الرسل ٢: ٣).

الفصل الرابع: المطر ينزل

استجاب اللّه صلاة إيليا، وأنزل نار السماء لتحرق الذبيحة فهتف بنو إسرائيل: «الرب هو اللّه». وقتل النبيُّ إيليا أنبياء الصنم الذين ضللوا الشعب، حتى لا يعودوا يُضلّون الشعب من جديد. وتاب الشعب إلى اللّه ودخل في عهدٍ معه.

وهنا أدرك النبي إيليا أن اللّه لا بد سيرفعُ العقوبة التي وقَّعها على شعبه، فتُنزل السماء مطراً. لقد قال اللّه لنبيِّه موسى: «إِنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ آتٍ بِكَ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ، أَرْضِ أَنْهَارٍ مِنْ عُيُونٍ وَغِمَارٍ تَنْبَعُ فِي ٱلْبِقَاعِ وَٱلْجِبَالِ. أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَلٍ. أَرْضٌ لاَ يُعْوِزُكَ فِيهَا شَيْءٌ» (سفر التثنية ٨: ٧-٩). ولكن خطية الناس جعلت السماء تمنع المطر. وقد كان من إنذارات الرب لشعبه أنهم في حالة الارتداد عنه «تَكُونُ سَمَاؤُكَ ٱلَّتِي فَوْقَ رَأْسِكَ نُحَاساً، وَٱلأَرْضُ ٱلَّتِي تَحْتَكَ حَدِيداً. وَيَجْعَلُ ٱلرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَاراً، وَتُرَاباً يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ حَتَّى تَهْلِكَ» (سفر التثنية ٢٨: ٢٣ ، ٢٤) وقد حدث هذا تماماً.

ولكن ها هو الشعب يتوب، ويرجع إلى عبادة اللّه، فرفع عنهم اللّه الضربة والعقاب ولا بد أن ينزل المطر، فقال النبي إيليا للملك أخآب: «صعد، كُلْ واشرب، لأنه حِسُّ دَويّ مطر». فذهب أخآب إلى قصره ليستمتع بوليمة كبيرة، وأما النبي إيليا فصعد إلى رأس جبل الكرمل ليصلي.

صلاة إيليا:

خرَّ إيليا إلى الأرض وجعل وجهه بين ركبتيه وأخذ يصلي متضرعاً إلى اللّه أن يرفع العقوبة عن الشعب بأن يُنزل المطر. وبعد وقتٍ من الصلاة أمر غلامه أن يذهب نحو البحر ليتطلَّع، لعله يرى سحاباً، فعاد الغلام يقول: إنه لم ير شيئاً. وجعل إيليا يصلي ويأمر غلامه بالذهاب للتطلُّع نحو البحر ست مرات، دون أن يرى الغلام شيئاً. وفي المرة السابعة قال الغلام للنبي إيليا: «رأيت غيمة صغيرة: قدر كفّ إنسان صاعدة من البحر». وسرعان ما اسودّت السماء بالغيوم، وهطل مطر عظيم. لقد استجاب اللّه صلاة نبيه إيليا. ويقول لنا الكتاب المقدس: «كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَاناً تَحْتَ ٱلآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى ٱلأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ صَلَّى أَيْضاً فَأَعْطَتِ ٱلسَّمَاءُ مَطَراً وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ ثَمَرَهَا» (رسالة يعقوب ٥: ١٧ ، ١٨).

لماذا سمع اللّه لإيليا؟

أول ما جعل صلاة النبي إيليا مُستجابة، أنه بناها على موعدٍ أعطاه اللّه له، فقد أمره اللّه أن يلتقي بالملك أخآب ليقول له إن السماء ستمطر. وجعل إيليا هذا الوعد مسنَداً له يتكئ عليه ويطلب من اللّه بِناءً عليه أن ينزل المطر. والكتاب المقدس عامر بمواعيد اللّه لنا. يقول السيد المسيح: «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ» (أنجيل متى ٧: ٧). وكلنا نذكر كيف صلى زكريا طالباً من اللّه أن يعطيه ولداً، فأرسل اللّه له ملاكاً يقول: «يا زكريا طلبتك سُمعت، وامرأتُك أليصابات ستلد لك ابناً، وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج، وكثيرون سيفرحون بولادته» (أنجيل لوقا ١: ١٣ ، ١٤). ولا عجب أن قال نبي اللّه داود: «لِكَلِمَاتِي أَصْغِ يَا رَبُّ. تَأَمَّلْ صُرَاخِي. ٱسْتَمِعْ لِصَوْتِ دُعَائِي يَا مَلِكِي وَإِلٰهِي، لأَنِّي إِلَيْكَ أُصَلِّي. يَا رَبُّ، بِٱلْغَدَاةِ تَسْمَعُ صَوْتِي. بِٱلْغَدَاةِ أُوَجِّهُ صَلاَتِي نَحْوَكَ وَأَنْتَظِرُ» (سفر المزامير ٥: ١-٣).

أيها القارئ الكريم، طالب الربَّ بمواعيده فسيستجيبَ لك حتماً.

واستجاب اللّه صلاة النبي إيليا، لأن النبي كان ينتظر بركات روحية. صحيح أنه طلب مطراً لتُعطي الأرض ثمراً، ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن الجدب والجفاف كانا نتيجةً للخطية والابتعاد عن اللّه، وكان لا بد أن يقود بني إسرائيل إلى التوبة حتى ينزل المطر. فمتى أرسل اللّه مطراً يدركون أن البركة هي من عند اللّه. ويقول لنا الإنجيل المقدس: «أَعَلَى أَحَدٍ بَيْنَكُمْ مَشَقَّاتٌ؟ فَلْيُصَلِّ. أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ. أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ ٱلْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ، وَصَلاَةُ ٱلإِيمَانِ تَشْفِي ٱلْمَرِيضَ وَٱلرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ» (رسالة يعقوب ٥: ١٣-١٥).

واستجاب اللّه صلاة النبي إيليا لأنه كان يفكر في غيره ويدعو اللّه لأجل الآخرين. كان اللّه قد أعال نبيه وأطعمه بمعجزات متنوعة، ولكنه هنا كان يطلب لصالح الشعب. والإنجيل يأمرنا أن تُقام طِلبات وصلوات وابتهالات وتشكُّرات لأجل جميع الناس (سالة تيموثاوس الأولى ٢: ١) وهذا يعلّمنا أن نصلي بعضُنا من أجل بعض. وتقول التوراة إن الرب ردَّ سبي أيوب لما صلى من أجل أصحابه، وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً (سفر أيوب ٤٢: ١٠). جميل أن نصلي من أجل بلادنا ومن أجل عائلاتنا ومن أجل حُكَّامنا، فقد علَّمنا المسيح أن نصلي قائلين: «أبانا الذي في السموات» فهو أبونا كلنا. صل من أجل غيرك، ولا تركّز كل طلباتك في الصلاة لأجل نفسك.

واستجاب اللّه صلاة إيليا، لأنها كانت صلاةً حارة من كل قلبه. عندما طلب نزول المطر قال: «استجبني يا رب استجبني». وعندما طلب نزول النار من السماء صلى سبع مرات صلوات عميقة وحارة. يطالبنا الإنجيل أن نكون حارين في الروح، عابدين الرب (رسالة رومية ١٢: ١١).

واستجاب اللّه صلاة إيليا لأنها كانت صلاة متواضعة.

تقول التوراة إنه خرَّ على الأرض وجعل وجهه بين ركبتيه. لقد وقف منتصباً في شجاعة أمام الملك أخآب، لكنه ارتمى على الأرض ساجداً أمام اللّه، والقلب المنحني أمام اللّه هو الذي ينال البركة، والنفس المنكسرة قدامه هي التي تتمتع باستجابة الصلاة.

واستجاب اللّه صلاة إيليا لأنها كانت صلاةً بإيمانٍ، تنتظرُ الاستجابة، وقد قال المسيح لنا: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ» (أنجيل مرقس ١١: ٢٤). واستجاب اللّه صلاة إيليا ونزل المطر من السماء. فليعطنا اللّه أن نصلي دائماً بانتظار استجابة الصلاة.

الفصل الخامس: إيليا يهرب

حقق النبي إيليا انتصاراً عظيماً على أنبياء الأوثان الذين عجزوا عن أن يُنزلوا ناراً تأكل ذبيحتهم، لكن اللّه الحي أنزل ناراً أكلت الذبيحة. ولما رأى بنو إسرائيل ذلك هتفوا كلهم: «الرب هو اللّه». وحقَّق إيليا أعظم انتصار كان يشتاق إليه، وأنزل اللّه المطر استجابة لصلاته. ولم يكن هناك أعظمَ من هذا.

وعاد الملك أخآب إلى قصره وحكى لزوجته إيزابل كل ما عمله إيليا، وكيف أنه قتل جميع أنبياء الصنم بالسيف. لم يكن أخآب متحمساً للأمور الدينية، وكان يستغرب كيف يهتم الشعب بأمور الدين، وكان كل ما يعني أخآب أن يجد ما يكفيه من الطعام والشراب، وأن يجد طعاماً لخيوله. غير أن الملكة إيزابل كانت مهتمة بدينها الوثني وكانت متحمّسة له. ولما سمعت أن النبي إيليا انتصر، خافت أن تندثر العبادة الوثنية. ولم تكن تستطيع أن تفعل شيئاً ضد النبي إيليا في يوم انتصاره العظيم، فقد كان الشعب كله يسانده ويساند العبادة الصحيحة. لذلك لجأت إلى الحيلة، فأرسلت إلى النبي إيليا شخصاً يهدّده بالموت. وكانت عباراتُ تهديدها ضعيفة، قالت: «هٰكَذَا تَفْعَلُ ٱلآلِهَةُ وَهٰكَذَا تَزِيدُ إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هٰذَا ٱلْوَقْتِ غَداً» (سفر الملوك الأول ١٩: ٢). كنا نتوقع أن النبي إيليا يقول: «أين هي آلهتك؟ ألم تصنعها يد البشر؟ إنها أوثان لا قيمة لها». وكنا نتوقع أنه يأخذ الرسالة إلى اللّه في ثقة كاملة، عالماً أن اللّه سيستره، كما يقول المرنم: «اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ فِي ظِلِّ ٱلْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ: «مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلٰهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ». لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ ٱلصَّيَّادِ وَمِنَ ٱلْوَبَإِ ٱلْخَطِرِ» (سفر المزامير ٩١: ١-٣). ولكن الغريب أن إيليا لم يفعل شيئاً من هذا، بل هرب من التهديد، وتقول التوراة إنه «مضى لأجل نفسه».

أخذ إيليا غلامه وسافر في الليل إلى جهة الجنوب حيث تنتهي مراعي فلسطين الخضراء بصحراء العرب المترامية الأطراف، إلى مكان لا يصل إليه نفوذ الملكة إيزابل. ووصل إلى بئر سبع حيث ترك غلامه، وتوغل أكثر في الصحراء نحو الجنوب إلى سيناء. كان يسير في أشعة الشمس الحارقة على الرمال الساخنة، ولم يكن هناك غربان تعوله، ولا امرأة تعتني به كما حدث في مدينة صرفة. وظهر له كأنَّ اللّه قد تركه، فطلب الموت لنفسه وقال: «كَفَى ٱلآنَ يَا رَبُّ! خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْراً مِنْ آبَائِي» (سفر الملوك الأول ١٩: ٤). ولعله ردَّد كلمات مزمور قديم لداود: «إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ ٱلنِّسْيَانِ! إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي! إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُوماً فِي نَفْسِي وَحُزْناً فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ! إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟» (سفر المزامير ١٣: ١، ٢).

التركيز على المشكلة:

لقد أصاب اليأس النبي إيليا لأنه ركَّز نظره على نفسه، قال للرب: «بقيتُ أنا وحدي». وإحساس الإِنسان بالوحدة إحساس قاتل. وعلى الإنسان منا أن يحيا دوماً بالقرب من ربه، بدرجة تحفظه من الشعور المؤلم بالوحدة، على مثال السيد المسيح الذي قال لتلاميذه قبل الصلب مباشرة: «هُوَذَا تَأْتِي سَاعَةٌ، وَقَدْ أَتَتِ ٱلآنَ، تَتَفَرَّقُونَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَاصَّتِهِ، وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي. وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ ٱلآبَ مَعِي» (أنجيل يوحنا ١٦: ٣٢).

صحيح أن غلام إيليا كان يرافقه في تلك الرحلة الطويلة إلى بئر سبع، لكن لم تكن هناك مشاركة وجدانية بين النبي وغلامه.

كثيراً ما يكون الإِنسان منا وسط مجموعة كبيرة من الناس، وبالرغم من ذلك يحس بالوحدة، لعدم وجود ارتباط وجداني بينه وبين الآخرين. ونحن نحتاج إلى جماعة المؤمنين ليكونوا من حولنا، يؤازروننا ويشجعوننا. فالإنسان منا لا يستطيع أن يعيش في جزيرة، منعزلاً عن الآخرين. لذلك صلى المسيح من أجل المؤمنين قائلاً: «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ» (أنجيل يوحنا ١٧: ١٥).

ونحن، عندما نحوّل نظرنا عن اللّه لنثبتَه على الظروف حولنا، تصيبنا خيبة الأمل والرعب، ونحتاج أن نستمع إلى ما يقوله الإنجيل المقدس عن موسى، إنه عندما ترك مصر كان غير خائف من غضب الملك، لأنه تشدَّد كأنه يرى من لا يُرى (رسالة العبرانيين ١١: ٢٧). وإيماننا ينجح دائماً عندما نرى اللّه ونثبّت عيوننا عليه، لذلك يقول الإنجيل لنا: «نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ ٱلإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ» (رسالة العبرانيين ١٢: ٢). لقد فكر إيليا كثيراً في تهديدات الملكة الشريرة إيزابل، مع أنها من تراب ورماد، ونسي أن الرب صانعه هو خالق السماء والأرض. فلما تأمل أقوال الملكة إيزابل ونسي سلطان اللّه، هرب إلى الصحراء لينجّي نفسه. وكم نشكر اللّه أنه لم يستجب صلاة إيليا عندما طلب أن يموت، وما أعظم مراحم اللّه عندما لا يستجيب كل صلواتنا. فنحن نطلب أحياناً ما لا ينفعنا - واللّه في محبته لا يعطي إلا الخير. ولذلك فهو لا يعطي كل ما نطلبه، بل يعطي كل ما نحتاج إليه، لذلك يقول المرنم: «اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ» (سفر المزامير ٢٣: ١).

لا يحتاج المؤمن إلى شيء ما دام مع اللّه، لأن اللّه يكفي المؤمن احتياجاته جميعاً، وخير لنا أن نترك أمورنا كلها بين يدي اللّه، كليّ الحكمة وكلي المحبة، فنستطيع أن نقول مع داود: «وَيَفْرَحُ جَمِيعُ ٱلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ. إِلَى ٱلأَبَدِ يَهْتِفُونَ، وَتُظَلِّلُهُمْ. وَيَبْتَهِجُ بِكَ مُحِبُّو ٱسْمِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ تُبَارِكُ ٱلصِّدِّيقَ يَا رَبُّ. كَأَنَّهُ بِتُرْسٍ تُحِيطُهُ بِٱلرِّضَا» (سفر المزامير ٥: ١١ ، ١٢).

هل هو اختبار مضى؟

عندما يمرُّ الإنسان باختبار عظيم يخاف لئلا تنتهي اختباراته العظيمة، ولئلا يفارقَه اللّه. هذا ما حدث مع كليم اللّه موسى، فقال للّه: «أَنْتَ قَائِلٌ لِي أَصْعِدْ هٰذَا ٱلشَّعْبَ، وَأَنْتَ لَمْ تُعَرِّفْنِي مَنْ تُرْسِلُ مَعِي... فَٱلآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ . فَقَالَ اللّه لموسى مشجّعاً: «وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ» (سفر الخروج ٣٣: ١٢-١٤) وهكذا حدث مع رسول المسيحية بطرس، فإنه بعد ما مشى على الماء مع المسيح، نظر إلى الأمواج من حوله فخاف، وبدأ يغرق، فصرخ: «يَا رَبُّ نَجِّنِي» (أنجيل متى ١٤: ٣٠).

صحيح أن إيليا مرَّ باختبار عظيم، لكن تهديد الملكة إيزابل له أخافه، مع أنه كان تهديداً فارغاً لا أساس له، فكان لا بد لإيليا أن يتعلم درساً آخر، وهو أن اللّه الذي يعمل بالنار والعاصفة، يعمل أيضاً بالهدوء.

لو أننا تركنا أنفسنا لحظة واحدة بعيداً عن اللّه، واستسلمنا لليأس، سنجد أننا ضيَّعْنا مكانتنا في خدمة اللّه، وفقدنا فرصاً عظيمة كان يمكن أن نستخدمها لردّ الضالين إلى طريق اللّه. ولا يستطيع أحد منا أن يقول: «إنني أكبر من أن أرتكب الخطيئة». أو يقول: «أنا لا أميل بطبعي إلى السقوط في هذا الشر. إن نفسي قويةٌ ومنيعة في هذه الناحية». فإن عدوَّ النفوس يريد أن يُسقطنا ويهاجمنا في الناحية التي نظن أننا أقوياء فيها.

إيليا يظلم:

وفي هروب إيليا ظلم كبير. أول ما فيه من ظلم، أن النبي ظلم نفسه - فلم يكمّل الخدمة التي أعطاها اللّه له. كان يقدر أن يواجه الملكة إيزابل كما واجه الملك أخآب بكل شجاعة، لكنه أساء تقدير قيمة نفسه.

وكان إيليا ظالماً لإِلهه، فإن اللّه الذي كلَّفه أن يقوم بالخدمة كان لا بد سيؤهّله للقيام بها، ويعطيه الإِمكانات التي تعاونه. إن اللّه الذي أمر الغربان أن تعول إيليا كان يمكن أن يحميه من تهديد إيزابل الشريرة.

وظلم إيليا تاريخ شعبه، فإن تاريخ بني إسرائيل عامر بمعاملات اللّه الحلوة. لقد أطعمهم المنَّ في الصحراء، وأرسل إليهم السلوى. ولم يجعل أحذيتهم تبلى خلال رحلة أربعين سنة.. هذا الإِله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، ولا زال يتعامل بذات الطريقة الأمينة المُحبة مع شعبه الذين يسلكون حسب مشيئته، فإن كل من يفعل الحق يُقبل إلى النور لتظهر أعماله أنها باللّه معمولة (أنجيل يوحنا ٣: ٢١).

وهذا يقودنا إلى سؤال: لماذا يذكر الكتاب المقدس ضعفات المؤمنين والأتقياء؟ الإجابة: لأنه يريد أن يعلّمنا أن البشر خطاة مقصّرون «كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ» (سفر إشعياء ٥٣: ٦). وليس أحد من المولودين من النساء بلا خطية إلا واحد وهو السيد المسيح. وهذا يدفعنا أن نلجأ إلى مراحم اللّه دائماً لنطلب غفرانه، ولنسأل معونته لنا، لنحقق قصده في حياتنا.

اللّه يطعم إيليا الهارب:

أرسل اللّه ملاكاً مسَّ إيليا برفق وناداه: «قُمْ وكُلْ». وأعطاه كعكة مخبوزة على حجارة محمَّاة في النار، يسمونها «كعكة رَضْف». ورأى كوز ماء عند رأسه، فأكل الكعكة وشرب الماء، وعاد ينام. فمسَّه ملاك اللّه مرة ثانية برفق وقال له: «قُمْ وكل لأن المسافة كثيرة عليك». فقام وأكل وشرب وانتعش، وابتدأ يمشي أربعين نهاراً وأربعين ليلة، حتى وصل إلى جبل اللّه حوريب، وهو جبل سيناء الذي أعطى اللّه عليه الوصايا العشر لموسى، ويسمى اليوم «جبل موسى» وتحته وادي الراحة. ووجد إيليا مغارة عند جبل حوريب بات فيها.

ترى لماذا هرب إيليا؟

الإجابة: هرب، لأنه نظر إلى الظروف من حوله أكثر مما نظر إلى اللّه من فوقه. قال للّه: «لستُ خيراً من آبائي» ونسي إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وداود. نظر إلى بني إسرائيل الذين ضلوا عن العبادة الإلهية واستسلموا للعبادة الوثنية. ونسي أن اللّه يريد أن يردَّ الضال ويتوّب الخاطئ، فحتى هؤلاء الذين ضلوا إلى عبادة الوثن، عندما رأوا برهان ربهم، هتفوا: «الرب هو اللّه».

لقد ظن إيليا أن رسالته فشلت، ولكنها لم تفشل، لأن اللّه ساهر على كلمته ليُجريها، ولأن كلمة اللّه أمضى من كل سيف ذي حدين، ولا بد أن تصل إلى القلوب لتعمل فيها وتغيّرها. إن لكلمة اللّه سلطاناً، وحيثما وُجدت يصاحبها سلطان اللّه.

كان إيليا قد تعب جداً بعد أن بذل مجهوداً كبيراً وهو يصارع مع أنبياء البعل على جبل الكرمل. وبعد أن قتلهم رفع صلاة حارة للّه، بعدها جرى أمام مركبة الملك أخآب نحو خمسة وعشرين كيلومتراً. وقد جاء هذا المجهود الجبار بعد فترة راحة كبيرة في بيت أرملة صرفة. وبعد أن انتهت كلُّ مجهوداته العنيفة عانى من ردّ الفعل الذي يرجع إليه السبب الأكبر في كآبة النبي إيليا وانقباض نفسه. ويقول لنا المزمور المئة والثالث: إن اللّه يعرف جبلتنا ويذكر أننا تراب نحن، ولذلك فإنه يرثي لنا وقت ضعفنا البدني. على أننا نرجو من القارئ الكريم أن يدرك أن جسده هيكل للروح القدس، وأنه يجب أن يعتني بهذا الجسد ليستخدمه اللّه استخداماً ناجحاً.

اللّه يعاقب إيليا الهارب:

أطعم اللّه إيليا، وبعد ذلك سافر إلى أن وصل إلى جبل موسى في سيناء، حيث وجد مغارة بات فيها. وهناك سأله اللّه: «ما لك ههنا يا إيليا؟». وكأن اللّه يقول له: لماذا جئت إلى هذا المكان؟ ماذا تفعل عندك؟

لقد سبق للّه أن أطعم نبيَّه واعتنى به وقوَّاه، ولا زال إيليا عبدَ اللّه وخادمَه الغيور على رسالته، رغم أنه لم يكن قد أكمل توصيلَ تلك الرسالة. كان لا يزال عليه عمل كبير ليقوم به. كان قد ترك العمل الذي كلَّفه اللّه به وهرب إلى هذا المكان البعيد. ولذلك سأله اللّه: «لماذا أنت هنا يا إيليا؟ كان يجب أن تكون مكانك وسط الشعب تقوده للعبادة الحقيقية». بهذا العتاب الرقيق يساعد اللّه نبيَّه ليُعيد حساباته، وليفكر من جديد في مسؤوليته الروحية التي هرب منها. ولقد أعاد هذا السؤال إلى النبي إيليا رشده، فعاد يفكر في طبيعة اللّه وفي أهدافه. لم يكن إيليا وحيداً في عبادة اللّه، لأن اللّه أبقى لنفسه كثيرين مؤمنين مخلصين له، ولو أنهم مختبئون غير ظاهرين. ولا شك أن السؤال الإلهي الذي يُوجَّه إلينا: «ما لك ههنا؟» يجعلنا نقول للّه ما قاله داود: «ٱخْتَبِرْنِي يَا اَللّٰهُ وَٱعْرِفْ قَلْبِي. ٱمْتَحِنِّي وَٱعْرِفْ أَفْكَارِي. وَٱنْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَٱهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً» (سفر المزامير ١٣٩: ٢٣ و٢٤).

وأجاب إيليا: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلٰهِ ٱلْجُنُودِ لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِٱلسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَاِ» (سفر الملوك الأول ١٩: ١٤). هذه الكلمات تعبير مؤلم عن اليأس والأسى في نفس إيليا. غريب أن إيليا يدعو اللّه باسم الرب «إله الجنود» ومع ذلك يمضي ليقول له إنه بقي وحده، وإن أعداءه يريدون أن يهلكوه.

كيف يمكن أن يترك اللّه نبيَّه في يد الأعداء، إن كان اللّه هو رب الجنود؟ ما أجمل أن نذكر كلمات داود في مثل هذا الموقف.. قال: «أُحِبُّكَ يَا رَبُّ يَا قُوَّتِي. ٱلرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي. إِلٰهِي صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي. تُرْسِي وَقَرْنُ خَلاَصِي وَمَلْجَإِي. أَدْعُو ٱلرَّبَّ ٱلْحَمِيدَ فَأَتَخَلَّصُ مِنْ أَعْدَائِي. اِكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ ٱلْمَوْتِ، وَسُيُولُ ٱلْهَلاَكِ أَفْزَعَتْنِي. حِبَالُ ٱلْهَاوِيَةِ حَاقَتْ بِي. أَشْرَاكُ ٱلْمَوْتِ ٱنْتَشَبَتْ بِي. فِي ضِيقِي دَعَوْتُ ٱلرَّبَّ وَإِلَى إِلٰهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ. فَٱرْتَجَّتِ ٱلأَرْضُ وَٱرْتَعَشَتْ أُسُسُ ٱلْجِبَالِ. ٱرْتَعَدَتْ وَٱرْتَجَّتْ لأَنَّهُ غَضِبَ... خَلَّصَنِي لأَنَّهُ سُرَّ بِي» (سفر المزامير ١٨: ١-٧ ، ١٩).

إن كنت خائفاً من ظروف قاسية حولك، وإن كنت تظن أن اللّه قد تركك، وأنك قد بقيت وحدك، فإننا ندعوك أن تختبر محبة اللّه العظيمة لك، فإن اللّه لا يهملك ولا يتركك، لكن عينه عليك دائماً.

اللّه يعلن نفسه لإيليا الهارب:

ثم أمر اللّه نبيَّه إيليا أن يخرج من المغارة وأن يقف على الجبل - ولكن النبي تردَّد في طاعة الأمر. ولسنا نعرف بالضبط لماذا لم يطع إيليا أمر اللّه فوراً، ترى هل كان يحس بالذنب؟ هل كان حزيناً على نفسه لأنه وضع نفسه في هذا الموقف السيّء؟ غير أن اللّه لم ينتظر حتى يخرج إيليا إلى خارج المغارة، بل أرسل ريحاً شديدة وعاصفة قوية شقَّت الجبال وكسرت الصخور. وتقول التوراة إن اللّه لم يكن في الريح. وبعد أن سكنت الريح أرسل اللّه زلزلة قوية، وتقول التوراة إن الرب لم يكن في الزلزلة. وبعد الزلزلة نزلت نار عظيمة من السماء أضاءت أرجاء المكان كله، حتى أن الكهف المظلم استنار، ولكن الرب لم يكن في النار.

تلك كانت جميع قوى الطبيعة، وكلها في يد الرب، تظهر قوته غير المحدودة. لقد سبق أن أرسل اللّه ريحاً شديدة شقت مياه البحر الأحمر، فعبر بنو إسرائيل على اليابسة، بينما الماء يقف سوراً لهم عن يمينهم وعن يسارهم. وعندما شرع فرعون وجنوده أن يفعلوا الشيء نفسه غرقوا. وفي نزول النار على ذبيحة إيليا أظهر اللّه قوته العظيمة. وكنا نتوقع أن الريح والزلزلة والنار هي العلامات المناسبة لحضور اللّه، فإن اللّه قوي جبار. غير أن اللّه أراد أن يبيّن لإيليا أنه الإِله الرقيق المحب، فقد سمع إيليا صوتاً منخفضاً خفيفاً مسَّ قلبه وهدَّأ روعه لأنه علامة محبة اللّه الفائقة التي جاءت تفتش عن النبي. فلما سمع إيليا صوت اللّه لفَّ وجهه بردائه، علامة الاحترام، كما تفعل الملائكة المحيطة بالعرش (سفر إشعياء ٦: ٢)، ولفَّ وجهه علامة المهابة كما غطى موسى وجهه عندما ظهر الرب له في العليقة (سفر الخروج ٣: ٦). وكل من يقترب إلى اللّه في العبادة والصلاة يجب أن يقترب بالثقة والاحترام.

أيها القارئ الكريم، يكلمك اللّه بصوت الحب المنخفض الرقيق، يدعوك للتوبة. إنه يقرع باب قلبك لترجع إليه تائباً. يدعوك في همسات حانية لتعيش له ولتترك خطيتك. فانتبه لصوت حب اللّه المنخفض الخفيف لك.

اللّه يعيد تكليف النبي الهارب:

سأل الرب: «ما لك ههنا يا إيليا؟» وكأنه يقول له: «يا إيليا، ليس هذا مكانَك». وكرر اللّه سؤاله، لأن إيليا لم يكن قد فهم ما قصده الرب عندما وجَّه السؤال إليه أول مرة، فقال الرب لنبيّه: «اذهب راجعاً في طريقك إلى برية دمشق». واللّه هنا يُرجِع إيليا إلى عمله. لقد هرب إلى الجنوب، واللّه يُعيده إلى الشمال من حيث هرب. وأفضل علاج لنا في حالات يأسنا هو أن نعمل شيئاً لخدمة اللّه، وأن نرجع إلى موقعنا الأول في إرضاء اللّه. كما قال اللّه لملاك كنيسة أفسس: «وَقَدِ ٱحْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لٰكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ ٱلأُولَى. فَٱذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَٱعْمَلِ ٱلأَعْمَالَ ٱلأُولَى» (سفر الرؤيا ٢: ٣-٥).

ليتنا نذكر دائماً من أين سقطنا لنرجع ونتوب.

ورجع النبي إيليا في الطريق التي كان قد هرب فيها، ومرَّ بالبلاد التي كان يخاف أن يمرَّ بها. ولكن الرب كان معه في رجوعه، وحقَّق له وعده الذي يقول: «أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر».

ووجَّه الرب إلى النبي أمراً أن يمسح «حزائيل» ملكاً في دمشق على أرام، وأن يمسح «ياهو بن نِمشي» ملكاً على إسرائيل، وأن يمسح «أليشع بن شافاط» نبياً عوضاً عنه. والمقصود من كلام الرب لإيليا أن اللّه سيُقيم في دمشق من يُجري أحكامه على بني إسرائيل، كما يُقيم في بني إسرائيل من يلاشي عبادة الأوثان. ويقيم نبياً آخر يستلم العمل من إيليا عندما ينتقل إلى حضرة اللّه. وفي هذا تطمين كامل للنبي إيليا أن اللّه ساهر على كلمته ليُجريها، وأنه غير غافل عن شيء أو قاصر عن شيء.

لقد ظن إيليا أنه الشخص الوحيد وسط شعبه الذي يعبد اللّه، وحتى هذا الشخص الواحد رأى أنه سيموت في سبيل اللّه. ولكن الله طمأن إيليا بأنه صاحب السلطان في الأرض كلها، وأن ملوك الوثنيين بين يديه يفعل بهم ما يشاء، وكل العالم في قبضة يده يحقق به مقاصده الصالحة. وما أجمل ما قال النبي إشعياء: «هَا إِنَّ يَدَ ٱلرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ» (سفر إشعياء ٥٩: ١). «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلأَرْضَ تُخْرِجُ نَبَاتَهَا، وَكَمَا أَنَّ ٱلْجَنَّةَ تُنْبِتُ مَزْرُوعَاتِهَا، هَكَذَا ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ يُنْبِتُ بِرّاً وَتَسْبِيحاً أَمَامَ كُلِّ ٱلأُمَمِ» (سفر إشعياء ٦١: ١١). ويقول اللّه: «كَمَا يَنْزِلُ ٱلْمَطَرُ وَٱلثَّلْجُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ ٱلأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعاً لِلّزَارِعِ وَخُبْزاً لِلآكِلِ، هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي ٱلَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ» (سفر إشعياء ٥٥: ١٠-١١).

دروس لنا:

أرسل اللّه ملاكاً لإِيليا وهو نائم (سفر الملوك الأول ١٩: ٥). كان اليأس قد ركب نفسه، وكان المكان قاحلاً كئيباً. لكن اللّه جعل هذه الصحراء «بَيْت ٱللّٰهِ، وَهٰذَا بَابُ ٱلسَّمَاءِ» (سفر التكوين ٢٨: ١٧). وهكذا يفعل معك. فعندما تُغلَق أمامك أبواب الأرض تنفتح لك أبواب السماء.

كانت نَفْس إيليا مُرَّة وروحه حزينة، فلم يشعر بحاجته للغذاء، فقال الملاك له: «قُمْ وَكُلْ» (سفر الملوك الأول ١٩: ٥ ، ٧). قالها له مرتين.

                               

أنت تحتاج لغذاء الروح كلما كنت في كآبة وحزن. واللّه ينبّهك لتتغذى بكلمة الحياة، الكتاب المقدس. قد ينبّهك بجوع داخلي، أو بتشجيع من صديق، أو بآية كتابية. وما أن تبدأ في أكل الكلمة حتى تنفتح شهيتك لتأكل أكثر.

ظن إيليا أن اللّه تركه وحده، ولكن هذا الظن خاطئ تماماً، فقد قال اللّه له: «أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ ٱلرُّكَبِ ٱلَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ» (سفر الملوك الأول ١٩: ١٨). ونحن لا نعرف كثيراً عن هؤلاء الآلاف السبعة، غير أنهم ظلوا ثابتين في عبادة اللّه، يرفضون عبادة الوثن. كانوا يبكون في الخفاء على خطية الشعب، ولم يكن الملك الشرير أخآب يعرفهم، لكن اللّه كان يعرفهم كما يعرف الراعي الصالح خاصته وخاصته تعرفه (أنجيل يوحنا ١٠: ١٤).

وفي عالمنا اليوم آلاف من الذين يؤمنون بالمسيح سراً، وهم يخافون أن يعلنوا إيمانهم، ولكن اللّه يعرفهم. إن عطر الزهور يعلن عن نفسه مهما أخفيته، وعمل اللّه في القلب البشري لا بد أن يظهر. لقد رأى اللّه إيمان هؤلاء وقدّره حقَّ قدره.

قد تكون ضعيفاً وإيمانك غير ظاهر، ولكن إيمانك بالمسيح ومحبتك له سيجعلانك تجاهد لتحفظ نفسك من دنس العالم. إن اللّه يعرفك ويحبك ويحيطك بعنايته الخاصة غير المحدودة، فليحقق اللّه في حياتك قول السيد المسيح: «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (أنجيل متى ٥: ١٦).

ومن أمر الرب لنبيه إيليا أن يمسح «حزائيل» ملكاً في دمشق، و«ياهو» ملكاً على بني إسرائيل، و «أليشع» نبياً للّه، نرى تنوُّع الوسائل التي يستخدمها اللّه لتحقيق مقاصده في عالمنا. إن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يختلف عن غيره، ولكن كل واحد منهم يقوم بالمأمورية الخاصة التي تدمّر العبادة الوثنية. لقد صار الملك حزائيل قضيبَ الغضب الإِلهي الذي انتقم من بني إسرائيل الذين عبدوا الوثن. أما «ياهو» فقد كان آلة التعذيب التي دمَّرت بيت الملك أخآب الشرير. أما خدمة النبي «أليشع» فقد كانت الصوت المنخفض الخفيف، فإن معنى كلمة «أليشع» اللّه خلاصي.

صحيح أن اللّه متسلطٌ في مملكة الناس، يفعل إرادته الصالحة بأشخاص صالحين وبأشخاص غير صالحين. ونرجو أن تكون أنت صالحاً ليتمم اللّه غرضه الصالح بك. وما أجمل ما قاله يوسف الصديق لإخوته: «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً، أَمَّا ٱللّٰهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا ٱلْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْباً كَثِيراً» (سفر التكوين ٥٠: ٢٠).

الفصل السادس: كرم نابوت

عاش في مملكة الملك أخآب رجل اسمه نابوت، من بلدة يزرعيل، كان يملك حقلاً زرعه كرماً بجانب قصر الملك أخآب، فطمع الملك في حقل نابوت وطلب منه أن يبيعه له ليضمَّه إلى قصره. وعرض أن يدفع لنابوت أكثر من السعر العادي. غير أن نابوت رفض طلب الملك، لأنه لم يُرد أن يفرّط في ميراث أجداده. فغضب أخآب الملك وذهب إلى قصره حزيناً. ولاحظت الملكة إيزابل حزن زوجها أخآب، فدبرت مكيدة لتستولي على الحقل، فأرسلت إلى شيوخ بلدة نابوت وطلبت منهم أن يتَّهموه بالتجديف على اللّه وعلى الملك، ثم أن يرجموه عقاباً له. وفعل شيوخ المدينة ذلك وقتلوا نابوت وأبناءه بالرجم. وذهب الملك أخآب ليضمَّ حقل نابوت إلى أرضه، لأن العادة كانت أن يستولي الملك على ميراث الأموات الذين لا ورثة لهم.

وغضب اللّه على أخآب وزوجته إيزابل، وأمر نبيَّه إيليا أن يذهب إلى أخآب ويقول له: «فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ ٱلْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ ٱلْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضاً» (سفر الملوك الأول ٢١: ١٩). وقد تمَّت هذه النبوة تماماً - لحست الكلاب دم الملكة إيزابل والملك أخآب بعد قتلهما.

الرغبة الخاطئة:

يحذرنا الكتاب المقدس من الرغبة الخاطئة فيما لا حقَّ لنا فيه، فتقول الوصية العاشرة: «لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ ٱمْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ شَيْئاً مِمَّا لِقَرِيبِكَ» (سفر الخروج ٢٠: ١٧) وقال السيد المسيح: «ٱنْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ ٱلطَّمَعِ» (أنجيل لوقا ١٢: ١٥). ويقول إمام الحكماء سليمان: «فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ ٱحْفَظْ قَلْبَكَ لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ ٱلْحَيَاةِ» (سفر الأمثال ٤: ٢٣). وفي هذا تحذير كافٍ للإنسان منّا من أن يشتهي ما يملكه غيره.

أيها القارئ، احذر كل ما لا يريده اللّه لك، ولا تقبل بأقل مما يريده لك. لقد أخطأ الملك أخآب كثيراً في أنه اشتهى أن يأخذ حقل نابوت. ابتدأ ذلك الفكر الخاطئ عنده بفكر مسيطر لم يستطع أن يتحكَّم فيه. كانت مملكته كبيرة وقصره متَّسع الأرجاء - لكنه اشتهى حقلاً - حتى زوجته إيزابل رأت حقارة ما طلب، ونحن نعلم أن كل شخص بعيد عن اللّه لا يمكن أن يشبع من ممتلكات العالم. إن كل ما في الأرض يشبه الماء المالح، كلما شرب الإنسان منه طلب المزيد.

كانت رغبة الملك أخآب صغيرة، ولكنها أثَّرت في حياته تأثيراً عظيماً، حتى رأى أنه لا معنى لحياته بغير حقل نابوت. ورغم صِغر ذلك الحقل، إلا أنه استولى على أفكاره حتى لم يبْقَ له شيء آخر يفكّر فيه. عندما يقرّب الإنسان منا قطعة عملة فضية صغيرة من عينه فإنها تحجب نور الشمس عنه. وعندما يشتهي الإنسان منا شهوة شريرة فإنها تحجب عنه نور اللّه. فلنحذر من الشهوة الخاطئة، لقد كان ذلك الحقل قريباً من قصر الملك وما أصعب الشهوة وهي قريبة. لو أن الملك أخآب غيَّر مكان غرفة نومه في اتجاه بعيد عن حقل نابوت - لو أنه حتى باع قصره كله، لَحَفِظَ نفسه من خطية الشهوة.

في عالمنا أشياء كثيرة تقرّب الشهوة إلينا، من وسائل الإِعلام التي تبثُّ لنا شهوات الجسد، ومن الأصحاب الفاسدين الذين يضلّلوننا عن الطريق القويم، ومن مبادئ العالم الغريبة عن المبادئ الإِلهية. هذه كلها تقرِّب الشهوة إلينا، لكن هذه الشهوة الصغيرة القريبة كانت عظيمة التأثير فحكمت فكر الملك أخآب وضيّعته تماماً.

بداية صغيرة:

عندما بدأ الملك أخآب يشتهي حقل نابوت، بدأ بداية معقولة. قال إنه سيعوّض نابوت عن حقله بالفضة. وقد يبدو هذا الكلام معقولاً، لولا أنه كان ضد الشريعة التي أعطاها اللّه لموسى. والمشكلة في الخطية أنها تبدأ معنا عندما نفلسفها، فنحن نعطي لكسر شريعة اللّه اسماً آخر، نقول: لنكن اجتماعيين.. لماذا نحرم أنفسنا؟ إن الكل يفعلون ذلك؟ ولقد خدع أخآب نفسه عندما أعطى الخطية اسماً آخر.

لم يقُل: سأشتهي حقل نابوت وآخذه، ولكنه قال: سأشتريه، أو سأبادله بشيء آخر. وسرعان ما تقدمت الشهوة في نفسه أكثر وأكثر، لأن الخطيئة متحركة غير ساكنة.

لقد استخدمت إيزابل الملكة ختم الملك أخآب وجعلت رجالاً آخرين يكذبون ويدَّعون على نابوت أنه جدَّف على اللّه وعلى الملك. وسرعان ما قتلوا نابوت المسكين عندما اشتهى أخآب كرم نابوت - لم يكن يريد أن يقتله، ولم يكن يظن أن الأمر سينتهي هذه النهاية السيئة التي سيطرت عليه ولوَّثته بما لم يفكر فيه.

أيها القارئ، هل بدأت خطية؟ رغبة في نجاح اجتماعي بالغش؟ هل تريد أن تؤمّن مستقبلك المالي بالحرام؟ اللّه يحذّرك من أن تفعل هذا.

نهاية سيئة:

كانت نتيجة قتل نابوت المسكين شيئاً لم يتوقعه الملك أخآب. لما سمع أن نابوت مات قام ليرث حقله وليستمتع به، ولكن ما إن دخل ذلك الحقل حتى جاءه صوت النبي إيليا يزعجه ويقول له: «هكذا يقول الرب: لا يحلّ لك!» وتضايق الملك جداً، فقال للنبي: «هل وجدتني يا عدوي؟».

مسكين أخآب! ظن أن النبي عدوه، مع أن رجل اللّه ليس عدوك، وصوت الضمير صديقك. وأعلن النبي إيليا عقوبة اللّه الشديدة على خطية الملك أخآب. لسوف يموت أخآب وزوجته إيزابل بسبب ما ارتكباه في حق نابوت المسكين البريء. إن الخطية تسبّب الموت وتضيّع السلام الداخلي، وتجيء بسحابة تحجب وجه اللّه عنا.

هل خطيتك في مجال المال؟ ليست حياة الإنسان من أمواله. هل خطيتك في رغبة شخصية تتملَّكك؟ قل للّه: لتكن لا إرادتي يا رب، بل لتكن إرادتك أنت. مهما بدت الخطيئة مشبعة فإنها لا تشبع القلب الإِنساني، فإن ما يشبع الإنسان هو عمل مشيئة اللّه الصالحة المرضية الكاملة.

موت أخآب:

بعد أن قتل الملكُ أخآب نابوت، أرسل اللّه له النبي إيليا ليقول له: «هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضاً؟ فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ ٱلْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ ٱلْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضاً» (سفر الملوك الأول ٢١: ١٩).

وقد حدث ما تنبأ به النبي إيليا، فقد خاض أخآب معركة حربية، ليستردّ مدينة راموت جلعاد من مملكة أرام. ودخل أرض المعركة متخفّياً، ولم يلبس ثيابه الملكية حتى لا يُعرف. ولكن سهماً طائشاً أصابه بجرح مميت، وجرى دم الجرح في مركبته الحربية. ومات عند المساء. وغسلوا مركبته الحربية في بركة السامرة، فلحست الكلاب دمه، تماماً كما قال إيليا (سفر الملوك الأول ٢٢: ٣٨).

موت إيزابل:

وتنبأ النبي إيليا أيضاً أن الكلاب ستأكل إيزابل عند مترسة يزرعيل (سفر الملوك الأول ٢١: ٢٣). وقد تحققت هذه النبوة، لما حدث انقلاب عسكري ضد بيت الملك أخآب، بقيادة القائد «ياهو». كحلت الملكة إيزابل عينيها وتزينت، وتطلعت من نافذة القصر إلى ياهو، فأمر ياهو بقذفها إلى الشارع، فنفَّذ رجال القصر ذلك، وسال دمها على الحائط وعلى الخيل التي داستها. وتركوا جثتها في الشارع. ولما جاءوا ليدفنوها لم يجدوا سوى الجمجمة والرجلين وكفَّي اليدين، فقد أكلت الكلاب بقية الجثة (سفر الملوك الثاني ٩: ٣٠-٣٧). وهكاذ عوقبت خطية الضلال عن الله، وحقَّق الله ما قاله النبي إيليا.

الفصل السابع: إيليا يعلّم الملكين أخزيا ويهورام

مات الملك أخآب الشرير الذي قاد بني إسرائيل لعبادة الأوثان، وملك بدلاً منه ابنُه الملك أخزيا. وكان أخزيا شريراً مثل أبيه، تقول التوراة عنه أنه «عَمِلَ ٱلشَّرَّ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ، وَسَارَ فِي طَرِيقِ أَبِيهِ وَطَرِيقِ أُمِّهِ، وَطَرِيقِ يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ ٱلَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ وَعَبَدَ ٱلْبَعْلَ وَسَجَدَ لَهُ وَأَغَاظَ ٱلرَّبَّ إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ أَبُوهُ» (سفر الملوك الأول ٢٢: ٥٢ و٥٣). من المؤلم أن الملك أخزيا لم يتعلم شيئاً من اختبارات أبيه الذي مات في خطيته، ولا بد أنه سمع في صدر شبابه كيف أنزل اللّه ناراً من السماء بينما عجزت الأصنام عن أن تفعل ذلك، ولكن هذا لم يغيّر طريقة تفكير أخزيا، ولم يَردَّه إلى عبادة الرب.

الملك أخزيا يقع:

وذات يوم كان الملك أخزيا يتمشَّى على سطح قصره في السامرة، واستند إلى كوَّة هوَتْ به إلى الأرض، فأصابته رضوض وجروح كثيرة. ولم يتجه فكر الملك أخزيا إلى اللّه بل اتجه فكره إلى صنم اسمه بعلزبوب، ومعناه «إله الذباب».

وقد كان أهل مدينة عقرون يعبدون إله الذباب هذا، ليمنع عنهم شرور الذباب. ولمَّا كان الذباب يتوالد في الأقذار، فقد رأى فيه الوثنيون إلهاً، لأنهم رأوا حياة الذبابة تنبعث من وسط القاذورات. ولما امتنع بنو إسرائيل عن عبادة الأوثان أطلقوا على الصنم بعلزبوب اسم رئيس الشياطين، وسمُّوه أيضاً بعلزبول، بمعنى سيد الأقذار. ولما كان أهل عقرون يؤمنون أن بعلزبوب يشفي من المرض، فقد أرسل الملك أخزيا يسأل بعلزبوب - إله الذباب - وهذا دليل على أن أخزيا لم يكن يؤمن بالرب.

إيليا يقابل رسل أخزيا:

وأرسل اللّه ملاكاً لنبيّه إيليا يقول له: «ٱصْعَدْ لِلِقَاءِ رُسُلِ مَلِكِ ٱلسَّامِرَةِ وَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلٰهٌ، تَذْهَبُونَ لِتَسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلٰهَ عَقْرُونَ؟ فَلِذٰلِكَ هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: إِنَّ ٱلسَّرِيرَ ٱلَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتاً تَمُوتُ» (سفر الملوك الثاني ١: ٣-٤). وأطاع إيليا دعوة اللّه، وذهب يقابل رسل الملك أخزيا قبل أن يصلوا إلى عقرون، وأبلغهم تلك الرسالة. فرجع الرسل إلى الملك أخزيا. واستغرب الملك سرعة عودتهم، وسألهم عما حدث، فقالوا له: قابلنا رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه، ثم أبلغوه رسالة النبي إيليا. وأدرك الملك أخزيا أن النبي إيليا هو الذي كلَّمهم، واغتاظ من إيليا كثيراً، وقرر أن ينتقم منه، فأرسل إليه ضابطاً مع خمسين جندياً، فصعد الضابط وجنوده إلى رأس الجبل واستدعى النبي ليلتقي بالملك، فقال إيليا: «إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ ٱللّٰهِ فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَٱلْخَمْسِينَ ٱلَّذِينَ لَكَ» (سفر الملوك الثاني ١: ١٠). فنزلت نار من السماء وأهلكت الضابط وجنوده الخمسين.

ولم يفهم الملك أخزيا رسالة اللّه له، فأرسل ضابطاً آخر ومعه خمسين جندياً آخرين، ومرة أخرى أمر إيليا أن تنزل نار اللّه لتلتهمهم، فهلكوا.

ومرة ثالثة لم يفهم الملك أخزيا الدرس الذي أراد اللّه أن يعلّمه له، فأرسل ضابطاً ثالثاً ومعه خمسين جندياً آخرين. ولكن الضابط الثالث كان قد فهم رسالة الرب مما حلَّ بالضابطين السابقين. فعندما وصل إلى حيث كان النبي إيليا، ركع أمامه وقال: «يا رجل اللّه، لتكرم نفسي وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين في عينيك. لقد نزلَتْ نار من السماء فأكلت رئيسيّ الخمسينين الأوَّلين وخمسينيهما، والآن فلتكرم نفسي في عينيك». فقال ملاك الرب لإيليا: «انزل مع هذا الضابط». فتوجَّه إيليا مع الضابط إلى الملك. وقال النبي للملك: «هكذا قال الرب: من أجل أنك أرسلْتَ رسلاً لتسأل بعلزبوب إله عقرون - ألا يوجد في إسرائيل إله لتسمع كلامه؟ لذلك السرير الذي صعدت عليه لا تنزل عنه، بل موتاً تموت». ولم تحرك هذه الكلمات الملك أخزيا ليتوب، بل استمر في عبادته الوثنية. فمات أخزيا كما قال اللّه على فم نبيه إيليا.

درسان:

من هذه القصة المؤلمة نتعلم درسين:

كان الملك أخزيا جاهلاً. قال المرنم: «قَالَ ٱلْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلٰهٌ» (سفر المزامير ١٤: ١). لم يؤمن أخزيا في صباه باللّه الحقيقي الذي أنزل النار من السماء، ولم يتعلم مِن قتل الضابط الأول والثاني مع جنودهما. وحتى عندما ذهب إليه النبي إيليا ليخبره بقول الرب لم يتُبْ، بل استمر في ضلاله وعبادته الوثنية. إننا لا نحتاج إلى معجزة لنؤمن، لكن القلب المنكسر والمنسحق أمام اللّه هو الذي يدرك صوت اللّه ويتوب. إننا ندعوك أن تدرك بيِّنات اللّه لك لتتوب.

أنزل إيليا ناراً من السماء لتلتهم القائدين مع جنودهما. هذه روح العهد القديم وروح التوراة. ولكن العهد الجديد، عهد الإنجيل، يختلف تماماً عن ذلك، فالإنجيل يعلّمنا أن اثنين من تلاميذ المسيح، هما يعقوب ويوحنا، طلبا من السيد المسيح أن يُنزل ناراً من السماء تُفني السامريين الذين رفضوا قبول المسيح في بلدهم، ولكن المسيح وبَّخهما (أنجيل لوقا ٩: ٥٥). لئن كنا نجد في التوراة عقاب اللّه على الخطاة فإننا نجد في الإنجيل شفقة اللّه على الأشرار، فلم يرسل اللّه المسيح إلى العالم ليدين العالم بل ليخْلُص به العالم.

يختلف زمان النبي إيليا عن زمان السيد المسيح. في زمن إيليا ظهر غضب اللّه برهاناً مقنعاً على وجود اللّه وقدرته. أما في مجيء المسيح إلى عالمنا وموته بدلاً عنا، فقد ظهرت محبة اللّه لنا، لذلك نلخّص الإنجيل كله في آية تقول: «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (أنجيل يوحنا ٣: ١٦). العهد القديم ينبّر على عظمة اللّه أما العهد الجديد فينبّر على محبة اللّه. ونحن ندعو القارئ الكريم أن يختبر اللّه في كمال محبته. إن اللّه عظيم - هذا صحيح - لكن اللّه محبة. وعظمة اللّه وقدرته هي في خدمة محبته ورحمته «اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي ٱللّٰهِ وَٱللّٰهُ فِيهِ» (رسالة يوحنا الأولى ٤: ١٦).

رسالة من إيليا للملك يهورام:

ذكرت لنا التوراة المقدسة أن النبي إيليا أرسل رسالة إلى الملك يهورام، الذي كان ملكاً على المملكة الجنوبية، ونعلم من تاريخ بني إسرائيل أن مملكة الملك سليمان انقسمت إلى قسمين: المملكة الشمالية وعاصمتها السامرة، وكانت تتكوَّن من عشرة أسباط. والمملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم وكانت تُعرف بمملكة يهوذا. وكان اللّه قد دعا النبي إيليا ليخدم المملكة الشمالية، حيث ملَك الملكُ الشرير أخآب، ولكن اللّه كلَّف نبيه إيليا أن يُرسل رسالة إلى الملك الجنوبي يهورام. لم يذهب النبي إيليا إلى المملكة الجنوبية، لكنه اكتفى بأن أرسل تلك الرسالة، وهذا يوضح لنا أن النبي إيليا لم يكن يقبل أبداً فكرة المملكة المنقسمة، وكان يعتقد أن شعب اللّه واحد في كل مكان. لقد ظهر اقتناعُه هذا عندما بنى مذبحاً قدم عليه الذبيحة التي التهمتها النار من السماء، فقد أقام ذلك المذبح من إثني عشر حجراً، ترمز لأسباط بني إسرائيل الإثني عشر متَّحدين معاً، لذلك لا نستغرب من أن يرسل النبي إيليا رسالة إلى ملك يهوذا - الملك يهورام، ملك المملكة الجنوبية. وقال النبي إيليا في رسالته: «هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَسْلُكْ فِي طُرُقِ يَهُوشَافَاطَ أَبِيكَ وَطُرُقِ آسَا مَلِكِ يَهُوذَا، بَلْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْتَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ يَزْنُونَ كَزِنَا بَيْتِ أَخْآبَ، وَقَتَلْتَ أَيْضاً إِخْوَتَكَ مِنْ بَيْتِ أَبِيكَ ٱلَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْكَ، هُوَذَا يَضْرِبُ ٱلرَّبُّ شَعْبَكَ وَبَنِيكَ وَنِسَاءَكَ وَكُلَّ مَالِكَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً. وَإِيَّاكَ بِأَمْرَاضٍ كَثِيرَةٍ بِدَاءِ أَمْعَائِكَ حَتَّى تَخْرُجَ أَمْعَاؤُكَ بِسَبَبِ ٱلْمَرَضِ يَوْماً فَيَوْماً» (سفر أخبار الأيام الثاني ٢١: ١٢-١٥).

كان الملك يهورام قد خلف أباه الملك يهوشافاط الذي كان ملكاً فاضلاً، فثبَّت الربُ مملكة يهوشافاط وأعطاه الغنى والكرامة. وكانت تقوى اللّه في قلب يهوشافاط، فنزع أماكن عبادة الوثن من كل أنحاء مملكته، وأطلق على ابنه اسم «يهورام» بمعنى «اللّه مرتفع». ولكن يهورام لم يعْط اللّهَ المكانةَ الأولى في قلبه، وضلَّ عن العبادة الصحيحة، وتزوج بنت الملك أخآب، فارتكب الملك يهورام الشر وضل. ومن يضلله الشيطان ويخدعه يجعله يرتكب الحماقات، فكان أول ما عمل الملك يهورام أنه قتل إخوته الستة، مع جماعة من قادة الشعب.

درسان من رسالة إيليا ليهورام:

ويمكن أن نتعلم من شرور يهورام أمرين:

الأمر الأول: أن الدين لا يُورَّث. لقد كان أبوه الملك يهوشافاط تقياً، ولكن يهورام لم يكن كذلك. صحيح أن الآباء الأتقياء يعطون القدوة الطيبة لأولادهم، لكن الأبناء يجب أن يأخذوا قراراً بالحياة للّه وبالتوبة له وبإرضائه.

يقول الإنجيل: «كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ ٱللّٰهِ» (أنجيل يوحنا ١: ١٢ ، ١٣). وكلمات الإنجيل هذه تعلّمنا أن الذين يولدون من رجل تقي لا يكونون بالضرورة أتقياء، لأنهم يجب أن يُولدوا من اللّه. نقول في أمثالنا الدارجة إن النار تخلّف رماداً، وهذا ما حدث مع يهورام. على أن كل إنسان منا يحتاج إلى اختبار جديد في المسيح يغيّر حياته. قال أحد الوعاظ المشهورين: «يمكن أن يُولد إنسان في مَرْأبٍ (جراج) للسيارات، ولكن هذا لا يجعل منه سيارة. وقد يولد إنسان في بيت تقي، لكن هذا لا يجعل منه إنساناً تقياً».

ندعوك أن تفتح قلبك للّه، لتنشئ أنت شخصياً علاقة شخصية قوية بالرب. إن إيمان أبيك لا ينفعك. ينبغي أن يكون لك أنت شخصياً الإيمان القوي العميق باللّه، والحب القوي الذي يربط قلبك به.

٢ - وهناك درس آخر نتعلمه من خطية يهورام: إن الشر يُميت الشرير. كان يهورام ملكاً، لكنه أُصيب بمرض خطير حتى خرجت أمعاؤه كلها بسبب المرض يوماً بعد يوم، حتى مات. ولم يستطع طبُّ بلاده أن ينفعه شيئاً. وعندما مات تقول التوراة إنه: «ذَهَبَ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْهِ، وَدَفَنُوهُ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ فِي قُبُورِ ٱلْمُلُوكِ» (سفر الأخبار الثاني ٢١: ٢٠).

يقول الإنجيل إن الخطية خاطئة جداً، ويقول الكتاب المقدس إن أجرة الخطية هي موت، وإن النفس التي تخطئ هي تموت.

إننا ندعو كل قارئ أن يتوب ليبتعد عن الخطية، وليخلُصَ من أجرة الخطية.

الخدمة للجميع:

نودّ أن نتأمل الرسالة التي كتبها النبي إيليا إلى الملك الشرير يهورام يحذّره من العبادة الوثنية والانحراف عن عبادة اللّه، لنتعلم من إيليا كيف نخدم اللّه كما يريد اللّه لنا أن نخدمه. لقد رأى إيليا نفسه مسئولاً أن يقدم رسالة اللّه ليهورام الشرير، بالرغم من أنه لم يكن مقيماً في مملكته. كان إيليا يحسُّ أن خدمته تمتد إلى العالم كله. وهكذا يجب أن يفعل كل أولاد اللّه، فيهتمّون بالخطاة أينما كانوا. لقد ضرب المسيح لنا مثل الزارع الذي ذكر فيه أن الزارع خرج ليزرع، فألقى بذاره على كل أنواع الأرض. وقال المسيح تفسيراً للمثل: إن الحقل هو العالم. فالعالم كله يجب أن يكون محل مشغوليتنا. قال المسيح: «ٱرْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَٱنْظُرُوا ٱلْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ٱبْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ» (أنجيل يوحنا ٤: ٣٥). لقد رأى إيليا مسئوليته نحو الملك البعيد، وهذه رؤية واسعة وقلب كبير، يرى العالم كله موضوع مسئوليته. ولما لم يستطع إيليا أن يخدم بلسانه، خدم بقلمه، فأرسل تلك الرسالة إلى يهورام.

ندعوك أن تخدم اللّه بكل طريقة ممكنة: أن تقدم نصيحة مكتوبة، أو نصيحة شفوية. وسواء قبل مستمعك هذه النصيحة أو لم يقبلها، فإنك تكون قد أبلغت ولك خير الجزاء من اللّه.

الفصل الثامن: إيليا يصعد للسماء

نجيء في تأملنا في حياة نبي اللّه إيليا إلى إصعاده للسماء بغير موت، فقد أخذ إيليا تلميذه أليشع من الجلجال متَّجهاً إلى بيت إيل، وكان فيها مقرٌّ للأنبياء. وكان النبي إيليا قد عرف وقت انتقاله إلى السماء، وربما عرف تلميذه أليشع أيضاً أن إيليا سيفارقه. كان إيليا على وشك الوقوف أمام الرب في السماء، وكان على أليشع أن يتسلَّم مسئوليات خدمة اللّه، بكل ما فيها من امتيازات ومتاعب. فقال النبي إيليا لأليشع: «إِنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَى بَيْتِ إِيلَ» (سفر الملوك الثاني ٢: ٢). وكان الرب قد كشف لنبيه إيليا حوادث تلك الساعات الأخيرة من حياته، وكلَّفه أن يزور الأنبياء في أماكنهم المختلفة ليقدّم لهم وصاياه وتشجيعاته الأخيرة قبل انتقاله إلى السماء.

ولا ندري لماذا طلب إيليا من أليشع أن يبقى في الجلجال ليذهب هو وحده إلى بيت إيل. ربما أشفق على أليشع من أن يرى منظر انتقال معلِّمه إلى السماء. أو ربما قصد أن يمتحن محبة أليشع وأمانته. ولقد أظهر أليشع محبة شديدة لأستاذه النبي إيليا، فقال له: «حي هو الرب، وحيَّة هي نفسك، أني لا أتركك». فذهبا معاً إلى بيت إيل. وخرج بنو الأنبياء الذين في بيت إيل إلى أليشع، وقالوا له: «أَتَعْلَمُ أَنَّهُ ٱلْيَوْمَ يَأْخُذُ ٱلرَّبُّ سَيِّدَكَ مِنْ عَلَى رَأْسِكَ؟» فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنِّي أَعْلَمُ فَٱصْمُتُوا» (سفر الملوك الثاني ٢: ٣). وبنو الأنبياء هؤلاء هم التلاميذ في مدرسة الأنبياء، وكان رئيسهم في مرتبة أبيهم. وربما عرفوا أن انتقال النبي إيليا إلى السماء قريب - إما بإعلان من اللّه أو من النبي إيليا نفسه. أما أليشع فلم يكن راغباً في الكلام لكثرة حزنه.

ثم قال إيليا لتلميذه أليشع: «أمكث هنا لأن الرب قد أرسلني إلى الأردن». فأصرَّ أليشع أن يصحبه في تلك الرحلة، فذهبا معاً، واجتمع خمسون رجلاً من بني الأنبياء ووقفوا يراقبون إيليا وأليشع من بعيد. ووجود خمسين من بني الأنبياء يدلّ على أن عدد المؤمنين كان كثيراً، وربما لجأ كل الذين يعبدون الرب إلى تلك المدارس خوفاً من اضطهاد الملك أخآب.

إيليا يشق نهر الأردن:

وأخذ النبيُّ إيليا رداءه ولفَّه وضرب به ماء نهر الأردن، فانفلق النهر، وعبر إيليا وتلميذه أليشع على اليبس. لقد قام إيليا هنا بمعجزة تشبه معجزة موسى الذي شق البحر الأحمر، ومثل المعجزة التي قام بها يشوع الذي فلق نهر الأردن. وكان عمل إيليا شهادة للشعب لينتبهوا إلى كلامه ويؤمنوا بالإله الحي. وبعد أن عبر إيليا وأليشع نهر الأردن قال إيليا لتلميذه أليشع: «ٱطْلُبْ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ قَبْلَ أَنْ أُوخَذَ مِنْكَ». فَقَالَ أَلِيشَعُ: «لِيَكُنْ نَصِيبُ ٱثْنَيْنِ مِنْ رُوحِكَ عَلَيَّ» (سفر الملوك الثاني ٢: ٩). فقال إيليا: «صَعَّبْتَ ٱلسُّؤَالَ. فَإِنْ رَأَيْتَنِي أُوخَذُ مِنْكَ يَكُونُ لَكَ كَذٰلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ يَكُونُ» (سفر الملوك الثاني ٢: ١٠).

لم يكن عند إيليا مال ليتركه لتلميذه أليشع، ولكنه كان يدرك أن بركة اللّه أعظم كثيراً من المال. وطلب أليشع نصيب اثنين من روح إيليا، بمعنى أنه سيكون الابن البكر للنبي، لأن الابن البكر هو الذي يأخذ نصيب اثنين. وكان هذا يعني أن يكون كالبكر بين الأولاد، رئيساً للأنبياء. ولا ننسب لأليشع هنا الطمع ولا الكبرياء، لكن ننسب إليه الرغبة القوية في أن يخدم اللّه. وكانت إجابة إيليا له: «صعَّبتَ السؤال». بمعنى أنه ليس لإِيليا أن يختار خليفته، لكن الرب هو الذي يعيّن.

مركبة نار تأخذ إيليا:

وسرعان ما جاءت مركبة من نار وخيل من نار وفصلت بين إيليا وتلميذه أليشع. وصعد إيليا في العاصفة إلى السماء، وكان أليشع يرى وهو يصرخ: «يا أبي، يا أبي، مركبة إسرائيل وفرسانها». وقول أليشع: «يا أبي» دليل على محبته لإِيليا. أما وصفه لإِيليا بأنه «مركبة إسرائيل وفرسانها» فمعناه أن إيليا وحده يشبه جيشاً كاملاً لحماية الشعب. وهذا صحيح، فقد كان إيليا أفضل من فرسان كثيرين، لأن به كان الرب يرشد شعبه، يحذرهم وينصرهم. وعندما أُصعد إيليا إلى السماء مزق أليشع ثيابه حزناً على فراق أستاذه.

لم يمُتْ نبيُّ اللّه إيليا، لكنه أُخذ إلى السماء بغير موت، في مركبة من نار تجرُّها خيول من نار. وكان هذا شيئاً هاماً يعلّم الشعب أن ينتبهوا إلى العالم الروحي الذي يدخله الأبرار. الناس دوماً يغرقون لآذانهم في ملذاتهم وأكلهم وشربهم وزواجهم وكسبهم المادي، بينما اللّه يريد أن يعلّمهم أن ينظروا إلى أعلى - إلى الباقي وليس إلى البائد. وإصعاد اللّه لإيليا في مركبة نارية شهادة من اللّه لخادمه أنه لم يكن مثير متاعب، كما اتهمه الملك الشرير أخآب بأنه مكدر إسرائيل. ولكن اللّه كان يختم على خدمة إيليا أنه خادم أمين، عرَّف الناس العبادة الحقيقية للّه.

إن الموت بالنسبة للمؤمن ليس موتاً لكنه انتقال، فالمؤمن يحيا هنا على الأرض مع اللّه، ثم ينتقل ليكون في السماء مع اللّه - ليس هو موتاً لكنه انتقال - وانتقال إيليا بهذه الطريقة يرينا كيف ستتغيَّر أجساد القديسين عندما يأتي المسيح ثانية من السماء ليأخذهم ليكونوا معه فيهتفون: «أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟» (رسالة كورنثوس الأولى ١٥: ٥٥).

ندعوك لتفتح قلبك للّه، ليحل المسيح بالإيمان في قلبك، وعندها تختبر الحياة الأبدية التي لك في اللّه بواسطة المسيح. وقد قال السيد المسيح في صلاته الشفاعية: «هٰذِهِ هِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلإِلٰهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ» (أنجيل يوحنا ١٧: ٣).

الفصل التاسع: إيليا في الإنجيل

تُحدثنا التوراة عن مجيء إيليا آخر يسبق مجيئُه مجيءَ المسيح إلى عالم البشر. وقد تنبأ أنبياء التوراة أن الحالة قبل مجيء المسيح ستكون في غاية السوء من الناحية الدينية والسياسية، فيجيء إيليا ليهيّئ الطريق لمجيء المسيح الذي يصلح الأحوال السيئة. وقد ظهر يوحنا المعمدان قبل مجيء المسيح مباشرة، يعظ الناس بالتوبة مبكّتاً إياهم على خطاياهم، فأخذ كثيرون يتساءلون إن كان هذا هو المسيح الآتي الذي ينتظرونه، أو إن كان هو النبيّ إيليا الذي سيجهّز الطريق لمجيء المسيح (إنجيل يوحنا ١: ٢١).

وبعد أن قطع هيرودس رئيس الربع رأس يوحنا المعمدان، سمع بمعجزات المسيح، فملأت نفسه المخاوف، لأن قوماً كانوا يقولون إن يوحنا المعمدان قد قام من الأموات، وقوماً إن النبي إيليا قد ظهر (أنجيل لوقا ٩: ٧ ، ٨).

وقبل ظهور إيليا على جبل التجلي مع موسى، سأل السيد المسيح تلاميذه: «مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ؟» فَقَالُوا: «قَوْمٌ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا» (أنجيل متى ١٦: ١٣ ، ١٤).

وبعد أن رأى ثلاثةٌ من تلاميذ المسيح أمجاد التجلّي على الجبل - أوصاهم المسيح وهم نازلون من الجبل قائلاً: «لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ». وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ: «فَلِمَاذَا يَقُولُ ٱلْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً؟» فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلٰكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذٰلِكَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ أَيْضاً سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ». حِينَئِذٍ فَهِمَ ٱلتَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ» (أنجيل متى ١٧: ٩-١٣).

من هذا كله يتضح لنا أن اليهود كانوا يتوقَّعون مجيء إيليا قبل مجيء المسيح، وقد بنوا كلماتهم هذه على ما جاء في نبوة ملاخي: «هَئَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا ٱلنَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ ٱلرَّبِّ ٱلْيَوْمِ ٱلْعَظِيمِ وَٱلْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ ٱلآبَاءِ عَلَى ٱلأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ ٱلأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ» (سفر ملاخي ٤: ٥ ، ٦). وقد توقَّع اليهود أن يجيء إيليا نفسهُ. ولكن تفسير السيد المسيح أظهر لنا أن إيليا الذي كان يجب أن يجيء ليهيّئ الطريق لمجيء المسيح، هو إيليا روحي، إيليا آخر، ولقد جاء يوحنا المعمدان بنفس روح إيليا، وبنفس طريقة وعظه، فهيَّأ الطريق لمجيء المسيح.

المعمدان بروح إيليا:

قال السيد المسيح إن مجيء يوحنا المعمدان هو مجيء إيليا المنتظَر، فقد قال عن يوحنا المعمدان: «هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي ٱلَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ، وَلٰكِنَّ ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ إِلَى ٱلآنَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. لأَنَّ جَمِيعَ ٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهٰذَا هُوَ إِيلِيَّا ٱلْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (أنجيل متى ١١: ١٠- ١٥).

ومما يؤيد هذه الفكرة أن ملاك الرب وقف عن يمين مذبح البخور، حيث كان زكريا يبخّر وقال له: «طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَٱمْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ٱبْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَٱبْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ ٱلرَّبِّ، وَخَمْراً وَمُسْكِراً لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى ٱلرَّبِّ إِلَهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ ٱلآبَاءِ إِلَى ٱلأَبْنَاءِ، وَٱلْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ ٱلأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُسْتَعِدّاً» (أنجيل لوقا ١: ١٣-١٧).

في هذه الكلمات اقتبس ملاك الرب، ولعله جبرائيل، نبوة النبي ملاخي، وقال إنها ستتحقق في يوحنا المعمدان الذي يتقدم أمام المسيح بروح إيليا وقوته. إذاً إيليا الثاني هو إيليا روحي: هو يوحنا المعمدان.

ولو أننا تأملنا حياة يوحنا المعمدان لوجدنا أن شخصيته وعمله يشابهان شخصية النبي إيليا وعمله. في المنظر الخارجي كان الاثنان متشابهين، فكلاهما عاش في الصحراء، وبدأت خدمتهما الدينية للّه بطريقة مباشرة (قارن سفر الملوك الأول ١٧: ١ وأنجيل لوقا ٣: ٢). وكان الإثنان يلبسان نفس الملابس: لباس من وبر الإبل وعلى وسطه حزام من جلد (سفر الملوك الثاني ١: ٨ وإنجيل متى ٣: ١٤). ولم يكن عمل إيليا تقديم رسالة جديدة من عند اللّه، ولكن هدفه كان أن يُعيد الشعب إلى العهد القديم مع اللّه، إلى سلطان اللّه. لقد تهدَّمت العبادة التي علَّم بها موسى، وإيليا يُعيدها إلى أصلها، وهكذا كان عمل يوحنا المعمدان أن يردّ كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم، ويردَّ قلوب الأبناء إلى الآباء، والعصاةَ إلى فكر الأبرار. وهذا يعني أن عمل المعمدان ليس خَلْق عبادة جديدة، ولا تقديم أفكار جديدة، لكن تثبيت العهود القديمة بين الناس وإلههم. لقد كان المعمدان جباراً في وعظه وتوبيخه للناس، بغضّ النظر عن مستواهم الاجتماعي، شأنه في ذلك شأن إيليا الذي كان يوبخ الملك. فقد كان يقول: «ٱلآنَ قَدْ وُضِعَتِ ٱلْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّارِ» (أنجيل لوقا ٣: ٩) ولقد التقى المعمدان بهيرودس وجهاً لوجه ووبَّخه، لأنه تزوَّج بامرأة أخيه، كما واجه إيليا الملك الشرير أخآب، وبعده ابنه أخزيا. لقد تحققت نبوة النبي ملاخي بمجيء سابقٍ للسيد المسيح، يهيّئ الطريق أمامه، تكون له روح إيليا وقوته. وجاء إيليا الثاني يوحنا المعمدان.

إننا باحترام كبير ننظر إلى إيليا النبي، الإِنسان الذي سلم نفسه للّه، وكان واقفاً أمام اللّه باستمرار، فاستمدَّ القوة من عرش النعمة، فدعا كل الشعب ليرجعوا إلى عهودهم المقدسة الأولى. وهكذا فعل يوحنا المعمدان وهو يدعو قائلاً: «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، ٱلَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَنَارٍ. ٱلَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى ٱلْمَخْزَنِ، وَأَمَّا ٱلتِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ» (أنجيل متى ٣: ١١ ، ١٢).

هي دعوة لك للتوبة!

على جبل التجلي:

بعد أن صعد النبي إيليا إلى السماء في مركبة نارية تجرُّها خيول من نار، عاد إلى أرضنا مرة أخرى على جبل التجلي، ليلتقي بالسيد المسيح ومعه موسى. فعلى جبل حرمون العالي صعد السيد المسيح مع تلاميذه بطرس ويوحنا ويعقوب وابتدأ يصلي، وبينما هو يصلي تجلَّت هيئة وجهه وصارت ثيابه بيضاء لامعة. وجاء رجلان ليتحدثا معه هما موسى وإيليا، اللذان ظهرا بمجد، وتكلما عن خروجه الذي كان على وشك أن يكمله في أورشليم ليموت على الصليب. وأما بطرس ويعقوب ويوحنا فكانوا قد تثقلوا بالنوم، فلما استيقظوا رأوا مجد المسيح والرجلين الواقفين معه. وفيما موسى وإيليا يفارقان المسيح، قال بطرس ليسوع: «يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هٰهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ». وهو لا يعلم ما يقول وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّحَابَةِ قَائِلاً: «هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ ٱسْمَعُوا» (أنجيل متى ١٧: ١-١٣ ، أنجيل مرقس ٩: ٢-١٣ ، أنجيل لوقا ٩: ٢٨-٣٦).

ترى لماذا اختار اللّه موسى وإيليا ليلتقيا بالسيد المسيح على الجبل في هذه المناسبة الجليلة؟ لقد كان موسى وإيليا ممثِّلين للعهد القديم كله. موسى يمثل الشريعة والناموس، وإيليا يمثّل الأنبياء. وكأن الشريعة كلها والأنبياء جميعاً يتطلعون إلى مجيء السيد المسيح إلى أرضنا، فموسى وإيليا معاً يشهدان بمجد السيد المسيح. وكان لهذا الظهور أثر عظيم في نفوس التلاميذ، وفي نفوسنا نحن اليوم عندما نقرأ عن هذا. لقد اختار اللّه موسى وإيليا ليقابلا السيد المسيح، لأن الاثنين فارقا عالمنا بطريقة تختلف عن الطريق التي يفارق بها البشر العاديون أرضنا. فموسى لم يمُت من تأثير المرض أو الشيخوخة، لكنه انتقل إلى السماء وسط مظاهر ترحيب اللّه، فانطلقت روحه إلى المجد دون أن يعاني آلام الموت، وقام اللّه نفسُه بدفْن جسده في مكان لا يعرفه أحد غيرُ اللّه. أما إيليا فلم يمُت، ولم يصَب بمرض أو بشيخوخة، لكنه انطلق إلى السماء في مركبة نارية تجرُّها خيول من نار. ونحن لا نستطيع أن ندرك هذه الأسرار العجيبة، ولكننا نعلم أن هذين الشخصين الممتازين رجعا إلى أرضنا ليقدّما للسيد المسيح شهادة أنه هو مشتهَى كل الأمم ومنتظر كل الأجيال.

ونعتقد أن هناك سبباً ثالثاً جعل اللّه يرسل موسى وإيليا ليلتقيا بالسيد المسيح على جبل التجلي، وهو أنهما يعلنان أن خدمتهما تمَّت بمجيء المسيح. قال فيلبس عن المسيح: «وَجَدْنَا ٱلَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي ٱلنَّامُوسِ وَٱلأَنْبِيَاءُ» (أنجيل يوحنا ١: ٤٥). وقال السيد المسيح: «هُوَ (موسى) كَتَبَ عَنِّي» (أنجيل يوحنا ٥: ٤٦). وعندما جاء السيد المسيح أرضنا متواضعاً لم يستطع البشر أن يدركوا حقيقة شخصه، حتى أن بطرس قال له: «يا سيد نصنع ثلاث مظال: لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة» ليساوي بين موسى وإيليا والمسيح. ولكن اللّه شاء أن يرجع موسى وإيليا مرة أخرى إلى السماء، ويبقى المسيح وحده وسط التلاميذ، ليسمعوا صوتاً سماوياً يقول: «هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا». وكأن اللّه يقول: «لا تضعوا أنفسكم تحت شريعة موسى، ولا تكتفوا بالأنبياء، مهما سمت تعاليمهم، لكن قدِّموا الطاعة والإكرام للسيد المسيح». لقد ظهر البَطَلان العظيمان موسى وإيليا على جبل التجلي للحظات قليلة، عادا بعدها إلى المجد الذي جاءا منه، بعد أن شهدا لعظمة المسيح، وكان انسحابُهما من المشهد تنبيراً على ضرورة وضع التفكير كله في شخص المسيح.

موضوع حديث التجلي:

ترى ماذا كان موضوع الحديث الذي دار بين موسى وإيليا والسيد المسيح على جبل التجلي؟ يقول لنا الإنجيل المقدس: «إنهما ظهرا بمجد، وتكلما عن خروج المسيح الذي كان عتيداً أن يكمّله في أورشليم». لم يتحدث موسى وإيليا عن أخبار السماء، ولا عن ماضيهما العجيب ولا عن اختباراتهما في خدمة اللّه، ولا عن المستقبل البعيد، لكنهما تحدثا عن حادثة قريبة على وشك أن تحدث هي صَلْب المسيح. إن الأشخاص العظماء يتحدثون في مواضيع عظيمة، وهذا هو أعظم موضوع تحدث عنه موسى وإيليا.

كان موسى يذكر كيف رفع الحية في البرية، حتى أن كل من نظر إليها نال الحياة، وهو يعلم أنه كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابنُ الإنسان. لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (أنجيل يوحنا ٣: ١٤ ، ١٥). وكان إيليا يدرك أن اللّه لم يظهر له في الزوبعة ولا في الزلزلة ولا في النار، ولكن في الصوت المنخفض الخفيف. وها هو المسيح المصلوب يعلن في صوت محب رقيق أن: «هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (أنجيل يوحنا ٣: ١٦). كان المسيح قد قال لتلاميذه إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيراً، ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وفي اليوم الثالث يقوم. فقال له التلاميذ: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ!» (أنجيل متى ١٦: ٢٢) لأنهم لم يكونوا يريدون له موتاً ولا صلْباً، لكن عظمة ومُلكاً. فجاء صوت السماء يقول: «هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا». ولقد كان موسى وإيليا يتكلمان عن صليبه الكريم، الذي فيه وبواسطته يجد البشر خلاص نفوسهم. ففي الصليب نجد حلاً لمشكلة خطية البشرية، ونجد الخلاص، لأن في الصليب تصالحت عدالة اللّه مع رحمته، فاستوفى العدل الإِلهي حقه وبرهنت المحبة الإِلهية ذاتها.

إن خير حديث نحدّثك به الآن هو ما تحدث به موسى وإيليا مع السيد المسيح على جبل التجلي. إن المسيح قد مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، ليوجِد لك خلاصاً أبدياً.. فهل تقبله؟

الفصل العاشر: إيليا البطل العظيم

ظهر النبي إيليا على مسرح التاريخ عندما كانت حياة بني إسرائيل الدينية في هاوية ارتدادها، فقد ارتدَّ الشعب عن عبادة اللّه ارتداداً أليماً وعبدوا الأوثان، كان ملكهم أخآب غير متديّن ولا يهتم كثيراً بالدين، بينما كانت زوجته إيزابل متدينة غاية التديُّن، متعصبة لدين آبائها في عبادة الأوثان. فترك الملك الحبل على الغارب لزوجته وأنبياء أصنامها. وعندما تحدَّى النبي إيليا رجال الأوثان وأنزل النار من السماء، لم يهتم الملك أخآب كثيراً أو قليلاً بالأمر، كأنه لا يعنيه، بل كأنه كان يستغرب اهتمام الناس بالدين، فقد كان الملك مهتماً بصالحه الشخصي ونموه الاقتصادي، أكثر جداً من حياة الدولة الدينية. لقد بنى قصراً من العاج، وبنى مدناً كثيرة، لكنه لم يبْن الحياة الإِيمانية لشعبه. وعندما رأى أخآب أنبياء الأوثان يقتلون رجال اللّه ويضطهدونهم، لم يحاول أن يُرسي قواعد العدل في مملكته، حتى بدا كأن عبادة اللّه انتهت تماماً، لدرجة أننا سمعنا إيليا يقول: «بقيت أنا وحدي». في تلك الظروف المظلمة امتلأ إيليا بالضيق من العبادة الوثنية، ومن اضمحلال نفوذ شريعة الرب ومن الظلمة المحيطة به، فقرَّر أن يُعيد الشعب إلى عهده السابق مع اللّه. لم يقدم النبي إيليا أفكاراً جديدة، ولم يدْعُ لواجبات جديدة، ولكنه أراد أن يوقظ ضمير الأمة كلها. وكما قال السيد المسيح إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كل شيء، فقد كانت رسالته تهدف إلى ردّ الشعب للعبادة الصحيحة كما أعطاها اللّه لكليمه موسى. ولذلك وقف يقدم رسالة نارية للناس.

نبي الدينونة والنار:

والنبي إيليا هو نبي الدينونة والنار، وكان رجل عمل أكثر مما هو رجل كلام. كان متوحّداً في قلبه وفكره، يضع نفسه تماماً بين يدي اللّه، وينتظر إلهه، وكانت أول كلماته: «حيٌّ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفتُ أمامه». وقد تعامل معه الإِله الحي دائماً، وجاءه كلام الرب: «انطلق من هنا واتجه نحو المشرق، واختبئ عند نهر كريث، فتشرب من النهر. وقد أمرت الغربان أن تعولك هناك». وأطاع إيليا مباشرة ودون مناقشة ولا جدال، ودون أن يسأل كيف - أطاع بِناءً على ثقة كاملة في اللّه.

وعندما جفَّ ماء النهر كان كلام الرب له ثانية أن يذهب إلى أرملة لتعوله في صرفة. ولقد فعل بغير تردّد. وبعد ما هرب من أمام إيزابل الملكة، أصدر اللّه لإيليا أمراً أن يلتقي بالملك أخآب بعد أن استولى على حقل نابوت، ففعل، وفي غير خوف مضى يقابل الملك ليعلن له دينونة اللّه. ولم يظهر ضعف إيليا إلا مرة واحدة عندما هددته الملكة إيزابل بالقتل، فهرب لنفسه ومضى إلى صحراء سيناء بعيداً عن نفوذ الملكة إيزابل.

على أننا في حياة إيليا كلها نرى اعتماده الكلي على اللّه مؤمناً به. وحتى عندما طلب منه تلميذه أليشع أن يعطيه نصيب اثنين من روحه، قال له: «صعَّبت السؤال». وهو بهذا يلقي الموضوع كله بين يدي اللّه. لقد تميَّز النبي إيليا بالهدف الواحد والرؤية الواحدة. لم يكن له هدف في الحياة إلا أن يقود بني إسرائيل إلى العبادة الحقيقية.

نبي الشجاعة:

وهناك صفة أخرى من صفات إيليا هي الشجاعة العظيمة، كأنه يقول ما قاله المرنم: «أَعْطَيْتَ خَائِفِيكَ رَايَةً تُرْفَعُ لأَجْلِ ٱلْحَقِّ. لِكَيْ يَنْجُوَ أَحِبَّاؤُكَ. خَلِّصْ بِيَمِينِكَ وَٱسْتَجِبْ لِي» (سفر المزامير ٦٠: ٤، ٥).

وقف النبي إيليا أمام الملك أخآب ثلاث مرات. في المرة الأولى قال له: «حَيٌّ هُوَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هٰذِهِ ٱلسِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي» (سفر الملوك الأول ١٧: ٢). وفي المرة الثانية التقى بالملك بعد ثلاث سنوات، فما أن رآه أخآب حتى قال له: «أنت هو مكدّر إسرائيل». فأجابه: «أَنَا لَمَ أُكَدِّرْ إِسْرَائِيلَ، بَلْ أَنْتَ وَبَيْتُ أَبِيكَ بِتَرْكِكُمْ وَصَايَا ٱلرَّبِّ وَبِسَيْرِكَ وَرَاءَ ٱلْبَعْلِيمِ» (سفر الملوك الأول ١٨: ١٨). وفي المرة الثالثة التقى بالملك عند حقل نابوت، بعد أن قتل الملك نابوت وأخذ حقله، وما أن رأى أخآب إيليا حتى قال له: «هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟» فَقَالَ: «قَدْ وَجَدْتُكَ لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ ٱلشَّرِّ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ. هَئَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكَ شَرّاً، وَأُبِيدُ نَسْلَكَ» (سفر الملوك الأول ٢١: ٢٠ و٢١).

وكان هذا النبي الشجاع خشناً غاية الخشونة مع أعداء الرب، حتى أنه ذبح أنبياء البعل الأربعمائة والخمسين، وأنزل ناراً من السماء أحرقت الضابطين ومئة جندي. على أننا يجب أن لا ننسى أن هذا الرجل الخشن كان قلبه عامراً بالحب لتلميذه أليشع، ولأرملة صرفة، ولأبناء الأنبياء الذين زارهم قبل أن يصعد إلى السماء مباشرة. لكن طابع شخصيته الأساسي كان الشجاعة والخشونة.

نبي الطاعة والصلاة:

قال إيليا إنه عبد اللّه وخادمه ونبيُّه، وأثبت صِدق هذا كله بما أجراه اللّه على يديه. لقد كان النبي إيليا دوماً يقف أمام اللّه وقوف الخادم أمام سيده، منتظراً توجيهات سيده. كان يكلم اللّه بالصلاة، وكان مستعداً دوماً أن يعمل مشيئته. وما أكثر احتياجنا في هذه الأيام إلى نبي مثل إيليا! وقليلون في عالمنا اليوم يؤمنون باللّه الحي كما آمن النبي إيليا، لأن البشر عادة يهتمون بما يريدون وبما يلمسون، وهم يشكُّون فيما لا يلمسونه. وكثيرون من الناس لا يريدون أن يؤمنوا بالإِله الحي لأن إيمانهم يعني أنهم سيكونون مسئولين أمام هذا الإِله الحي، وهم لا يريدون أن يتحمَّلوا مسئولية تُجاه أحد، ويريدون أن يسيروا في طريقهم كما يشاؤون، بغير رقابة من إله حي. إنهم يريدون أن يتمتعوا بالمنظور الملموس، ولذلك فإنهم يضعون قلوبهم وأفكارهم على الماديات.

مكانته في العهد الجديد:

ولنبي اللّه إيليا مكانة عظيمة في العهد الجديد كما رأينا في الفصل التاسع. كان الكتبة والفريسيون اليهود يعتقدون أن لا سلطان ليوحنا المعمدان أن يعمد، ما لم يكن هو المسيح أو إيليا أو النبي (أنجيل يوحنا ١: ٢٥). ويذكر الرسول بولس النبي إيليا في حديثه في الأصحاح الحادي عشر من رسالة رومية ليوضح أنه قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة (رسالة رومية ١١: ٢-٥) ويرى رسول المسيحية يعقوب في النبي إيليا مثالاً رائعاً لقوة الصلاة (رسالة يعقوب ٥: ١٧) ويتحدث تلاميذ السيد المسيح إليه عن قوة إيليا التي أنزلت ناراً من السماء أفنت الأعداء (أنجيل لوقا ٩: ٥٤).

يقف النبي إيليا على صفحات الكتاب المقدس بعهديه كواحد من أعظم الشخصيات الفريدة، لا يفوقه إلا كليم اللّه موسى. هذا هو النبي الناري الذي هيأ الطريق للرب، ولمجيء رجاء العالم، السيد المسيح.

شاهد

فيلم النبي الناري "ايليا النبي باللغة العربية "

 

 

إقرأ للمزيد:

هل تكلم الكتاب عن نبي بعد المسيح؟

السنهدرين اليهودي يدعو العرب لأخذ دورهم في بناء الهيكل الثالث الذى تنبأ عنه إشعياء النبي عليه السلام

فلك نوح رمزاً للمسيح الذى أجتاز بنا طوفان الهلاك الأبدي ليهب لنا الحياة والخلود

وباء الكورونا (COVID-19).. وكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ

كلمة السر فى "مثل العشاء العظيم" لو 14

كلمة السر فى مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات

عصا موسى.. الخشبة التى تنقذ من الموت!

الصليب هو "شهادة الوفاة" التى تجعلك وارثاً للحياة الأبدية

القرآن يقر ويعترف بان المسيح هو الرحمن

القرآن يؤكد أن المسيح الرب لم يتكبر أن يكون عبداً لله

اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ "الْحَيُّ الْقَيُّومُ" من أسماء المسيح فى الكتاب المقدس

قصة "ضرب الصخرة – الحجر" التى ذكرها القرآن كانت رمز نبوي لصلب المسيح

الله لا يسمح بالشر.. فمن أين أتت علينا عقيدة السماح الإلهي؟

التوحيد الإسلامي هو عين الشِرك بالله

القديس المُتنصر.. المُعز لدين الله بن منصور الخليفة الفَاطمي

الله لا يسمح بالشر.. فمن أين أتت علينا عقيدة السماح الإلهي؟

بإعتراف القرآن .. المسيح هو إله السماء الارض

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح هو خالق كل البشر

كاتب القرآن يقر ويعترف بألوهية محمد فى القرآن

كاتب القرآن يقر بأن "المسيح هو الله" والآحاديث تؤكد!

تضارب أقوال كاتب القرآن حول مولد المسيح عيسى ابن مريم

أولئك هم الوارثون

إله الإسلام خاسيس فَاَسق لا يتستر ويفضح العباد

عوج بن عنق حفيد آدم الذى بني الفلك مع نوح ثم قتله موسى النبي

نعم الله فى الإسلام يصلي لذلك صلى يسوع المسيح !!

ميلاد الرب يسوع المسيح المعجزي العذراوي

التجسد الإلهي في الأديان

طبيعة المسيح .. علي لسان صلاح جاهين الصريح

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 1

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 2

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 3

هل ورث المسيح خطية آدم من بطن العذراء؟

-وحدانية الثالوث في المسيحيّة والإسلام

-وحدانية الثالوث في المسيحيّة والإسلام

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

لماذا أعفى شيخ الأزهر الدكتور محمد محمد الفحام {عبد المسيح الفحام} من منصبة ؟

القديس المُتنصر.. المُعز لدين الله بن منصور الخليفة الفَاطمي

القديس عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ اَلْأَسَدِيِ

تَوحِيد الآلِهة بِإله واحِد.. إيمانٌ أمْ تَقِية وَأطماعٌ سُلطَاوِية

قصة حياة العالم الأزهري المتنصر الشيخ محمد بن محمد بن منصور المتنصر بأسم الشيخ ميخائيل منصور

يا سائحا نحو السماء تشددا

التوحيد والتثليث للشيخ محمد محمد منصور

من هو الحيوان عيسى ابن مريم وأمه الذى يتكلم عنهما القرآن؟

طهَ حُسين وعبوره من الظلمة لنور المسيح

القرآن آجندة الشيطان لقتل كل البشر

للكبار فقط (+ 18): هل كان الرسول محمد (ص) شاذاً لوطي ؟

الخليفة عمر ابن الخطاب يقر ويعترف بأنه لوطي وشاذ جنسياً

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

للكبار فقط (+18) : رهط من الصعاليك العراة ينتهكون عرض النبي محمد (ص) ويركبونه حتى الصباح

محمد يأتيه الوحي وهو فى ثوب عائشة

بروفيسور تركي: النبي نوح استخدم الجوال والطائرات من دون طيار خلال الطوفان

بروفيسور تركي: النبي نوح استخدم الجوال والطائرات من دون طيار خلال الطوفان

 

هزت افتراضات بروفيسور تركي حول قصة الطوفان خلال برنامج تلفزيوني على قناة “تي آر تي” الرأي العام التركي. فقد عبر الأستاذ في كلية البحرية في جامعة إسطنبول يافوز أورنيك عن وجهة نظره بشأن الأحداث المتعلقة بقصة النبي نوح والطوفان.

 

وخلال الحديث عن الاكتشافات البحرية والآثار المتعلقة بفترة الطوفان, ادعى عضو الهيئة التدريسية في جامعة اسطنبول يافوز أورنيك أن “حقبة النبي نوح كانت غنية جدا بالتكنولوجيا، هذه الفترة كانت تتمتع بتقدم تكنولوجي أكثر من المتاح حاليا، وأنا يمكنني إثبات ذلك لكم بصفتي رجل علم”، وهو ما أدخل مقدمة البرنامج وباقي الضيوف والمشاهدين في حالة من الصدمة.

وأضاف “حضرة النبي نوح عمل على إقناع ابنه بالركوب معه في السفينة من خلال الاتصال معه عبر الهاتف المحمول”. وتابع: “حضرة النبي نوح بنى سفينة ضخمة من ألواح معدنية يصل ارتفاعها إلى 400 متر تتحمل الرياح والأمواج العاتية وكانت السفينة تعمل عبر الطاقة النووية”.

وواصل البروفيسور ادعاءاته قائلاً: “حضرة النبي نوح لم يرسل الحمام الزاجل عقب الطوفان لمعرفة ما حصل، وإنما أرسل طائرة بدون طيار”، وعندما ثارت مقدمة البرنامج واعترضت على كلامه بالقول: “هل هناك إثبات علمي لما تقوله؟”،

أجاب: “طالما كانت هناك تكنولوجيا متقدمة لماذا يستخدم الحمام الزاجل؟”. كما أضاف أن النبي نوح لم يأخذ حيوانات على متن السفينة وإنما أخذ بويضات وحيوانات منوية، جلبها من أمريكا وفرنسا.

 

المـــــــــــــــــزيد:

بروفيسور تركي : النبي نوح استخدم الجوال والطائرات من دون طيار خلال الطوفان

اكتشاف أثري تحت الماء يعتقد علماء أنه يضم بقايا "فلك نوح"

إله الإسلام خاسيس فَاَسق لا يتستر ويفضح العباد

عوج بن عنق حفيد آدم الذى بني الفلك مع نوح ثم قتله موسى النبي

عناق بنت آدم أول عاهرة فى التاريخ (للكبار فقط + 18)

بإعتراف القرآن .. المسيح هو إله السماء الارض

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح هو خالق كل البشر

كاتب القرآن يقر بأن "المسيح هو الله" والآحاديث تؤكد!

أشهد ألّا إله إلّا الله وأنّ يسوع المسيح صورة الله – ج2 من 2

أشهد ألّا إله إلّا الله وأنّ يسوع المسيح صورة الله – ج1 من 2

الكتاب المكنون - مريم تلد انجيلا - كيف حبلت مريم ؟ من الذي جاءها بشرا سويا؟ جبريل أم المسيح ؟

يسوع المصلوب، القديسة مريم ويوحناالحبيب

نعم مثل عيسى عند الله كمثل آدم

المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ - الجزء الأول

المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ - الجزء الثاني

المسيحيّة: هل هي دين أم ماذا؟ - الجزء الثالث

خدعوك فقالوا: "أنَّ الكتاب المقدَّس قد حُرِّفَ"

موثوقية الإنجيل وسلامته من التحريف - جزء أول - مقدمة عن المخطوطات

موثوقية الإنجيل - حلقة 2 - صحة نسب البشارات الى رسل المسيح وزمن كتابتها

الأزل والزمان يلتقيان فى مولد المسيح

هل تنبأت التوراة والإنجيل عن محمد؟

كيف تتأكد أن المسيح هو الله؟

ميلاد الرب يسوع المسيح المعجزي العذراوي

التجسد الإلهي في الأديان

طبيعة المسيح .. علي لسان صلاح جاهين الصريح

النبي المنسي "أُميّة بن أبي الصلَّت" الكاتب الحقيقي لــ "سورة مريم"

النبي المنسي "أُميّة بن أبي الصلَّت" عليه السلام الكاتب الحقيقي لــ "سورة مريم"

 

 

محمد عبد الرزاق محمد

 

1 - اسمه ونسبه:

هو أمية بن أبي الصلت بن عوف بن عقدة بن عنزة بن قسيّ ؛ وأبو الصلت هو عبد الله بن أبي ربيعة ؛ وقيل ربيعة بن وهب بن علاج بن أبي سلمة . وقسِي هو ثقيف بن منّبه بن بكر بن هوازن ، بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان . وكنية أُمية ((ابو عثمان)) وكذلك ((ابو الحكم )) وكذلك ((ابو القاسم)).

ووالدته هي رقيَّة بنت عبد شمس بن عبد مناف . وزوجته هي أم حبيب بنت أبي العاصي ، أولاده الذكور أربعة : القاسم ، ووهب ، وعمرو ، وربيعة ، وله إبنتان. وأخته الفارعة التي (( قدمت على محمد (ص) بعد فتح الطائف ، وكانت ذات لب وعفاف وجمال ، وكان محمد (ص) معجب بها ، وقال لها يوما : هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً ؟ فأخبرته خبره ، ومارأت منه ، وقصت عليه قصته في شق جوفه ، وإخراج قلبه ، ثم إرجاعه مكانه مكانه، وهو نائم)) راجع الاستيعاب ص 1889. وهي نفس قصة شق صدر محمد !.

 

2 – ثقافته:

كان أمية بن أبي الصلت علامة عصره علماً وكتابةً ، وشعراً ، وروايةً. قال الجاحظ : ((كان داهية من من دواهي ثقيف ، وثقيف من دهاة العرب ، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنه قد كان هم بادعاء النبوة ، وهو يعلم كيف الخصال التي يكون بها الرجل نبيا ، او متنبيا إذا اجتمعت له . نعم ، حتى ترشح لذلك بطلب الروايات ودرس الكتب . وقد بان عند العرب علاَّمة ، ومعروفاً في البلاد راويةً )) . راجع الحيوان 2-320.

وقال أبو عبيدة :(( اتفقت العرب على أن اشعر أهل المدن أهل يثرب ، ثم عبد القيس ، ثم ثقيف ، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت )) . وقال الكميت الأسدي ((أمية اشعر الناس ، قال كما قلنا ، ولم نقل كما قال )) راجع الأغاني 4-129.

وقال الحجاج بن يوسف الثقفي :((ذهب قوم يعرفون شعر أمية ، وكذلك إندراس الكلام)) . راجع الأغاني 4-130.

ذكر صاحب الأغاني والمسعودي وغيرهما ، بأن أمية أول من علم أهل مكة قولهم ((باسمك اللهم)) في اوائل كتبهم .

 

 

3 – ديانته:

إختلف الباحثون في ديانة أمية بن أبي الصلت اختلافا كبيرا ، فمنهم من قال انه نصراني ، ومنهم من قال بأنه يهودي ، ومنهم من قال إنه من الحنفاء . قيل أن أمية أكثر من إتصاله بالقسسة الرهبان حتى قيل إنه تبع أهل الكتاب . وأورد الأب لويس شيخو جملة من الأدلة على نصرانيته ، فقال ((أما أمية بن أبي الصلت ، وهو من ثقيف بها يرتقي الى إياد ، فيمكننا بيان نصرانيته بالأدلة الأتية :

1-كونه من إياد التي أثبتنا نصرانيتها ، وافتخاره بمعارف قومه لا سيما الكتابة . وفن الكتابة تعلمه العرب من النصارى .

2-كان أمية من الحنفاء ، والحنيفية في الجاهلية يراد بها النصرانية ، او شيعة من شيعها .

3-إطلاعه على الأسفار المقدسة والإنجيل ودرسه لها .

4-دخوله كنائس النصارى واجتماعه برهبانها.

5-معرفته اللغة السريانية ، لغه نصارى العراق .

6-((في شعره إقتباسات الكتب المقدسة ماتفرد به كعدي بن زيد ، فإن له اوصاف عديدة للأحداث الكتابية والعقائد الدينية كوصفه الجميل للعزة الإلهية ، والملائكة ، والدينونة ، والجحيم ، وبشارة العذراء .......)) راجع كتاب النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية 2-426.

وكما احتج البعض على ماقاله الأب لويس شيخو بأن أمية كان نصرانيا وبعضهم يقول حنيفيا ، فلا يوجد فرق فيما سرده الأب لويس وماسرده غيره فالحنيفية التي كانت سائدة في بعض مناطق الجزيرة العربية ، ماهي إلا مزيج من المسيحية واليهودية ، وأريد أن أدعم ماقاله الأب لويس شيخو ، بدليل يدل على تنصر أمية ذكرُه الكثير للملائكة ، وتمييزه بين طبقاتهم ورتبهم كالكاروبيم ، والحراس ، وجبرائيل ، وميخائيل. التي لم تكن معروفة أنذاك ، إلا عند النصارى واليهود ، قال ودعا . ميخائيل ميكالا ، والكروبيم كروبية ، وجبرائيل جبريل فتبعه محمد على ماقال في القرآن ، وكان إنما ذكر ذلك للضرورة الشعرية فقال بعد إن وصف العزة الالهية اجمل وصف :

أمين لوحي القدس جبريل فيهم ،

وميكال ذو الروح القوي المسدد

وحراس أبواب السماوات دونهم

قيـــام عليها بالمقاليد ، رصّــدُ ،

ملائــــكة لايفتـــرون عبــــــادة

كروبيّةُ مــنهم ركـــوع وسُــجدُ

فساجدهم لايرفع الدهر رأســه

يعـــظم رباً فــــوقه ، ويمــــجد،

وراكعهم يحنو له الدهر خاشعا

يـــردد آلاءَ الإلـــه ، ويـــحمــدُ!.

وكذلك كونه من إياد ، وهي القبيلة المعروفة بنصرانيتها ، لدى جميع الكتاب العرب ، فهي القبيلة التي إبتنت أديرة كثيرة في ديارها ، كدير قرّة ، ودير السوّا ، وغيرهما . والثابت ومالم يختلف عليه الباحثون ، والثابت في اقوالهم أن أمية:

1-كان على دين الحنيفية والدليل قوله :

كل دين يوم القيامة عندالله ، إلا ديـن الحنيفة زور .

2-كان يكثر من التردد على الكنائس ، ويقرأ الكتب .

3-لم يكن وثنياً ، على الرغم أنه رثى قتلى بدر .

4-لم يُسلِم بدليل قول محمد(( إن كاد أمية ليسلم)) وفي حديث اخر يذكر بان محمد (ص) قال : ((آمن شعر أمية ، ولم يؤمن قلبه)) ، أما قصيدته التي قيل بأنه مدح فيها رسول الإسلام ، فأغلب الظن أنها منحولة عليه . بدليل أن احمد بن يحيى ثعلبا قال: ((سمعت في خبر أمية بن أبي الصلت حين بعث النبي (ص) أنه اخذ بنتيه وهرب بهما إلى اقصى اليمن )) راجع الاغاني 4-139.

5-أكثر في شعره من ذكر الأخرة ، ووصف العزة الإلهية .

6-كان يحلم بالنبوة وذكر في الاغاني أن أميه نظر في الكتب وقرأها ، ولبس المسوح تعبدا ، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية ، وحرم الخمر ، وشك في الأوثان ، وكان محققا ، والتمس الدين وطمع في النبوة ، لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب ، فكان يرجو ان يكونه . فلما بعث النبي محمد (ص) ، قيل له هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه ، فحسده عدو الله ، وقال إنما كنت ارجو أن أكونه فانزل الله فيه (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ....)سورة الاعراف الأية 175 إنتهى كلامه ..

7-تشابه القرآن مع شعر أمية تشابه كبير ، بل نسخة طبق الأصل ، فهنالك أوصاف كثيرة مثل أوصاف الأخرة ، وأوصاف الجنة ، وأوصاف النار ، ووصف العزة الإلهية ...الخ

8-حادثة شق الصدر مذكورة بالإجماع في كتب التراث الإسلامي .وتشبه ماحصل لمحمد !!.

9-الاعتراف بفصاحة وعبقرية أمية وبأنه ، إستخدام الفاضاً لم تستخدمها العرب قط .

10-معرفته باللغة السريانية ، معرفة تامة ثقافة ، وترجمة ، ونقلا ، ورواية ، فقد كان واسع الإطلاع غزير الشعر جميل الوصف، عميق المعنى.

 

4 - شعره والقرآن:

زعم غير واحد من كتاب العرب الأقدمين. والمتعصبين ، الذين لايبحثون عن الحقيقة ، إن أمية استقى كثيرا من شعره وأفكاره من القرآن ، ونسج على منواله. ولكن إذا بحثنا واعملنا الرويّة ، وجدنا أن أمية قد سبق النبي بزمن كثير في تعليمه ، وفلسفته الدينية ، وأنه حين قضى لم يكن القرآن قد إنتشر الانتشار الكافي ، ولم يكن قد اثر وقتئذ في العقول والأفكار ، يدلنا على ذلك شواهد كثيرة نراها بين طيات الأغاني ، وغيره من الكتب تثبت لنا جليا أن العرب حتى بعد الهجرة بكثير وفتوحهم الشام ، لم يكونوا قد تخلوا عن عاداتهم ونزعوا افكارهم في الجاهلية ، بل قضوا كثيرا من الزمن متأثرين بما كانت عليه أجدادهم . وإذا علمنا أن نبي الإسلام كان عارفا بكثير من شعر أمية ، وتعاليمه وملما بكل أشعاره ، أتم إلمام ، فلم لا يكون قد استمد هو تلك الأفكار التي نراها في القرآن من شعر أمية؟! ولماذا لا تكون تعاليم أمية المنبع الذي إستقى منه ، والروض الذي إقتطف منه. أجمل وروده . مع العلم بالإجماع بأن أمية لم يسلم ؟ أليس هذا هو أقرب للعقل وأدنى إلى الصواب ؟ فإذن لايأخذنا العجب ، ولا يجنح بنا العقل ، فنشط عن معقل الحق إذا ماعثرنا في طريقنا على شبائه بين أفكار أمية والقرآن !!نترككم مع نماذج بسيطة من شعر أمية ، فقط هي ماوصلنا وماتم تأكيده من شعر هذا الشاعر الجليل فلا تتعجبوا من كثرة التشابه واستخدموا العقل فقط .

في حديث عكرمه عن ابن عباس قال أن النبي (ص) انشد قول أمية :

زُحَلٌ وثور تحت رجل يمينه

والنسر للأخرى وليث يرصد

فقال :(( صدق هكذا صفة حملة العرش))

وقال:

والشمــسُ تغـربُ كلّ آخـرِ ليلة

في عين ذِي خُلُبٍ وثأطٍ حرمدِ

وقال:

عبادُك يخطأون وأنت ربُ

بكَفّيـــك المنايا لا تــموتُ

وقال :

الحـــمد لله الــــذي لـم يــــتخذ

ولـــدا وقــــدر خـــلقه تـــقديرا

وعــــنا له وجهي وخلقي كــــله

فـــي الخاشعين لوجهه مشكورا

وأعــــوذ بـــالله العـــلي مــــكانه

ذي العرش لم اعلم سواه مجيرا

مـــن حــر نار لا يفـــتر عـــــنهم

وهنـــا أُعِـــدت للظــلوم مصـيرا

فيهاالسلاسل والعذاب لمن طغى

يــدعون فــيها حســرة وثبـــورا

لا يـــسمعن حـــسيـسها ياربــنا

يــوما تعيـــط شهــقة وزفــيرا

قد يأمرون القسط في أعمالهم

لا يظلمون لدى الحساب نقيرا

فأغــــفر لي اللهــــم ذنبي كــله

إمـــا أبيتك يـــوم ذاك فقــــيرا

وقال:

لك الحمد والنعماء والمُلْك ربنا

فلا شيء أعلى منك جَدًّا وأَمْجَدُ

مليكٌ على عرش السماء مهيمنٌ

لعـــزّته تَعْـــنُو الجباه وتســـجدُ

مليك السماوات الشِّدَاد وأرضها

ولــــيس بشيء فوقــــنا يتأودُ

تسبِّحه الطير الكوامن في الخفا

وإذ هــي في جو السماء تَصَعَّدُ

ومن خوف ربي سبّح الرعدُ حمده

وسبّحه الأشجار والوحش أُبَّدُ

من الحقد نيران العداوة بيننا

لأن قال ربي للملائكة: اسجدوا

لآدم لمـــــــّا كـــمّل الله خــــلقه

فخَرُّوا له طوعًا سجودا وكدّدوا

وقــــال عَــدُوُّ الله للكِبْر والشَّقا:

لطينٍ على نار السموم فسوَّدوا

فأَخْرَجَه العصيان من خير منزلٍ

فذاك الذي في سالف الدهر يحقد

وقال

ويومَ موعدهم أن يُحْشَروا زُمَرًا

يــوم التغابن إذ لاينفع الـــحَذَرُ

مستوسقين مع الداعي كأنهمُ

رِجْل الجراد زفتْه الريح تنتشرُ

وأُبْرِزوا بصـــعيدٍ مستوٍ جـــُرُزٍ

وأُنـْزِل العرش والميزان والزُّبُرُ

وحوسبوا بالذي لم يُحْصِه أحدٌ

منهم وفي مثل ذاك اليوم مُعْتبَرُ

فــمنهمُ فـــَرِحُ راضٍ بــمبعــــثه

وآخرون عَصَوْا مأواهم السَّقَرُ

يقول خُزّانها ما كان عندكم؟

ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُرُ؟

قالوا :بلى، فأطعنا سادةً بَطِروا

وغرَّنا طولُ هذا العيشِ والعُمُرُ

قالوا امكثوافي عذاب الله،ما لكم

إلا السلاسل والأغلال والسُّعُرُ

فذاك محبسهم لايبرحون به طول

المقام، وإن ضــجّوا وإن صبروا

وآخرون على الأعراف قد طمعوا

بجـــنةٍ حفّها الرُّمّـــان والخُضَرُ

يُســـْقَوْن فيـــها بكأسٍ لذةٍ أُنُفٍ

صفراء لا ترقبٌ فيها ولا سُكر

مِــزاجها سلسبيلُ مــاؤها غَدِقٌ

عذب المذاقة لا مِلْحٌ ولا كدرُ

منهم رجال على الرحمن رزقهم

مكفر عنهم الأخباث والوزرُ

إن الأنام رعايا الله كلهم

هوالسَّلطِيطُ فوق الأرض مقتدر

وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها

ولا البصير كأعمى ما له بَصَرُ

فاسْتَخْبِرِ الناسَ عما أنت جاهلهُ

إذا عَمِيتَ، فقد يجلو العمى الخبرُ

كأَيِّنْ خلتْ فيهمُ من أمـّةٍ ظَلَمَتْ

قد كان جاءهم من قبلهم نُذُرُ

فــصــدِّقوا بــلقاء الله ربــــِّكمُ

ولا يصُدَّنَّكم عن ذكره البَطَرُ

وقال:

وَفي دينِكُم مِن رَبٍ مَريمَ آيةٌ

مُنَبِّئَةٌ بِالعَبدِ عِيسى اِبنِ مَريمِ

اَنابَت لِوَجهِ اللَهِ ثُمَّ تَبتَّلَت

فَسَّبَحَ عَنها لَومةَ المُتَلَوِّمِ

فَلا هِيَ هَّمَت بالنِكاحِ وَلا دَنَت

إِلى بَشرٍ مِنها بِفَرجٍ وَلا فَمِ

ولَطَّت حِجابَ البَيتِ مِن دُونِ أَهلِها

تغَيَّبُ عَنهُم في صَحاريِّ رِمرِمِ

يَحارُ بِها السارِي إِذا جَنَّ لَيلُهُ

ولَيسَ وإِن كانَ النَهارُ بِمُعلَمِ

تَدّلى عَليها بَعدَ ما نَامَ أَهلُها

رَسولٌ فَلم يَحصَر ولَم يَتَرَمرَمِ

فَقالَ أَلا لا تَجزَعي وتُكذِّبي

مَلائِكَةً مِن رَبِ عادٍ وجُرهُمِ

أَنيبي وأَعطي ما سُئِلتِ فاِنَّني

رَسولٌ مِن الرَحمنِ يَأتِيكِ بابنَمِ

فَقالت لَهُ أَنّى يَكونُ ولَم أَكُن

بَغيّاً ولا حُبلى ولا ذاتَ قَيّمِ

أَأُحرَجُ بالرَحمنِ إِن كُنتَ مُسلِماً

كَلامِيَ فاقعُد ما بَدا لَكَ أَو قُمِ

فَسَبَّحَ ثُمَّ اغتَرَّها فالتَقَت بِهِ

غُلاماً سَوِيَّ الخَلقِ لَيسَ بِتَوأَمِ

بِنَفخَتِهِ في الصَدرِ مِن جَيبِ دِرعها

وما يَصرِمِ الرَحمَنُ مِلأَمرِ يُصرَمِ

فَلمّا أَتَمَتَّهُ وجاءَت لِوضعِهِ

فآوى لَهُم مِن لَومِهم والتَنَدُّمِ

وَقالَ لَها مَن حَولَها جِئتِ مُنكَراً

فَحَقٌّ بأَن تُلحَي عَلَيهِ وتُرجَمي

فَأَدرَكَها مِن ربّها ثُمَّ رَحمَةً

بِصِدقِ حَديثٍ مِن نَبيٍّ مُكَلَّمِ

أَنيبي وأَعطي ما سُئِلتِ فاِنَّني

رَسولٌ مِن الرَحمنِ يَأتِيكِ بابنَمِ

وأُرسِلتُ لَم أُرسَل غَويّاً ولَم أَكُن

شَقيّاً ولَم أُبعَث بِفُحشٍ وَمَأثَمِ

وقال:

إلهُ العالمينَ وكلَّ أرض

وربُّ الرّاسيات من الجبالِ

بناها وابتنى سبعاً شداداً

بلا عمدٍ يرين ولا رجالِ

و سوّاها وزيّنها بنور

من الشمسِ المضيئةِ والهلالِ

ومن شهب تلألأ في دُجاها

مراميها أشدّ من النصال

وشق الأرض فانبجست عُيوناً

وأنهاراً من العذب الزلالِ

وبارك في نواحيها وزكّى

بها ماكان من حرث ومالِ

فكل مُعمرٍ لا بُد يوماً

وذي دنيا يصيرُ إلى زوالِ

ويفنى بعد جدّته ويبلى سوى

الباقي المقدس ذي الجلالِ

وقال:

إذا قيل من رب هذي السماء

فليـــس ســواه له يضطرب

ولـــو قـــيل رب ســوى ربنا

لقـــال العــــباد جميعا كذِب

وقال:

إلى الله أُ هدي مِدحتي وثنائيا

وقولا رصينا لايني الدهر باقيا

إلىالملك الأعلىالذي ليس فوقه

إلــــه ولا رب يكــــون مُــــدانيا

وأشــهدُ أن الله لا شـــيءَ فوقهُ

عـــليا وأمــسى ذكره متـــعاليا

وقال:

يانفس مالك دون الله من واقي

وما على حدثان الدهرِ من باقي

وقال:

كـــانت مـــنازلهم إذ ذاك ظـاهرة

فيها الفراديس والفومان والبصل.

وقال:

يدعون بالويل فيها لاخلال لهم

إلا الـــسرابيل من قطرٍ وأغلال

وقال:

وقــــال لإبليس رب العــــباد

أنِ اخرج دحيراً لعينا ذؤوما

وقال:

تحول شرب شاربها شبابا

وماء الزنجبيل بها زَنيمُ

وقال:

في قصيدة طويلة في وصف الجنة نختصر منها بعض الأبيات لتعم الفائدة .

فـــذا عسل وذا لبن وخمر

وقمح في منابته صــريم

وحور لا يرين الشمس فيها

على صور الدمى فيها سهوم

نواعم في الأرائك قاصرات

فهن عقائل وهــم قــروم

وتحتهم نمارق من دِمَقس

ولا أحد يرى فيها سئيم

فذاك جزاء ماعملوا قديم

وكــلُ بعد ذلكم يـــدوم

وقال:

الخيط الأبيض ضؤ الصبح منفلق

والخيط الأسود ضوء الليل مكموم

وقال:

جـــــهنم تلك لا تبقي بغـــيا

وعــــدن لا يـــطالعها رجيم

إذا شبــــت جهنم ثم فــــارت

وأعرض عن قوانسها الجحيم

وقال:

تجري سفينةُ نوحٍ في جوانبه

بكل موج من الامواج تقتحم

وقال:

أيا ياويحهم من حر نار

كصرخةِ اربعين لها وزيمُ

وقال:

ولا يتنازعون عنان شرك

ولا اقوات اهلهم العسوم

ولاقرد يقزز من طـــعام

ولا نصب ولا مولى عديم

وقال:

الا كــل شي هالك غير ربنا

ولله ميراث الذي كان فانيا

وقال:

وقــــد تـــدرك الإنسان رحـــمة ربه

ولو كان تحت الأرض سبعين واديا

وقال:

عند ذي العرش يعرضون عليه

يعلم الجهر والكلام الخفيا

يوم تأتيه وهو رب رحيم

إنـــه كان وعده مأتـــيا

يوم نأتيه مثل ماقال فردا

لم يذر فيه راشدا وغويا

أسعيد سعادة انا أرجـو

ام مهان بما كسبت شقيا

رب إن تعف فالمعافاة ظني

او تعاقب فلم تعاقب بريا

إن أواخذ بما اجترمت فإني

سوف القى من العذاب فريا

وقال:

لا أرى الموت يسبق الموت شيئ

نغــــص الموت الغـــني والفقيرا

وقال:

أرَبَّــا واحداً ام الف ربِّ

أدين اذا تقسمت الأمورُ

ولكن أعبد الرحمن ربي

ليغفر ذنبي الرب الغفور

وقال:

إن آيـــات ربنـــا بيــنات

مايماري فيهن إلا الكفور

وقال:

من سبأ الحاضرين مأرب إذ

يبنون من دون سيله العرِما

وقال:

الحــــمد لله لاشريك لــه

من لم يقلها فنفسهُ ظلما

وقال:

الخالق الباري المصور في ال

أرحام ماء حتـى يصيرَ دما

وقال:

الحمد لله ممسانا ومصبحنا

بالخير صبحنا ربي ومــسانا

رب الحنيفةِ لم تنفد خزائنها

مملؤة طبق الأفــاق سلطانا

 

أخيراً – إستنتاج:

قال الدكتور طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي" الذي صدر سنة (1933) بمصر:

"الإختيار واحد من إثنين، أما أن نقول إن هناك شعراً جاهلياً، أو نقول إنه لا يوجد قرآن"، فأتهمه الأزهر بالكفر والإلحاد، ولكن الحقيقة لها نورها الساطع الذي يجذب القلوب ويقنع العقول، ذلك إذا علمنا أن بعض الآيات القرآنية مقتبسة من القصائد الشعرية المنتشرة والمتداولة بين القرشيين قبل نبي الإسلام محمد ، فتارة يأخذ من شعر أمية ، وتارة من شعر إمرؤ القيس ، وتارة يأتي على شكل سجع ، ضعيف وركيك.

 

من یمعن النظر في الأبیات الشعرية السابقة لأمية بن الصلت ، ویکلف نفسه‌ بالتشبيه‌ بینها و بین بعض الآیات القرآنية ، یتوصل إلی الإستنتاج ، بأن تلك الأبیات مصدر من مصادر القرآن . و بعبارة أخری ان القرآن في بعض أجزائه ‌، مسروق من الشاعر المذکور. وإلا لا یعقل أن یکون القرآن منزل علی الشاعر أمية بن الصلت قبل نزوله‌ علی محمد.

فكل ماذكرنا يعد قطرة في بحر شعر أمية ، ولا أستطيع حتى أن أقارنه بما يقابله في كتاب القرآن المزعوم من عند الله لفظاً ومعنى ، والله عزوجل بريء من مثل هذه الخرافات .......

 

 

والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين

ما الفرق {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} الأنبياء 91 و{فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}

 

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً

 

قصة النفخ العظيم فى الفرج الحصين

للمزيد:

النبي المنسي "أُميّة بن أبي الصلَّت" عليه السلام

محمد يسرق سورة مريم من أمية بن أبي الصَلت

تضارب أقوال كاتب القرآن حول ميلاد المسيح

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح الرب لم يتكبر أن يكون عبداً

ميلاد الرب يسوع المسيح المعجزي العذراوي

بإعتراف القرآن .. المسيح هو إله السماء وإله الارض

هل ورث المسيح خطية آدم من بطن العذراء؟

أتى المسيح

المَذْوَدْ أَعْلَان عن الصَليب

التجسد الإلهي في الأديان

هل يعقل أن يولد الله؟!

المسيح هو سر التقوى

لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ

هل يقبل الصبي يسوع سجودًا من عبدة الأوثان؟

في ملء الزمان

ولادة الرّب يسوع المسيح: أسئلة بشريّة وإجابات سماويّة

عظيم ميلادك ايها الرب يسوع

في انتظار عيد الميلاد

الاضحية

التجسد الإلهي في الأديان

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 1

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 2

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 3

أوروبا وأسلمة عيد الميلاد

كيف تصنع قنبلة بشرية ؟

القرآن آجندة الشيطان لقتل كل البشر

إِلْهَاً وَحْشِيًّا يَلدْ أُمْة من اَلْقَتَلة

أبجدية الإرهاب الإسلامي

أمسك حرامي : معراج زرادشت على ظهر حصان طائر إلى السماء التى سرقها محمد (ص)

كيف يأمر الله نبي بالزواج من زانية؟

كيف يأمر الله نبي بالزواج من زانية؟

 

د. إيهاب البرت

  

سألني صديقي المتشكك:

أليس إلهكم يأمر بالحياة المقدسة ويرفض الخطية لأنه قدوس؟

هل الله يشجع على الزنى والزواج من زانيات؟

   قلت: بالطبع لا. فكلمات الرب لشعبه: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس".

   قال: إذن كيف يأمر الله نبي من أنبيائه بالزواج من زانية بل واقتناء أولاد زنى بنص كتابي صريح: "أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع: "اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب" (هوشع1: 2).

   أليس هذا وكأن الله يدفعه للشر والخطية؟. وأليس هذا أيضًا تشجيع للزانيات والعاهرات على استمرارهم في طريقهم لأنهم بعد هذا قد يكافئون بجوازهم من رجال الله؟

الرد:

   أولاً الخلفية:

   لقد بدأ هوشع خدمته في إسرائيل المملكة الشمالية في آخر أيام الملك يربعام الثاني الذي نعم إسرائيل في ظل حكمه بالسلام السياسي والازدهار المادي إلى جانب الفساد الأخلاقي والإفلاس الروحي وبعد موت يربعام الثاني (753 ق.م)، عمت الفوضى وتداعت مملكة إسرائيل بسرعة. لهذا كان الهبوط الروحي والبعد عن الله هو الجو السائد في مملكة إسرائيل حتى سقوطها في السبي الآشوري بعد 30 سنة.

   واستخدم الله كل تشبيه ممكن للكشف عن علاقته الوطيدة بالبشرية وحبه لها. فكان التشبيه السائد هو ارتباط العريس بالعروس. ويحكي لنا سفر نشيد الأنشاد الذي كتبه الحكيم سليمان عن قصة العريس مع عروسه : "هلمي معي من لبنان يا عروس" (نش4: 8).

   وهكذا ارتبط الرب بشعبه كالعريس والعروس. وهكذا أيضًا نفهم معنى خيانة العروس لعريسها وذهابها لعبادة آلهة أخرى والسجود للأوثان والأصنام ما يسمى الزنى الروحي وهذا ما حذر الرب منه شعبه نعم موسى: "فتزني بناتهم وراءآلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن" (خر34: 16).

   والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزني وراءهم" (لا20: 6).

   لهذا يطلق على عبادة الأصنام وترك الرب الإله الوحيد الحقيقي الزنى الروحي وهذا محور فكرة الزواج من زانية.

   ثانيًا: التفسير:

   زواج هوشع من زانية تدعى جومر يحمل تفسيرات متعددة وكلها صحيحة مائة في المائة. وإن اختلفت اختلافات بسيطة، لكنها كلها تفسيرات مهمة ولابد أن توضع في الاعتبار.

1-    كلمة زانية في الترجمة العبرية تأتي بمعنى "عابدة للبعل"، كما سلف الشرح. لكن كان هناك شابات مكرسات لعبادة البعل وخدمته لهذا تحسبه زانية وقد تكون أيضًا كلمة زانية بمعنى غير متزوجة، لكنها تملك بيتًا يستخدم كفندق للغرباء ولهذا تسمى زانية لأنه مضيفة للغرباء مثل راحاب الزانية. ولكن في المعنيين ينفي عنهما الزنى الجسدي الحقيقي حرفيًا.

عندما ارتبط هوشع بجومر لم تكن قد زنت بعد. لقد كان أمر الرب له: "خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى"، لأن هذا على اعتبار ما سيحدث في القصة. لقد تزوجها عفيفة وأنجب منها أولاداً. ثم ذهبت جومر وزنت فصارت امرأة زنى. وصار أولادها أولاد الزانية. لكن لم تكن قد زنت بعد عند زواجها الأول من هوشع. وهذا يفسر لنا "خذ لنفسك.. أولاد زنى". ثم عاد الرب هوشع في الأصحاح الثالث ودعاه ليسترد جومر الزانية ليعيدها إلى مكانها. ليقودها إلى التوبة والرجوع للرب فيقول له: "اذهب أيضًا أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية" (هو3: 1).

يقول جون ماك آرثر: "إن هذه الأوامر الموجهة إلى هوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى"، ينبغي النظر إليها من باب التوقع أي النظر إلى المستقبل، فلا يمكن لامرأة زانية أن تصلح صورة لإسرائيل الخارجة من مصر والتي زاغت فيما بعد عن إلهها" لهذا كانت جومر وفيه ومخلصة في باديء الأمر لكنها تحولت إلى الخيانة.

2-    يرى قلة من الدارسين أن ما ورد في الأصحاح الأول والثالث لم يكن إلا مجرد رؤيا أو قصة رمزية قدمت للشعب للتعبير عن بشاعة سقوطهم وانحرافهم عن عبادة الله الحي وخيانتهم له عوض الالتزام بالعهد المقدس معه. وما يؤكد هذه الفكرة أن الأبناء الثلاثة حملوا أسماء رمزية لتوضح العلاقة بين الله وشعبه.

كما أن الأصحاح الأول حمل زواج النبي من جومر وحمل الأصحاح الثاني العلاقة بين هوشع وجومر وصورتها الرمزية التي تمثل علاقة الله ببني إسرائيل وطلب من الأبناء طرد أمهم الخائنة خارج البيت سعيًا لإصلاحها وليس للتخلص منها. وأتى في الفصل الثالث ليعيد حبه لها والاستمرار في هذه العلاقة الرمزية.. هذا ما يؤكد رمزية القصة.

3-    الحقيقة الأكيدة التي لا تقبل الشك أن الرب الإله القدوس المهوب الذي لا يرضى بالزنى الجسدي ولا حتى الزنى الروحي. فكانت إحدى الوصايا العشر "لا تزن" (خر20: 14).

وأتى الرب يسوع ليكمل هنا الناموس بالقول: "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (متى5: 28).

   لهذا يرفض الله والكتاب المقدس كله فكرة الزنى ويعاقب الزاني والزانية "فإنه يقتل الزاني والزانية" (لا20: 10)، لهذا ستظل القاعدة الأساسية التي لا تحتمل الشك: إن الله يرفض الزنى. ولا يشجعه. بل يعاقب الزاني والزانية.

النبوّة والنبي – جــــ 3 من 4

رياض الحبَيب

 

هل القرآن معجز؟

هذا عنوان باب في "الشخصية المحمدية" للرصافي ص898 أو ص599 على الانترنت، أدعو ذوي الألباب وذواتها إلى قراءته لأنّ الرصافي لخّص مسألة الإعجاز القرآني المزعوم بقوله- باختصار:
[أصبح موضوع الإعجاز في القرآن دينيًّا بحتًا وليس فنّيًّا أدبيًّا، فكلّ مَن خالف القائلين به أصبح في نظرهم إمّا كافرًا أو مُلحِدا، لأنّهم لا يرون له عيبًا ولا يسمعون عليه من خصومهم حجّة ولا يقبلون منهم برهانا. هذا على فرض أنّ القائلين بالإعجاز صادقون وفيما يدّعون مخلصون، وإلّا فنحن من ذلك في شكّ مُريب، وإن جاز لدينا أن يكون فيهم من هو صادق في قوله ومخلص في دعواه. وهذا كتاب القاضي الباقلاني قد قالوا إنه أحسن كتاب أُلِّف في إعجاز القرآن، لكنّ كلّ من طالعه بتروٍّ وقرأه بتدبّر وإمعان أيقن أنّ مؤلِّفه من الرعيل الأوّل من المرائين، وأنّه بتأليفه من طلاب الدنيا لا من طلاب الحقيقة... إلخ]
وفي رأي الرصافي [أنّ الرّياء، قبّحه الله، من أكبر الرذائل الاجتماعية لأن فيه التمويه والتضليل وكلاهما من سموم السعادة في الحياة الاجتماعية] انتهى.

 

ومن الأمثلة على الرياء في زماننا؛ الشائعة القائلة [إن علماء الغرب أشادوا بمحمد وأنّ الأوروبيّين يدخلون الإسلام أفواجًا] والحقيقة التي كشفت عنها الفضائيات والانترنت على العكس تماما، لأن مفكّرين غربيّين كثيرين ولا سيّما فولتير قالوا عن محمد ما يقضّ مضاجع مردّدي هذه الشائعة إذا ما بحثوا في كتبهم وعبر غوغل ويوتيوب [شاهد-ي على يوتيوب: سؤال جريء 409 ماذا قال العظماء عن محمد؟] فإن سألت أحدهم: اكتب لي لطفًا اسم عالم غربي واحد واسم مقالته أو كتابه أو أيّ مرجع أصلي، فيه ما يثبت صحّة ادّعائك، فلا جواب. وإذا طلبت إليه تحديد هويّة فوج أوروبي واحد دخل الإسلام فلا جواب. عِلمًا أني ذكرت في ج2 من هذه المقالة خمسة أسباب وراء ارتداد المسلمين عن الإسلام؛ هي التالي باختصار؛
الأوّل: انجذاب ملايين المسلمين إلى رُقيّ شخصيّة السيد المسيح.


والثاني: عَجْز مؤلِّف القرآن عن صنع معجزة واحدة، كما جرت العادة لدى بعض الأنبياء، أيًّا كانت مبرِّرات العجز.


والثالث أنّ شجرة أنبياء الله معروفة، قد اقتصرت على بني إسرائيل وبناته.


والرابع أنّ زمن النبوّات المقدَّسة قد انتهى بمجيء السيد المسيح لأنّ محور النبوّات، كلّها على الإطلاق، دار حول مجيء المسيح مخلِّص العالم.


والخامس أنّ مؤلِّف القرآن لم يأتِ بجديد مفيد، بالإضافة إلى أنّ توجّهاته خالفت توجّهات الكتاب المقدَّس.
فلم يبق لدى المدافع عن القرآن سوى الادّعاء (أنّ معجزة محمد هي القرآن) لكي يبرِّر إدراج محمَّد ضمن قائمة أنبياء الله، لكن ثبت لكثيرين خلاف ادّعائه، منهم شخصي المتواضع، فطلبت إلى المدافع أن يكتب شيئًا ما من القرآن يظنّ أنّ فيه إعجازًا فلم يفعل. وقد ذكرت في معرض مطالعتي كلًّا من "العلق" و"القلم" أنّ مؤلِّف القرآن قد عجز عن مجاراة شعراء عصره فلم يأتِ بمستوى ما أتوا أدبيًّا وإن اقتربت السُّوَر القِصار من الشعر تارة ومن السجع تارة أخرى! فاعترف المؤلِّف في سورة يس:69 أنّ ربّه لم يعلِّمه الشِّعر. أمّا سجع القرآن فقد أشار الرصافي إليه في "الشخصية المحمدية" ص554 على نسخة الانترنت وأسهب في الحديث عن فواصل القرآن وأطنب، وأردف قائلًا باختصار [إنّ الفواصل هي قِوَام أسلوب القرآن] عِلمًا أني أتيت بأدلّة قاطعة في معرض مطالعة سورة القلم\ ج2 بأنّ أسلوب القرآن مقتبس من أسلوب تدوين الأسفار الشعرية في الكتاب المقدَّس ولا سيّما المزامير، وضربت أمثلة.

 

خلاصة مطالعتي القرآن

لقد رأيت التالي بنفسي، في ضوء مطالعتي القرآن، لم أنقل عن أحد؛ فالنقل بعيدًا عن سيطرة العقل من عادة الذين انتقدوا الكتاب المقدَّس بدون قراءته وتفاسيره المعتمدة مسيحيًّا، وهي متوفّرة ورقيًّا وعلى الانترنت، فوقعوا في أخطاء كثيرة. وإليك ما لاحظت:
أوّلًا: اختلاف روايات القرآن عن روايات الكتاب المقدَّس. فأقول بصفتي مِن أهل الكتاب إنّ مصدر كلّ رواية ناقضت أيّة رواية في الكتاب المقدَّس بَشَري.

ثانيًا: وجود أغلاط لغويّة، إملائيّة ونحويّة، في المصحف المنسوب إلى زمن عثمان، وأخرى علميّة وغيرها تاريخيّة. وسآتي في الأقلّ بحجّتين على كلّ منها، لأنّ الادّعاء الخالي من حجّة دامغة باطل:-
 
1- مِن الأغلاط الإملائية

لفظة "الطود" التي وردت مرّة واحدة في القرآن (الشعراء:63) فالصحيح الطُّور- بالرّاء- أصلها طُورو، لفظة سريانيّة معناها الجبل، وباٌسمه سورة أوّلها: (وَالطُّورِ. وكِتابٍ مسطور...) وفي سورة أخرى: (وطُورِ سِينِين)- التين:2 وقد عبّرت السيدة عائشة عن مثل هذه الغلطة بأنها (من أخطاء الكاتب) ما دلّ على أن ربّ القرآن عاجز عن حفظ كلامه.


فإذْ وُجدَتْ "الطود" في "لسان العرب" فإنّ صاحبه- ابن منظور- والفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" وغيره قد أخذوا عن القرآن، لأنّ هذه اللفظة غير واردة في كلام العرب ما قبل الإسلام بمعنى الجبل، لا في الشعر ولا في السجع. وتاليًا؛ إمّا حاول أحد المعترضين كتابة بيت من الشعر وردت فيه "طود" مُعترضًا على هذه المقالة فليتأكد أوّلًا من هويّة الشاعر الذي قال البيت، هل عاش قبل الإسلام أم بعده؟ فليس من المنطق ما فعل مفسِّرو القرآن الذين استشهدوا بأبيات لشعراء عاشوا بعد الإسلام لكي يدعموا مسائل معيّنة في القرآن، منها ما أشرت إليه في مقالتي [مسيحي يطالع القرآن: العلق 2 من 2] وفي غيرها.

 

ولقد سبقني الكاتب حامد عبد الصمد إلى البحث عن كلمة "تبّت" في أوّل سورة المسد (تبّت يدا أبي لهب وتبّ) في أزيد من حلقة من "صندوق الإسلام" فلمّا بحثت عنها في "لسان العرب: تبب" وجدت أن "تَبَّ-تْ" موجّهة إلى العاقل على الدعاء إذْ قيل "تبًا لفلان" وقيل على العكس "سَقيًا لفلان" فلا تصلح "تبًّ-ت" لغير العاقل (اليد) لكنّ ابن منظور أخذ عن القرآن بدون أن يذكر لنا اسم الشاعر الراجز الذي استخدم "تبّت" لليدين. فالصحيح هو قول محمد (وتبّ) والفاعل هنا أبو لهب. كما أنّ الصحيح الذي في حديث أَبي لَهَب مخاطبًا محمّدا: (تَبّاً لكَ سائرَ اليوم، أَلِهذا جَمَعْتَنا) فما كانت حروف القرآن منقَّطة. وقد جمع حامد عبد الصمد 29 كلمة من الممكن صنعها من تنقيط أحرف "تبت" فالكلمة القريبة من الواقع: بُتَّت (قُطِعتْ) مصدرها البَتّ، فيكون الصحيح: بُتَّتْ يدا أبي لهب وتبّ.   

 

2 - مِن الأغلاط النّحويّة

لي مقالة على الانترنت تحت عنوان (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)- التحريم:4 منذ سنة 2010 فالمخاطب اثنان بينما القلوب جمع تكسير. وقد حاول أهل التأويل تبرير هذه الغلطة، لكن تبريرهم مرفوض عند أهل الفصاحة، لأن صيغة المثنّى معمول بها في القرآن نفسه. وهذا في تقديري غلط مؤلّف القرآن لا الكاتب الذي قصدته السيدة عائشة. وهذا لو صدر عن إنسان عادي لهان الأمر، لكنّ صدوره عن شخص قال عن ربّه أنّ (عنده أمّ الكتاب)- الرعد:39 وأنّ كتابه نزل (بلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبِيْن)- الشعراء:195 والنحل:103 فأمام ادعائه علامة استفهام كبيرة، إذ لا وجود لصيغة مثل "صغت قلوبكما" في شعر العرب ما قبل الإسلام ولا في سجعهم.


كذا قوله (هذان خصمان اختصموا في ربهم)- الحجّ:19 فقد تنبّه غيري إلى خلط محمد ما بين المثنّى (هذان خصمان) وبين الجمع (اختصموا) لكنّ المفسّرين قالوا إمّا أنّ الخصمين فريق التوحيد وفريق الشرك إذ اختصم الفريقان يوم بدر، وإمّا أنّهما الجنّة والنار.


وتعليقي على معنى الفريقين أن الصحيح في رأيي هو: هؤلاء خصمان اختصموا في ربّهم. أمّا تعليقي على المعنى الثاني فالصحيح: هذان خصمان اختصما في ربّهما.

 

3 - من الأغلاط العِلميّة

لقد أسهب غيري في الحديث عن قول مؤلِّف القرآن ما نسب إلى الله (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر)- المؤمنون:14 يمكنك كتابة [خرافة فكسونا العظام لحما] على غوغل وكلّ ما ظننت به إعجازًا عِلميًّا، أو كلّ ما لُقِّنت فصَدَّقت، للبحث عن الحقيقة. أمّا من الأمثلة على يوتيوب: سؤال جريء، الحلقة 259 مراحل تطور الجنين بين العلم والإسلام، الجزء الأول. وسؤال جريء، الحلقة 414 هل تنبأ القرآن عن الذَّرَّة؟ وصندوق الاسلام، الحلقة 61 حقيقة الإعجاز العلمي في القران- أطوار الجنين.

 

4 - من الأغلاط التاريخية

مخاطبة السيدة مريم العذراء أمّ السيد المسيح بالقول (يا أخت هارون- مريم:28 وابنَت عِمرانَ- التحريم:12 وآل عمران: 35-37) وبين السيدة مريم العذراء أمّ المسيح وبين مريم النبيّة أخت هارون أزيد من 1400 سنة! فخَلَطَ مؤلِّف القرآن بينهما. وهذه ليست غلطة تاريخيّة فحسب، إنّما لاهوتية أيضًا؛ فإذ قيل إنّ في هذه المخاطبة (يا أخت هارون) تشريفًا لها فلا يُشرِّفُها إلّا اسمها (مريم العذراء) وكُنيتها (أمّ يسوع) أو في الأقلّ "أمّ عيسى"- حسب القرآن- هذا لأنّ المسيح بلا خطيئة! أمّا هارون فقد أخطأ إلى الله في قضيّة العجل الذهبي، وهي قضية معروفة في التوراة ومشهورة، كما أنّ عِمران (الصحيح توراتيًّا: عَمرام) والد مريم النبيّة وموسى النبي وهارون الكاهن (الخروج 15: 20 وأخبار الأيّام الأوّل 6: 3) قطعًا ليس والد السيدة مريم العذراء، لم يُذكر اسم والدها في الكتاب المقدَّس! لكنّه مذكور في التراث المسيحي. يمكنك الاطّلاع على تفاصيل أكثر، عبر غوغل، متعلّقة بهذه الغلطة وبسائر أغلاط القرآن التاريخية، باللغتين العربية والانكليزية.

 

بالمناسبة؛ كم صدع رأسي بعض المعلِقين على مقالاتي بالقول (إنّ القرآن كرّم سيّدتنا مريم إذْ جعل سورة باٌسمها) فكان الجواب: لا تتكرّم السيدة مريم بجعل اسمها في قائمة تضمّ البقرة والفيل والنمل والعنكبوت... إلخ! لا هي ولا غيرها، حتّى السور التي كلّ منها تحت عنوان أحد أعلام الكتاب المقدَّس؛ نوح، الأنبياء، آل عمران، إبراهيم، يوسف، يونس، لا يتشرَّف أحدهم بذكر اسمه عنوانًا لأيّة سورة، للسبب المذكور عينه.


ولديّ اعتراض أيضًا على تسمية إحدى السور بالقيامة وأخرى بالفرقان، لأنّهما من المصطلحات الخاصّة بالكتاب المقدَّس؛ اقتبسهما مؤلِّف القرآن منه. فالسيد المسيح بِكر القيامة، هو الوحيد الذي قام من الأموات بجسد القيامة المُمجَّد. أمّا مؤلِّف القرآن فقد تجاهل قيامة المسيح من الموت، متأمِّلًا في سورة القيامة تأمّل شاعر، فكتب خاطرة مسجوعة مقفّاة بأزيد من قافية، شتّان ما بينها وبين المُدوَّن في الكتاب المقدَّس عن القيامة. فإن أدرك الإخوة المسلمون معنى القيامة ويومها، بشكل ما وبطريقة ما، فما أدراهم ما "الفرقان" ولا سيّما أهل التأويل! وما أدراهم ما "يوم الفرقان" المذكور في الأنفال:41
لذا سأفرد لاحقًا وقفة جديدة بين الكتاب المقدَّس وبين غيره لإحاطة المسلمين عِلمًا بمعنى الفرقان وبيومه، بأدلّة قاطعة من الكتاب المقدَّس ومن القرآن.

 

إليك غلطة تاريخية ثانية باختصار؛ نقرأ في تفسير القرطبي القصص:8 [كان هامان وزير فرعون من القبط ] والحقيقة أنّ هامان كان وزيرًا لأحشويريش ملك فارس، لم يكن وزير فرعون: {بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ عَظَّمَ المَلِكُ أَحَشْوِيرُوشُ هَامَانَ بْنَ هَمَدَاثَا الأَجَاجِيَّ ورَقَّاه، وَجَعَلَ كُرسِيَّهُ فوقَ جَمِيعِ الرُّؤَساء الَّذِينَ مَعَه}+ أستير 3: 1 ومعلوم تاريخيًّا أنّ فرعون، إذْ عاصر موسى النبيّ، عاش قبل ملك فارس المذكور بحوالي ألف سنة. ثمّ أنّ "هامان" اسم فارسي، مختلف تمامًا عن الأسماء الفرعونية.

 

ثالثًا: رصدت تناقضات موضوعيّة في القرآن حاول أهل التفسير إيجاد ذريعة "الناسخ والمنسوخ" لها؛ كقول محمد ممّا نسب إلى الله: (ولو شاء ربّك لآمَن مَن في الأرض كلّهم جميعًا أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين)- يونس:99


وفي تفسير القرطبي: [عن ابن عبّاس؛ المراد بالناس هنا أبو طالب] بينما رصد ابنه- علي بن أبي طالب- أربعة أسياف في القرآن، ثلاثة منها تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين، والسيف في رأي المفكّرين من وسائل التهديد والإكراه، هو قطعًا ضدّ الإقناع بالحُجّة، بل دليل على ضعفها إن وُجدتْ. وإليك الثلاثة- بتصرّف:
[الأوّل: سيف في المشركين من العرب (التوبة:5) والثاني: قتال أهل الكتاب حتّى يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي أذلّاء (التوبة:29) والثالث: قتال الكفّار والمنافقين (التحريم:9 والتوبة:73) ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه (أي في التوبة:5) فقال الضّحّاك والسّدّي: هي منسوخة بقوله (فإما مَنًّا بعد وإمّا فداء)- محمد:4 وقال قتادة بالعكس]- من تفسير ابن كثير التوبة:5

وقد رأيت في التناقضات القرآنية إساءة إلى عِلم الله وإلى صحّة قراراته: [الآن خفّف الله عنكم و(عَلِمَ) أنّ فيكم ضعفا]- الأنفال:66 وهذه نسخت ما قبلها. وممّا قال محمد ناسبًا قوله إلى الله: [ثمّ بعثناهم (لِنَعلَم) أيُّ الحزبَين أحصى لِمَا لبِثوا أمَدا]- الكهف:12 ولي وقفة هنا على قِصّة أصحاب الكهف، إذ اعتبرها مؤلِّف القرآن حقيقية، بينما كانت خيالية رمزيّة.

وبالعودة إلى باب الأغلاط النحوية بالمناسبة؛ ورد في تفسير القرطبي المذكور- بتصرّف: [كلّهم تأكيد لـ "مَن" أمّا "جميعًا" عند سيبويه فنصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله "جميعًا" بعد "كلّ" تأكيدا؛ كقوله: لا تتّخذوا إلهين اثنين] انتهى.
وتعليقي كتعليق الرصافي في مناسبة مثل هذه: لو أنّ "التأكيد" المذكور ورد في كتاب آخر لانتقده كلّ من سيبويه والأخفش ولَمَا سكتا عنه. أمّا المثال الذي ضربه الأخفش فصحيح لكنّه لا يصلح لتبرير الغلطة القرآنية (كلّهم جميعًا) فالصواب حسب معرفتي النحوية إمّا كلّهم وإمّا جميعا؛ كذا قول محمد: (فسَجَدَ المَلائكةُ كُلُّهُمْ أجمَعُون)- ص:73 والحِجر:30 والهدف من هذا "التأكيد" مراعاة فواصل السورة على حساب النحو، لا لسبب آخر، وهذه المراعاة من الأدلّة القاطعة ببشريّة القرآن. 
بينما قرأت له: (وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَومَ القِيامة فَرْدا)- مريم:95 فلم يقُلْ "كلّهم جميعًا" مثلما قال في يونس:99 فلماذا "أكّد" هناك ولم "يؤكّد" هنا؟
وقرأت له: (ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول...)- الأنعام:22 بدون "كلّهم" كذا في يونس:4 و28 وفي الأنعام:128 وغيرها. والسؤال نفسه: لماذا "أكّد" هناك ولم "يؤكّد" هنا؟

رابعًا: اختلاف أهل التأويل على أبسط المسائل القرآنية (انظر-ي أيّ تفسير إسلامي معتمَد لديك) كما اختلف قول قتادة عن قول كلّ من الضّحّاك والسّدّي في تفسير ابن كثير المذكور. وقد قلت فيما مضى ما معناه: إذِ اختلف أهل التأويل في معاني القرآن فماذا تفعل العامّة بالقرآن لفهمه؟ إلّا إذا حفظه المسلمون في الصدور بدون فهم. والمنطق يقول في هذه الحالة أنّ عليهم أن يكفّوا عن دعوة الآخرين إلى الإسلام، كي لا ينتابهم الحرج إذا ما سئلوا عن أشياء لم يتوقّعوا سؤالًا عنها يومًا ولم تخطر إشكاليّاتها في أذهانهم. يكفيهم الحرج الذي تعرّض له محمد يوم سأله النضر بن الحارث عن الروح وعن عدد أصحاب الكهف. وأقول إنّ على مَن يدعو الآخرين إلى الإسلام أن يكون مُلِمًّا بتفسير القرآن لكي يكون جديرًا بدعوته وبحملته الدعائيّة، لأنّ "الله أعلم" أمسى من أقوال المُفلِسين فِكريًّا وثقافيّا. فعيون الناس اليوم مفتوحة، أوسع ممّا في الماضي، بفضل الانترنت. 
وأقول أيضًا؛ خير لهم أن يكفّوا عن الدفاع عن القرآن، لأنّ فريقًا من النقاد قد يصطفّ مع قتادة- مثالًا لا حصرًا- والفريق الآخر مع الضّحّاك. فأدعو المدافعين إلى الاطّلاع على سلسلة النقد التي تعرَّض لها القرآن عبر التاريخ، منذ فجر الإسلام حتّى اليوم، بأقلام مفكّرين محترمين ومخلصين للحقيقة.  

خامسًا: غلطة من العيار الثقيل في نظري؛ إذ اعتبر مؤلِّف القرآن قصّة أصحاب الكهف حقيقية، مدّعيًا بلسان ربّه: (نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى)- الكهف:13 والحقيقة أنها قصّة خياليّة رمزيّة، كما أسلفت، ليست قصّة واقعيّة إطلاقًا؛ كتبها القديس السرياني يعقوب السروجي (451- 521 م) في قصيدة على الوزن السرياني السباعي ذات أربعة وسبعين بيتًا، لغرض تعليمي، تعبيرًا عن اضطهاد المسيحيّين منذ بزوغ فجر المسيحيّة. عِلمًا أنّ أوّل نصّ لها مدوّن باللغة السُّريانيّة، يعود تأريخه إلى أواخر القرن الخامس الميلادي، ثم انتشرت القصّة بين الناس، سواء في شبه جزيرة العرب وفي الحبشة وفي الشام وفي مصر.


فمسألة أصحاب الكهف ومسألة ذبيحة إبراهيم على أنّ الذبيح "إسماعيل"- حسب إثبات الشنقيطي في "أضواء البيان" (1) ومسألة الخلط بين مريم "إبنت عمران وأخت هارون" وبين مريم العذراء ومسألة الخلط بين وزير فارسي ووزير فرعوني، من الأدلّة القاطعة بأنّ القرآن من تأليف محمد، لكن نسبه إلى الله، على رغم مخالفة القرآن كلام الله المدوَّن في الكتاب المقدَّس. فإذ حاول الجهلة إسقاط شبهة التحريف على الكتاب المقدَّس، دفاعًا عن القرآن، فقد سقطوا في مستنقع الجهل وباءت جميع محاولاتهم بفشل ذريع، بما أوتوا من مكر وخداع؛ لأنّ من المستحيل تحريف الكتاب المقدَّس. والمزيد في مقالتي:
الهَلاك بالدليل للمُفتَرين على التّوراة والإنجيل (2)

تاليًا؛ عن أيّ إعجاز تحدّث تجّار "الإعجاز العلمي" عبر الفضائيّات الإسلامية وفي الكتب الصفراء؟ ماذا نفع الناسَ "إعجاز القرآن" سواء أكان في حقل العلم أم في حقل الأدب؟ لو صدق التجار لرأينا مكة والمدينة منارتين للعلم والأدب. فماذا اخترع المسلمون من الإعجاز العلمي المزعوم؟ وكم جائزة نوبل حصد العرب من الإعجاز الأدبي المزعوم؟ هل نسِي التجار موقف مؤلِّف القرآن من الشعراء ممّا في أواخر سورة الشعراء، أم نسوا محاولة اغتيال نجيب محفوظ- العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الأدب؟


* في القسم التالي ملاحظة سادسة.

1 انظر-ي مقالة الكاتب: وقفة بين الكتاب المقدَّس وبين غيره – ج1: في الوحي الإلهي

2 انظر-ي أيضًا: الاقتباس والتأليف وراء لغز شبهة التحريف – 1 من 3

 

أنبياء كذبة!

ويقومُ أَنبياء كذَبَة كَثيرون ويُضِلّون كَثِيرين ولِكَثرة الإِثْم تَبْرد مَحبة الكثيرين

كيف نعرف النبى الحق من الكاذب ؟

3 حالات يجوز فيها الكذب

من أنواع الكذب فى الإسلام

المـــــــــــــــــزيد:

النبوّة والنّبي – جـ 1 من 4

النبوّة والنّبي – جـ 2 من 4

النُّبُوّة والنّبيّ – جـ 4 من 4

النبي الكذاب يمجد نفسه بدلاً من الله

كذبة ابريل وتقية البهاليل

التقية الإسلامية "النفاق الشرعي" ..

القول المنحول فى عفة لسان الرسول

مُحاكَمَة صَلعَم مُدَّعِي النَبُوة.. مَطلَبٌ وَنَصرٌ للإنسانِية

قصة اصحاب الفيل – التزوير المقدس

أكذوبة الاعتدال الإسلامي

هل كان جبريل هو دحية الكلبي ؟

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الكَذِبُ

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الزِنـَـــا

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الشُذوذِ

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الدَعَارَةِ

قرآن رابسو.. سورة الفاشية

قرآن رابسو.. سورة الجنة

للكبار فقط (+ 18): هل كان الرسول محمد (ص) شاذاً لوطي ؟

الخليفة عمر ابن الخطاب يقر ويعترف بأنه لوطي وشاذ جنسياً

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

للكبار فقط (+18) : رهط من الصعاليك العراة ينتهكون عرض النبي محمد (ص) ويركبونه حتى الصباح

محمد يأتيه الوحي وهو فى ثوب عائشة

الشَّبَقُ الْجِنْسِيُّ عِنْدَ قَثْم بْن عَبْدِ اللَّات المكني بمحمد ابن أمنه

التحرش الجنسي بالمرأة المسلمة

قتيلة بنت قيس زوجة محمد (ص) التي إرتدت عن الإسلام وتزوجت بعد موته

أخلاق محمد جـ 3 : قتل الأسرى والنساء والأطفال، إحراق المزروعات

عنصرية النصوص القرآنية.. ونهجه في أستعباد العباد

مضاجعة الوداع للزوجة الميتة ولا حياء فى الدين الإسلامي

القرآن يقر ويعترف بأن كل المؤمنات به عاهرات

تبادل الزوجات في القرآن

خزعبلات قرآنية: قِصَّةُ سُلَيمان مَعَ الهُدهُد

منسأة سليمان الخشبية ودابة الارض الشقية

بلقيس ملكة سبأ بنت الجنية والنورة الإلهية (للكبار فقط + 18)

اعلن وفاة دين الإسلام

نبي الرحمة لم يرحم حتى نساءه

بإعتراف القرآن .. المسيح هو إله السماء الارض

“يوسف وهبي” حاول تجسيد “النبي محمد” فهدده الملك فؤاد بسحب جنسيته

“يوسف وهبي” حاول تجسيد “النبي محمد” فهدده الملك فؤاد بسحب جنسيته

 

حياة الفنان الكبير "يوسف وهبي" عميد المسرح العربي، مليئة بالمواقف لكن أشهرها ما جرى في عام 1926حيث حاول الفنان يوسف وهبي أن يجسد شخصية الرسول صلي الله عليه وسلم  من خلال فيلم بالتعاون مع المخرج السوري دواد عرفي ، وفتح هذا المشروع النيران عليه ، واجه كثير من الانتقادات من قبل علماء الأزهر ورجال الدين الذين رفضوا بشدة أن تظهر الشخصيات المقدسة مثل الأنبياء والصحابة في الأعمال المصورة والتي يصعب بالتاكيد المجيء باشخاص يقتربون في الشكل والمقومات وأيضا في السلوكيات. 

 

حاول يوسف وهبي الخروج من هذا المأزق الذي أضر به وبأعماله وانتاجه السنيمائي لفترة طويلة، حيث كادت هذه المشكلة أن تقضي على تاريخه الفني ، وأخذ يبرر ويعدد الأسباب التي جعلته يقدم علي هذه الفكرة ، مشيراً إلى أنه كان يريد من خلال تقديم هذا الفيلم بكل صدق وشفافية أن يظهر للغرب الدين الإسلامي في صورته الصحيحة.

 

وأضاف أنه إذا لم يقم بهذا العمل فسيقوم به ممثل أجنبي آخر لا يفهم الإسلام مما يسيء للدين.

 

اشتد الجدل كثيراً حول هذا الأمر مما جعل الملك فؤاد يتدخل مهددا يوسف وهبي بسحب جنسيته ، فعدل يوسف وهبي عن الفكرة. 

 

أكذوبة الوحي ومرض النبي محمد النفسي

محاولة إنتحار رسول الإسلام بين الأزهر والبخاري

القرآن لم يظهر في مكة | حقائق صادمة تكشفها مخطوطة قرآن باريس

 

من ألف القرآن ؟ 6 خيوط تقود لمؤلفي القرآن وبلادهم

 

حقائق غريبة : الرسول محمد بقي مجهولا 200 عام بعد موته. لا أحد كتب عنه.

هل الرسول محمد حقيقة تاريخية أو خرافة ؟

شهادة النقود والمخطوطات والاثار

المـــــــــــــــــزيد:

تشخيص مرض محمد رسول الإسلام: “صرع الفص الصدغي

بحيرى الراهب المشلوح هو الأب الحقيقي لمحمد ابن أمنه

أنتحار يعفور حفيد حمير الانبياء

هل محمد هو الإله القرآني؟

المُسلم شِيزوفرَينك بالضرورة

رسالة محمد ابن أمنة من الجحيم

النبي الكذاب يمجد نفسه بدلاً من الله

كذبة ابريل وتقية البهاليل

التقية الإسلامية "النفاق الشرعي" ..

القول المنحول فى عفة لسان الرسول

مُحاكَمَة صَلعَم مُدَّعِي النَبُوة.. مَطلَبٌ وَنَصرٌ للإنسانِية

للكبار فقط (+ 18): هل كان الرسول محمد (ص) شاذاً لوطي ؟

الخليفة عمر ابن الخطاب يقر ويعترف بأنه لوطي وشاذ جنسياً

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

للكبار فقط (+18) : رهط من الصعاليك العراة ينتهكون عرض النبي محمد (ص) ويركبونه حتى الصباح

محمد يأتيه الوحي وهو فى ثوب عائشة

الشَّبَقُ الْجِنْسِيُّ عِنْدَ قَثْم بْن عَبْدِ اللَّات المكني بمحمد ابن أمنه

أخلاق إسلامية (1): وإن زني وإن سرق

أخلاق إسلامية (2) : لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله

أخلاق إسلامية (3) : ينكح بلا قانون ويقتل بلا شريعة

أخلاق إسلامية (4): أصول السباب الجنسي

أخلاق إسلامية (5): اغتيال براءة الأطفال

أخلاق إسلامية (6) : استعارة فروج النساء

شذوذ النبي محمد (ص) مع زاهر بن حرام (ر)

أكذوبة الاعتدال الإسلامي

هل كان جبريل هو دحية الكلبي ؟

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الكَذِبُ

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الزِنـَـــا

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الشُذوذِ

ابن القيم الجوزية - رَسُولُ الدَعَارَةِ

قرآن رابسو.. سورة الفاشية

قرآن رابسو.. سورة الجنة