Arabic English French Persian

فروقات المصاحف - 2

فروقات المصاحف - 2

nabil fayadمصحف أبيّ بن كعب: ( مات عام 29 أو 34) !

نبيل فياض

كما أشرنا في النص المتعلّق بمصحف عبد الله بن مسعود، فقد انطلقنا في هذه الدراسات الواسعة من مفاتيح أخذناها من كتاب آرثر جفري، "موادّ من أجل التاريخ النصي للقرآن"، ثم أضفنا من بحثنا الذاتي ما يمكن أن يغني نص جفري الذي لا يتجاوز هنا أكثر من صفحتين. لا نحاول التشكيك بإلوهية القرآن أو صدقيته كما قد يعتقد بعضهم، بل نلتمس تأسيس "نقديّة نصيّة قرآنيّة"، مثلما هو تأسّست منذ زمن طويل "نقديّة كتابيّة" (من الكتاب المقّدس)، بكلّ فروعها. بقي أن نشير إلى أنّ الفقرات القليلة المستلّة ترجمة من نص جفري توضع بين أقواس مستطيلة مع كلمة جفري في نهاية الفقرة، توخيّاً للأمانة؛ وإلى أننا في بحثنا هذا نحاول فقط حشد كمّ كبير من الشواهد التي تؤيّد ما نعتقد بصحته، دون تدخّل من قبلنا إلا ما ندر، تاركين لغيرنا مهمّة سبر النصوص حتى الأعماق.

من هو أبيّ وما هي مكانته عند الجماعة الإسلاميّة الأولى:

(كان أبيّ بن كعب أحد الأنصار الذي عمل حاجباً للنبي بعد قدوم الأخير إلى المدينة (من المراجع التي تقدّم لنا سيرته الحياتيّة: النووي، 140، 141؛ طبقات ابن الجزري، رقم 131؛ ابن سعد، 3، 2، 59-62؛ أسد الغابة، 1، 49،50؛ إصابة ابن حجر، 1، 30-32؛ تهذيب التهذيب 1، 187، 188). يقال إنه واحد ممن كتبوا المعاهدة مع أهل القدس (ابن كثير 322:2). كان واحداً ممن تخصصوا في جمع مواد الوحي ويقال إنه واحد من أربعة نصح محمد أمّته بالرجوع إليهم من أجل الإرشاد في القضايا القرآنيّة. وبمعنى ما كانت مرجعيته في القضايا القرآنيّة أكبر من مرجعيّة ابن مسعود. فقد عرف بسيّد القرّاء، ويقال إن النبي ذاته قال عنه أقرأ أمّتي، وقد أمره الله بأن يصغي إلى أبيّ يتلو عليه أجزاء من الوحي، وهو ما يعني أن أبيّ كان خزاناً لموادّ بعينها ذات طبيعة تشريعيّة كان النبي يطلب منه تلاوتها على مسامعه بين الفينة والأخرى) جفري.

" أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وهو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري المعاوي؛ وبنو معاوية بن عمرو يعرفون ببني جديلة، وهى أمهم يلبسون إليها؛ وهي جديلة بنت مالك بن زيد الله بن حبيب بن عبد حارثه بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج؛ وأبوهم معاوية بن عمرو وهي أم معاوية بن عمرو وأمه صهيلة بن النجار وهي عمة أبي طلحة الأنصاري. يكنى أبيّ بن كعب أبا الطفيل بابنه وأبا المنذر… عن أبيّ موسى الأشعري؛ قال: جاء أبيّ بن كعب إلى عمر (رض) ؛ فقال: يا ابن الخطاب! فقال له عمر: يا أبا الطفيل… عن أبيّ بن كعب؛ قال: قال لي رسول الله (ص) : "يا أبا المنذر أي آية معك في كتاب الله عزّ وجلّ أعظم؟" فقلت: الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم. قال فضرب صدري وقال: "ليهنئك العلم أبا المنذر". … قال أبو عمر: شهد أبيّ بن كعب العقبة الثانية وبايع النبي (ص) فيها ثم شهد بدراً؛ وكان أحد فقهاء وأقرأهم لكتاب الله! روي عن النبي (ص) أنه قال: "أقرأ أمّتي أبيّ". وروي عنه (ص) أنه قال له: "أمرت أن أقرأ عليك القرآن أو أعرض عليك القرآن".

… عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله (ص): "أمرت أن أقرأ عليك القرآن". قال: قلت: يا رسول الله سمّاني لك ربّك؟ قال: "نعم"! فقرأ علي: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون".

عن أنس أن النبي (ص) دعا أبيّاً؛ فقال: "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن عليك! قال: الله سمّاني لك؟ قال: نعم! فجعل أبيّ يبكي؛ قال أنس : ونبئت أنه قرأ عليه: "لم يكن الذين كفروا". البينة: 1… سمعت أبا حية الأنصاري البدري؛ قال: لما نزلت: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب"( البينة: 1) إلى آخرها؛ قال جبريل للنبي (ص) : إنّ ربك يأمرك أن تقرئها أبيّاً. فقال النبي (ص) لأبيّ: "إن جبريل (ع) أمرني أن أقرئك هذه السورة". قال: أبيّ أو ذكرت ثمّ يا رسول الله؟ قال: نعم! فبكى أبيّ.

( يروى) أن رسول الله (ص) قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر؛ أقواهم في دين الله عمر؛ وأصدقهم حياء عثمان؛ أقضاهم علي بن أبي طالب؛ وأقرأهم أبيّ بن كعب "… وروينا عن ابن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا عليّ وأقرؤنا أبيّ وإنا لنترك أشياء من قراءة أبيّ… وكان أبيّ بن كعب ممن كتب لرسول الله (ص) الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضاً؛ وكان زيد ألزم الصحابة لكتابه الوحي؛ وكان يكتب كثيراً من الرسائل! وذكر محمد بن سعد عن الواقدي عن أشياخه؛ قال: أوّل من كتب لرسول الله (ص) الوحي مقدمه المدينة – أبيّ بن كعب؛ وهو أول من كتب في آخر الكتاب…وكان أبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله (ص) زيد بن ثابت فيكتب؛ وكان أبيّ وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يديه (ص)، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك". ( الاستيعاب لابن عبد البر 21 22).

وقال عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله (ص)؛ يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة". (تاريخ الإسلام للذهبي 432).

وعن أنس عن النبي: "أرحَمُ أمّتي بأمّتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب…وقال الشعبي: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنتين: الفرائض والقرآن، وكان زيد يكتب الكتابين جميعاً: العربيّة والعبرانيّة". ( الوافي بالوفيات للصفدي 2000).

" المشهور بقراءة القرآن من الصحابة سبعة: عثمان، وعلي، وأبيّ، وزيد بن ثابت، وابن مسعود وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري كذا ذكرهم الذهبي في طبقات القراء، قال: وقد قرأ على أبيّ جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عباس، وعبد الله بن السائب" (شمس الدين الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، 699). " أبيّ قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليال يعني القرآن. قد ذكرت أخبار أبيّ بن كعب في طبقات القراء وأن ابن عباس وأبا العالية وعبد الله بن السائب قرؤوا عليه وأن عبد الله بن عياش المخزومي قرأ عليه أيضاً وكان عمر يجل أبيّاً ويتأدب معه ويتحاكم إليه. .. قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنس دينك" . ( سير أعلام النبلاء للذهبي 86 ).

قال أحدهم:" رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم؛ فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقال بعضهم: … قد مات اليوم سيد المسلمين أبيّ بن كعب. عمر… قال: هذا سيد المسلمين أبيّ بن كعب.

قال محمد بن عمر الواقدي: تدل أحاديث على وفاة أبيّ بن كعب في خلافة عمر؛ ورأيت أهله وغيرهم يقولون: مات في سنة اثنتين وعشرين بالمدينة؛ وأن عمر، قال: اليوم مات سيد المسلمين…قال: وقد سمعنا من يقول مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين! قال: وهو أثبت الأقاويل عندنا، وذلك أن عثمان أمره أن يجمع القرآن. عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت في جمع القرآن. قلت هذا إسناد قوي لكنه مرسل وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أبيّاً ولو كان كذلك لاشتهر ولكان الذكر لأبيّ لا لزيد والظاهر وفاة أبيّ في زمن عمر حتى إن الهيثم بن عدي وغيره ذكرا موته سنة تسع عشرة. وقال محمد بن عبد الله بن نمير وأبو عبيد وأبو عمر الضرير: مات سنة اثنتين وعشرين؛ فالنفس إلى هذا أميل؛ وأما خليفة بن خياط وأبو حفص الفلاس فقالا: مات في خلافة عثمان وقال خليفة مرة مات سنة اثنتين وثلاثين". ( سير أعلام النبلاء للذهبي 86 ).

إذن: ربما يكون أبيّ أهم شخصيّة في المسائل القرآنيّة ضمن الجماعة الإسلامية الأولى، بل يبدو أهم هنا من عبد الله بن مسعود؛ لكن شهرة الأخير التي فاقت شهرة الأول مرجعها على ما يبدو استطالة العمر بابن مسعود وصراعه الدامي مع عثمان بشأن المصحف، واعتماد مصحفه من حاضرة هامة آنذاك – الكوفة.

من تاريخ المصاحف:

حدثان هامّان في تاريخ المصاحف، الأول غير معروف تماماً، والثاني أشهر من أن يعرّف: حادثة بئر معونة وموقعة اليمامة. ونبدأ بالأول. يقول الطبري في تاريخه (486)، إن النبي بعث "المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال مسلمين من خيار المسلمين…إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق". وفي نص آخر من المرجع ذاته (487): " حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله (ص) الذين أرسلهم رسول الله (ص) إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري، أربعين أو سبعين ". " واستدل القرطبي على ذلك ببعض ما تقدم من أنه قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (ص) ببئر معونة مثل هذا العدد " ( فتح الباري، البخاري، فضائل القرآن، القراء من أصحاب النبي).

" وفي الصحيح في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء وكانوا سبعين رجلاً. روى البخاري أيضاً عن قتادة؛ قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) ؟ فقال أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد… وقال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (ص) ببئر معونة مثل هذا العدد … المراد أن أحداً لم يفصح بأنه جمعه (القرآن) بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله (ص) حين نزلت آخر آية ". (الإتقان 83) .

وفي مراجع أخرى (صحيح البخاري 5/136 ـ 137 باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة و 4/22 و26 باب فضل الجهاد والسير ، مسند أحمد 3/109)، نقرأ: " عن أنس بن مالك (رض )، قال: دعا النبي (ص) على الذين قتلوا ـ يعني أصحابه ببئر معونة ـ ثلاثين صباحاً حين يدعو على رعل ولحيان وعصيّة عصت الله ورسوله (ص)، قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيّه (ص) في الذين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا فقد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ".

وفي نص بارز آخر (مسند أحمد 3/111 ، 255)؛ نقرأ: " عن أنس؛ قال: ما وجد رسول الله (ص) على سرية ما وجد عليهم ، كانوا يسمّون القراء، قال سفيان: نزل فيهم: بلغوا عنا أنا قد رضينا ورضي عنا ، قيل لسفيان: فيمن نزلت؟ قال: في أهل بئر معونة". في إتقان السيوطي (258 )؛ نقرأ: "مسلمة بن مخلد الأنصاري؛ قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وفي الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعو على قاتليهم! قال أنس: ونزّل فيهم قرآناً". وفي تاريخ الطبري، 487، نجد: "قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله عز وجل أنزل فيهم قرآناً: " بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه "، ثم نسخت، فرفعت بعد ما قرأناه زماناً، وأنزل الله عز وجل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين ""؛ ويكمل المرجع ذاته، 488، " قال أنس: فكنا نقرأ فيما نسخ: " بلغوا عنا إخواننا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه "".

إذن: في حادثة بئر معونة حيث أرسل النبي مجموعة من أتباعه لنشر الدين الجديد بين ثلة من القبائل العربيّة وتم قتل معظمهم؛ نستشف أمرين هامّين: أن مجموعة بارزة من قرّاء المصاحف قتلت في حادث أليم؛ وأن آيات من القرآن استبدلت بآيات أخرى. وربما يكون السبب في نسخ هذه الآيات موت حافظيها، خاصة وأن نصوصاً كثيرة مستلة من التراث الإسلامي توحي بأن ذاكرة النبي لم تكن قويّة في حفظ ما "يوحى" إليه من آيات.

ننتقل الآن إلى الحدث الثاني الهامّ هنا: موقعة اليمامة. كان خالد بن الوليد يحارب المرتدين في اليمامة من أتباع مسيلمة. واليمامة موطن بني حنيفة في وسط شبه جزيرة العرب. بلغ عدد جيوش مسيلمة 40.0000 مقاتل. ولم يلق المسلمون حربا مثلها قطّ. ‏ "والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة … وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر؛ وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين" (‏فتح الباري بشرح صحيح البخاري). " أرسل إلي ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏مقتل ‏أهل ‏ ‏اليمامة ‏ ‏فإذا ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏‏عنده؛ قال‏ ‏أبو بكر (رض) ‏إن ‏ ‏عمر ‏‏أتاني؛ فقال: إن القتل قد ‏استحر ‏يوم ‏‏اليمامة ‏‏بقراء القرآن وإني أخشى أن ‏‏يستحر ‏القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن؛ (في كامل ابن الأثير؛ نقرأ: وفي هذه السنة بعد وقعة اليمامة أمر أبو بكر بجمع القرآن لما رأى من كثرة من قتل من الصحابة لئلا يذهب القرآن. 375)؛

( وفي نص آخر: "وفي رواية سفيان" وأنا أخشى أن لا يلقى المسلمون زحفا آخر إلا استحر القتل بأهل القرآن"؛ وفي رواية شعيب "قبل أن يقتل الباقون" وهذا يدل على أن كثيرا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن"؛ ووقع من تسمية القراء الذين أراد عمر في رواية سفيان بن عيينة المذكورة قتل سالم مولى أبي حذيفة ولفظه "فلما قتل سالم مولى أبي حذيفة خشي عمر أن يذهب القرآن، فجاء إلى أبي بكر "وسيأتي أن سالما أحد من أمر النبي (ص) بأخذ القرآن عنه"؛ (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)؛ وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن! قلت ‏ ‏لعمر: ‏كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ‏(‏ص)؟ (في نص ابن حجر، السابق: "فنفر منها أبو بكر؛ وقال : أفعل ما لم يفعل رسول الله (ص)؟ وقال الخطابي وغيره : يحتمل أن يكون (ص) إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته (ص) ألهم الله ( !!! ) الخلفاء الراشدين ذلك"). ‏قال ‏عمر: ‏هذا والله خير! فلم يزل عمر ‏يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى ‏عمر! (في نص هام لابن حجر، السابق؛ يقال: أن عمر سأل عن آية من كتاب الله؛ فقيل : كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال : إنا لله ، وأمر بجمع القرآن ، فكان أول من جمعه في المصحف") ‏قال ‏زيد: ‏ ‏قال ‏أبو بكر: ‏إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك؛ وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ‏(‏ص)؛ ‏ ‏فتتبع القرآن فاجمعه! فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن! … ‏ ‏فتتبعت القرآن أجمعه ( نص ابن حجر، السابق: " قوله "فتتبعت القرآن أجمعه"؛ ‏أي من الأشياء التي عندي وعند غيري ) من ‏ ‏العسب ‏ ‏واللخاف ‏وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة " ( صحيح البخاري، الأحكام، يستحب للكاتب أن يكون أميناً عاقلاً ). " …أرسل إلي ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ‏ ‏أبي خزيمة الأنصاري ‏ ‏لم أجدها مع أحد غيره " ( البخاري، التوحيد، وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم ). " وقصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب (زيد بن ثابت؛ قال: فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله (ص) يقرأها:" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛ فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو ابن خزيمة، فألحقتها في سورتها ( كنز العمال للمتقي الهندي، 288) " (‏فتح الباري بشرح صحيح البخاري). وفي نص ابن حجر: "وقد كان النبي (ص) أذن في كتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوباً، ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر سورة براءة حتى وجدها مكتوبة ("أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة؛ فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله (ص) ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما؛ ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم … قلت: يعارضه ما أخرجه ابن أبي داود من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة – ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون – ظنوا أن هذا آخر ما أنزل" ( إتقان السيوطي 71 ))؛ ( " وقال يحيى بن جعدة: كان عمر بن الخطاب (رض) لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان؛ فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم"؛ فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة كذلك كان النبي (ص) فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ثابت وإنما أثبتهما عمر (رض) بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي (ص) فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" (الأحزاب: 23) فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي (ص) (القرطبي، تفسير، 1692))، مع أنه كان يستحضرها هو ومن ذكر معه … وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي (ص) لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور."

من النصوص السابقة التي تنضح بالتناقض كالعادة، نستل الشواهد التالية، لإلقاء بعض الضوء على أمور بعينها: "في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء وكانوا سبعين رجلاً؛ قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (ص) ببئر معونة مثل هذا العدد"؛ "وإني أخشى أن ‏ ‏يستحر ‏ ‏القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن"؛ "أن عمر سأل عن آية من كتاب الله؛ فقيل : كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة ، فقال : إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في المصحف"؛ "زيد بن ثابت؛ قال: فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله (ص) يقرؤها:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛ فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو ابن خزيمة، فألحقتها في سورتها"؛ "وجدت آخر سورة التوبة مع ‏ ‏أبي خزيمة الأنصاري ‏ ‏لم أجدها مع أحد غيره": هذا يعني أن عدداً كبيراً جداً من القرّاء افتقد زمن النبي، بئر معونة، وزمن أبي بكر، اليمامة. – فهل كان بين هؤلاء القتلى من يحفظ سوراً أو آيات بعينها ذهبت معه بموته، خاصة وأن آية بعينها لم توجد إلا مع رجل بعينه، كمثل قصة أبي خزيمة الأنصاري المذكورة آنفاً؟

ننتقل الآن إلى شواهد أخرى مرتبطة بما سبق: "أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة؛ فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله (ص) ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما! ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم"؛ "كان عمر بن الخطاب (رض) لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان؛ فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم"؛ فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة كذلك كان النبي (ص) فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ثابت وإنما أثبتهما عمر (رض) بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي (ص) فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" (الأحزاب: 23) فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي (ص) ": فما حدود دور عمر في النص القرآني وترتيبه؛ وما حكم من كان عنده آية لم يسمعها غيره؟

2في شواهد أخرى نجد التناقض سيّد الموقف: ففي حين ينكر أبو بكر على عمر مسألة جمع القرآن، محتجاً بالقول: " قلت ‏ ‏لعمر: ‏كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ‏ (‏ص)؟"؛ يصادفنا نص آخر مفاده: " كان النبي (ص) أذن في كتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره "؛ ثم نجد في نص ثالث ما يؤكّد على أن النبي لم يدوّن خشية النسخ: " يحتمل أن يكون (ص) إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته (ص) ألهم الله ( !!! ) الخلفاء الراشدين ذلك "؛ وهذا يوصلنا إلى الرأي القائل: " المراد أن أحداً لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله (ص) حين نزلت آخر آية ".

لكن كم كان عدد الآيات التي نُسخت نصّاً، إذا كنّا نعلم إن كثيراً منها نُسخت حكماً؟ الشواهد لا تحصى حول نسخ الآيات نصّاً، مع أننا لا نمتلك سبباً مقبولاً للنسخ النصي غير مقاربة عقلانيّة تقول، إن ما نسخ نصّاً كان موجوداً إما عند صحابيّ من الجماعة الأولى مات على نحو مباغت وبقي نصه عند بعض سامعيه من غير أهل الثقة، أو أن النص لم يقبل به محرّر القرآن الأول، عمر بن الخطاب، لسبب أو لآخر. من الشواهد السابقة، نستل التالي: " قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيّه (ص) في الذين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا فقد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"؛ "أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه ".

هل القرآن ناقص؟

يستحيل عموماً تلمّس الخطوات الأولى في صيرورة كتابة النص القرآني. في (جمهرة أنساب العرب لابن حزم، 146)، نجد نصّاً هامّاً حول صحابيّ غير معروف هو " قيس بن زعوراء …بدري، قتل يوم الجسر، وهو الذي جمع القرآن كله على عهد رسول الله". ويؤكّد شمس الدين الشامي (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، 699) المعلومة السابقة، إذ يقول: "الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن؛ وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبا، ونحن ورثناه"… قال ابن أبي داود: ومات قريبا من وفاة رسول الله (ص) فذهب علمه ولم يؤخذ عنه". فأين ذهب قرآن الرجل، ولماذا ذهب علمه ولم يؤخذ به، وهو المعاصر للنبي، وأول من قيل إنه جمع القرآن؟

قبل أن ننتقل إلى شواهد من أمهات الكتب الإسلامية التي تؤكّد نقص القرآن، نجد من المفيد التوقف عند بعض آراء للقرطبي في شرحه لسورة براءة، واحدة من أكثر السور إثارة للمشاكل في تاريخ النص القرآني: " واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة: (الأول): أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي (ص) والمشركين بعث بها النبي (ص) عليا بن أبي طالب (رض) فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة.

(وقول ثان): … ابن عباس: قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى (الأنفال) وهي من المثاني وإلى (براءة) وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إن رسول الله (ص) كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: "ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا". وتنزل عليه الآيات فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". وكانت (الأنفال) من أوائل ما أنزل، و(براءة) من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله (ص) ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال: هدا حديث حسن.

(وقول ثالث): إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. وروي ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة (براءة) كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. وقال سعيد بن جبير: كانت مثل سورة البقرة.

(وقول رابع): لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله (ص)؛ فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة. وقال بعضهم: هما سورتان. فتركت بينهما فرجة لقول من قال أنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة! فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف.

(وقول خامس) … وفي قول عثمان: قبض رسول الله (ص) ولم يبين لنا أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن براءة وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي (ص) لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك. وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله (ص) حي. قال ابن العربي: هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ورأوا أن قصة (براءة) شبيهة بقصة (الأنفال) فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام؟" ( تفسير القرطبي، 576).

ونضيف هنا عن "محمد بن سيرين؛ قال: جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار منهم أبيّ بن كعب، وأرسل إلى الرقعة التي في بيت عمر، قال فحدثني كثير بن أفلح وكان ممن يكتب؛ قال : فكانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه " (ابن حجر )!

النص السابق الهام يعني ضمن أشياء كثيرة أن الشكل الأخير للقرآن كان أمراً بشريّاً لا علاقة لله به؛ فالنبي رحل قبل "تبيينه ذلك"، والصحابة "اختلفوا" في الأنفال، فتم التوصل إلى تسوية بين الطرفين المتنازعين: "تركت بينهما فرجة". من هذه الأدلة البينة على بشرية الشكل النهائي للقرآن، يمكن أن ننطلق إلى بعض شواهد عامة حول نقص كتاب المسلمين المقدّس، قبل أن ننتهي إلى أبيّ بن كعب ومصحفه. وكان الألوسي في "روح المعاني" (25:1) اعترف بأن كتب أهل السنة وصحاحهم تتضمن روايات كثيرة تنسب النقص والتحريف إلى القرآن الكريم؛ ويقول "أُسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته" (السابق)! هذا ما يؤكّده الرافعي؛ حين يقول: "فذهب جماعة من أهل الكلام… إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء" (إعجاز القرآن : 41)

من الأمثلة الشهيرة على نقص القرآن ما ورد في (الإتقان في علوم القرآن 82:3 ، الدر المنثور 180:5 ): "قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم نجد فيما أُنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة؟ فانا لم نجدها، قال: أُسقط فيما أُسقط من القرآن". راجع: (تاريخ المدينة المنورة لابن شبة 202 ).

في "إتقان السيوطي" (285)؛ ينقل عن عائشة قولها: "كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن". راجع أيضاً: ( كنز العمال 2: 568 ـ 594).

وفي الإتقان أيضاً، 285، يقال: "لقد أقرأنا رسول الله (ص) آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة… عن حميدة بنت أبي يونس قالت: قرأ على أبيّ وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف ".

يقول السيوطي في "الدر المنثور" ( 4: 120 – 121 ): " عن حذيفة، قال: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه، ولا تقرؤون مما كنا نقرأ إلاّ ربعها. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة (رض)؛ قال: ما تقرؤون ثلثها، يعني سورة التوبة".

عن مجمل نصوص أسقطت من القرآن، يقول السيوطي في الإتقان 258: "عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب…

قال عمر: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم. ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال: نعم ".

شيء مشابه ينقله صحيح مسلم ( 726، 1050 ) عن أبي موسى الأشعري: " إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فنسيتها غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه إلاّ التراب! وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبّحات أولها: سبح لله ما في السماوات، فأنسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ". ( راجع أيضاً العسقلاني في فتح الباري؛ إتقان السيوطي 285 ).

عن حفصة وغيرها ينقل رافع نصاً شهيراً حيث "حدث أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي (ص)؛ قال: فاستكتبتني حفصة مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله (ص)! قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فيها؛ فقالت: اكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا الله قانتين" (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 114 ).

لا شكّ أن الأحاديث تتواتر في مسألة نقص القرآن. وهنا تتفق الآراء حول أن عمر بن الخطّاب وعائشة بنت أبي بكر كانا أبرز من شدّد على مسألة نقص القرآن: ارتبط اسم الأول بآيات الرجم، والثانية برضاع الكبير. قد لا يخلو "رضاع الكبير" من تناقض آراء بين اللاهوتيين المسلمين؛ لكن الرجم الذي تحدّث عنه عمر تتفق فيه الآراء عموماً.

نبدأ بالبخاري؛ الذي تحدّث في "الحدود، الاعتراف بالزنا"، عن ابن عبّاس؛ "قال: قال ‏عمر: ‏لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله؛‏ ‏ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو ‏ ‏الاعتراف". ـ "عن عمر بن الخطاب: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ثم إنا كنا نقرأ ـ فيما نقرأ من كتاب الله ـ أن لا ترغبوا عن آبائكم….فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت عليه البينة. وعن سعيد بن المسيب ـ وهو من أكابر التابعين ـ عن عمر قوله: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ( ص) ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فإنا قد قرأناها".(صحيح البخاري 8/208 كتاب المحاربين من أهل الردة ـ باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ، صحيح مسلم 3/1317 ، مسند أحمد 1/40 و55 ، الموطأ 2/824 : 10 ، مسند أحمد 1/36 و43 ، الإتقان في علوم القرآن 1/206 و2/42 و3/83 وقال : إن الله بعث محمداً).

في سنن الترمذي، الحدود عن رسول الله، ما جاء في تحقيق الرجم؛ يقال في الشأن ذاته: " ‏عن ‏ ‏ابن عباس‏ ‏عن ‏‏عمر بن الخطاب؛ ‏ ‏قال: ‏إن الله بعث ‏محمدا ‏‏(ص) ‏بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم؛ فرجم رسول الله ‏‏(ص) ‏ورجمنا بعده؛ وإني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله! ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا ‏ ‏أحصن ‏ ‏وقامت ‏ ‏البينة ‏ ‏أو كان حبل أو اعتراف".

في مسند أحمد، مسند الأنصار رضي الله عنهم، حديث زيد بن ثابت عن النبي (ص)؛ يقال: "كان ‏ ‏ابن العاص ‏ ‏وزيد بن ثابت ‏ ‏يكتبان المصاحف، فمروا على هذه الآية؛ فقال ‏ ‏زيد: ‏ ‏سمعت رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏يقول: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ‏ ‏البتة! ‏‏فقال ‏‏عمر: ‏لما أنزلت هذه أتيت رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقلت: أكتبنيها! ‏قال ‏‏شعبة: ‏فكأنه كره ذلك؛ ‏فقال عمر: ‏ألا ‏ ‏ترى أن الشيخ إذا لم ‏ ‏يحصن ‏ ‏جلد وأن الشاب إذا زنى وقد ‏ ‏أحصن‏ رجم؟".

وفي سنن الدارمي، الحدود في حدّ المحصنين؛ يقال: "‏عن ‏زيد بن ثابت؛ ‏قال: أشهد لسمعت رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏يقول: ‏ الشيخ ‏‏ والشيخة ‏ ‏إذا زنيا فارجموهما ‏ ‏البتة".‏

في مسند أحمد، مسند الأنصار رضي الله عنهم، حديث زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب (رض)؛ نجد تفصيلاً إضافيّا: " ‏عن ‏ ‏زر؛ ‏قال: قال لي ‏ ‏أبيّ بن كعب: ‏ ‏كأين تقرأ سورة ‏ ‏الأحزاب ‏أو كأين تعدها؟ قال: قلت: له ثلاثا وسبعين آية! فقال: قط! ‏ ‏لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة ‏ ‏البقرة ‏ ‏ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ‏ ‏البتة ‏ ‏نكالا ‏ ‏من الله والله عليم حكيم".

في سنن ابن ماجه، الحدود، الرجم؛ نجد: "قال ‏ ‏عمر بن الخطاب: "لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما أجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله ألا وإن الرجم حق إذا ‏ ‏أحصن ‏‏الرجل وقامت‏ ‏البينة‏ ‏أو كان حمل أو اعتراف وقد قرأتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ‏‏البتة ‏‏رجم رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ورجمنا بعده".

في سنن أبي داود، الحدود، في الرجم، نجد نصّاً شبه مطابق للسابق: "عن ‏ ‏عبد الله بن عباس ‏ ‏أن ‏ ‏عمر يعني ابن الخطاب‏ ‏رضي الله عنه ‏‏خطب؛ فقال: ‏إن الله بعث ‏محمدا‏ ‏(ص) ‏‏بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم؛ فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ‏(ص) ، ‏ورجمنا من بعده؛ ‏وإني خشيت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى: فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان ‏ ‏محصنا ‏ ‏إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف–وايم الله لولا أن يقول الناس زاد ‏‏عمر ‏‏في كتاب الله عز وجل لكتبتها".‏

في مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، باقي المسند السابق؛ نجد للمرّة الأولى ربطاً بين آية الرجم وآية رضاع الكبير عشراً؛ والحديث ينسب هنا إلى عائشة: "عن ‏‏عائشة زوج النبي‏ ‏(ص) ؛ ‏قالت: لقد ‏ ‏أنزلت آية الرجم ورضعات الكبير عشرا فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي فلما اشتكى رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏تشاغلنا بأمره ودخلت ‏ ‏دويبة ‏ ‏لنا فأكلتها". ‏

عن عائشة؛ قالت: " كان فيما أنزل الله من القرآن ثم سقط: لا يحرم إلاّ عشر رضعات أو خمس معلومات " (سنن ابن ماجه 1/625). وفي سنن أبي داوود، النكاح، هل ما يحرم ما دون خمس رضعات؛ يقال: "‏عن ‏ ‏عائشة؛ ‏‏أنها قالت: ‏كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن‏ ‏عشر رضعات يحرمن ثم ‏نسخن ‏‏بخمس معلومات يحرمن؛ فتوفي النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏وهن مما يقرأ من القرآن"؛ ‏ وفي سنن الترمذي، الرضاع، ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان؛ تطالعنا تفاصيل أخرى هامة حول هذا النوع من الرضاع: "وقالت عائشة: ‏أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله ‏(ص) ‏ ‏والأمر على ذلك! حدثنا ‏ ‏بذلك ‏ ‏إسحق بن موسى الأنصاري: ‏حدثنا ‏ ‏معن ‏ ‏حدثنا ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن أبي بكر ‏ ‏عن ‏ ‏عمرة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏بهذا؛ ‏وبهذا كانت ‏ ‏عائشة ‏ ‏تفتي وبعض أزواج النبي ‏ ‏(ص) ؛ ‏وهو قول ‏ ‏الشافعي ‏ ‏وإسحق! ‏وقال ‏ ‏أحمد ‏ ‏بحديث النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏لا تحرم المصة ولا المصتان!‏ ‏وقال: إن ذهب ذاهب إلى قول ‏ ‏عائشة ‏ ‏في خمس رضعات فهو مذهب قوي وجبن عنه أن يقول فيه شيئا!‏ ‏وقال ‏ ‏بعض أهل العلم من ‏ ‏أصحاب النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏وغيرهم: يحرم قليل الرضاع وكثيره إذا وصل إلى الجوف! وهو قول ‏ ‏سفيان الثوري ‏ ‏ومالك بن أنس ‏ ‏والأوزاعي ‏ ‏وعبد الله بن المبارك ‏ ‏ووكيع". ‏ في صحيح مسلم، الرضاع التحريم بخمس رضعات؛ نجد الكلام ذاته: "عن عائشة أنها قالت: ‏كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏وهن فيما يقرأ من القرآن".

وفي سنن ابن ماجه، النكاح، رضاع الكبير: "عن ‏‏عائشة؛ ‏قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏وتشاغلنا بموته دخل ‏ ‏داجن ‏ ‏فأكلها".

في سنن أبي داود، النكاح، فيمن حرم به؛ يقال في تفسير إحدى الآيات: "ادعوهم لآبائهم إلى قوله فأخوانكم في الدين ومواليكم؛ ‏فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين فجاءت ‏سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، ‏ ‏وهي امرأة ‏ ‏أبي حذيفة؛ ‏ ‏فقالت: يا رسول الله! إنا كنا نرى ‏ ‏سالما ‏ ‏ولدا وكان يأوي معي ومع ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏في بيت واحد ‏ ‏ويراني ‏ ‏فضلا؛ ‏ ‏وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما قد علمت، فكيف ‏ ‏ترى فيه؟ فقال لها النبي ‏(ص) : ‏أرضعيه!! فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة؛ فبذلك كانت ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت ‏ ‏عائشة ‏ ‏أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها؛ وأبت ‏ ‏أم سلمة ‏ ‏وسائر أزواج النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد؛ وقلن ‏ ‏لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏لسالم ‏ ‏دون الناس ".

نص مشابه إلى حدّ ما يصادفنا في موطأ مالك، الرضاع، ما جاء في الرضاعة بعد الكبر: " حدثني ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏أنه سئل عن رضاعة الكبير؛ ‏فقال أخبرني عروة بن الزبير أن ‏ ‏أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة؛ ‏وكان من ‏ ‏أصحاب رسول الله ‏ ‏(ص)، ‏وكان قد شهد ‏ ‏بدرا، ‏وكان تبنى ‏ ‏سالما ‏ ‏الذي يقال له ‏ ‏سالم ‏ ‏مولى ‏ ‏أبي حذيفة، ‏كما تبنى رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏زيد بن حارثة، ‏ ‏وأنكح ‏ ‏أبو حذيفة ‏ ‏سالما ‏وهو يرى أنه ابنه؛ أنكحه بنت أخيه ‏ ‏فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة،‏ ‏وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي من أفضل ‏أيامى ‏‏قريش؛ ‏ ‏فلما أنزل الله تعالى في كتابه في ‏ ‏زيد بن حارثة ‏ ‏ما أنزل؛ فقال: رد كل واحد من أولئك إلى أبيه فإن لم يعلم أبوه رد إلى ‏ ‏مولاه! ‏ ‏فجاءت ‏سهلة بنت سهيل، ‏وهي امرأة ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏وهي من ‏ ‏بني عامر بن لؤي ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقالت: يا رسول الله كنا نرى ‏ ‏سالما ‏ ‏ولدا وكان يدخل علي وأنا ‏ ‏فضل؛ ‏وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ‏ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله ‏ ‏(ص) : ‏ أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها! وكانت تراه ابنا من الرضاعة! فأخذت بذلك ‏ ‏عائشة أم المؤمنين ‏ ‏فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها ‏ ‏أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلا رخصة من رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏في رضاعة ‏ ‏سالم ‏‏وحده! لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد! فعلى هذا كان أزواج النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏في رضاعة الكبير ".

هذا ما تؤكده سنن النسائي، النكاح، رضاع الكبير: "عن ‏‏عائشة؛ ‏قالت: ‏أمر النبي ‏(ص) ‏ ‏امرأة ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏أن ترضع ‏ ‏سالما ‏ ‏مولى ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏حتى تذهب غيرة ‏ ‏أبي حذيفة؛ ‏فأرضعته وهو رجل؛ ‏قال ‏ربيعة: ‏فكانت رخصة ‏ ‏لسالم". ‏

في سنن ابن ماجه، النكاح، رضاع الكبير؛ نقرأ تفصيلاً آخر: "عن عائشة؛ ‏قالت: جاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقالت :يا رسول الله! إني ‏ ‏أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏الكراهية من دخول ‏ ‏سالم ‏ ‏علي! فقال النبي ‏ ‏(ص) : أرضعيه!! قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟؟ فتبسم رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏وقال: قد علمت أنه رجل كبير! ففعلت، فأتت النبي ‏(ص) ؛ ‏فقالت: ما رأيت في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏شيئا أكرهه بعد.‏ ‏وكان شهد ‏ ‏بدرا". ‏

وفي مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة (رض)، نقرأ نصاً شبيهاً آخر: " ‏عن ‏ ‏عائشة: جاءت ‏‏سهلة بنت سهيل؛ ‏فقالت: يا رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏إني أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏شيئا من دخول ‏ ‏سالم ‏ ‏علي! فقال: أرضعيه! فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فضحك رسول الله ‏(ص) ؛ ‏‏قال :ألست أعلم أنه رجل كبير؟! ثم جاءت فقالت: ما رأيت في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏شيئا أكرهه".

في سنن النسائي، النكاح، رضاع الكبير؛ يقال: "عن عائشة؛ قالت: ‏جاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقالت: إني ‏ ‏أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏من دخول ‏ ‏سالم ‏ ‏علي! قال: فأرضعيه! قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فقال: ألست أعلم أنه رجل كبير !!ثم جاءت بعد فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏بعد شيئا أكره ".

وفي المرجع ذاته؛ ورد عن عروة؛ " قال: أبى سائر أزواج النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏أن يدخل عليهن بتلك الرضعة أحد من الناس - ‏يريد رضاعة الكبير ‏- ‏وقلن ‏ ‏لعائشة:‏ والله ما نرى الذي ‏ ‏أمر رسول الله ‏ ‏(ص) ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلا رخصة في رضاعة ‏ ‏سالم ‏ ‏وحده من رسول الله ‏ ‏(ص) ! ‏ ‏والله لا يدخل علينا أحد بهذه الرضعة ولا ‏ ‏يرانا ".

خبر سهلة بنت سهيل موجود أيضاً في صحيح مسلم، الرضاع، رضاع الكبير: " جاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلى النبي ‏(ص) ‏‏فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏من دخول ‏‏سالم ‏ ‏وهو حليفه؛ فقال النبي ‏ ‏(ص) : أرضعيه! قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله ‏(ص) ‏وقال: قد علمت أنه رجل كبير! ‏ ‏زاد ‏‏عمرو‏ ‏في حديثه: وكان قد شهد بدرا. ‏وفي رواية ‏ ‏ابن أبي عمر: ‏ ‏فضحك رسول الله ‏ ‏(ص) ".

في سنن ابن ماجه، النكاح، رضاع الكبير؛ النص مقارب للسابق: " جاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقالت: يا رسول الله! إني ‏ ‏أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏الكراهية من دخول ‏ ‏سالم ‏علي! فقال النبي ‏ ‏(ص) : ‏أرضعيه! قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله ‏ ‏(ص) ؛ ‏وقال: قد علمت أنه رجل كبير! ففعلت فأتت النبي ‏ ‏(ص) ؛ ‏فقالت: ما رأيت في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏شيئا أكرهه بعد! ‏وكان شهد ‏ ‏بدرا".

في موطأ مالك، الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر؛ نقرأ نصاً هامّاً قد يتناقض مع ما روي عن عائشة، لكن أهميته تكمن في أن الموضوع ظل محط نقاش حتى زمن متأخر: " ‏جاء رجل إلى ‏ ‏عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير؛ فقال ‏ ‏عبد الله بن عمر:‏ ‏جاء رجل إلى ‏ ‏عمر بن الخطاب؛‏ ‏فقال: إني كانت لي ‏‏وليدة‏ ‏وكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها؛ فقالت: دونك فقد والله أرضعتها !!فقال ‏‏عمر: ‏ ‏أوجعها وأت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغير ".

مصحف أبيّ بن كعب:

)ليست لدينا أية فكرة حول زمن توليف مصحفه، لكننا نعرف أنه قبل ظهور النسخة العثمانيّة المعياريّة كان مصحفه موجوداً على نحو غير واضح في سوريا. عند ابن أبي داود قصة تدور حول كيفية صنع بعض السوريين مصحفاً وجاءوا إلى المدينة لتفحصه مع أبيّ؛ ورغم أن النص المعياري كان قيد الاستعمال وقتها، لم يجرؤ أحد على دحض القراءات الخاصة التي أخذت من أبيّ. يبدو أنه لعب دوراً هامّاً في العمل الفعلي المتضمّن إخراج النسخة العثمانية القانونية في المدينة. يظهر اسمه في هذه القصص في سياقات مختلفة لكن الرواية بمجملها مشوشة إلى درجة أنها لا تمكننا من معرفة علاقته بالنص المعياري على وجه الدقة ( أحدى القصص التي تروى عن أبي العالية ( مات عام 90 ) تقول إنه جرت في خلافة أبي بكر محاولة لكتابة مصحف، وكان الكتّاب يكتبون بإملاء من أبيّ. وهذا يروى عادة بالإشارة إلى ما يدعى تحرير أبي بكر ( كتاب مصاحف ابن أبي داود، 9 )، لكن ربما أن القصة تصف أصل مصحف أبيّ ( السابق، 30 )) جفري.

يبدو أن مصحف أبيّ كان متداولاً في بلاد الشام:" فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبيّ بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق " (فتح الباري بشرح صحيح البخاري )؛ ويبدو أن مسألة المصاحف احتلت حيزاً لا بأس به من جدل العوام: " عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان يخطب الناس؛ فقال: يا أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون في القرآن، تقولون قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله! " ( كنز العمال للمتقي الهندي 289 ).

لدينا من الأدلة الشيء الكثير على أن خلافات كبيرة بين أبيّ وعمر بن الخطّاب اشتعلت بسبب بعض نصوص المصحف. ففي " سير أعلام النبلاء " للذهبي؛ نقرأ: "أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرؤوا يوماً على عمر "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية" الفتح: 26، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام؛ فقال عمر: من أقرأكم هذا؟ قالوا: أبيّ بن كعب! فدعا به؛ فلما أتى، قال: اقرؤوا! فقرؤوا كذلك! فقال أبيّ: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي؛ ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئاً ولا أقرئ أحداً حتى أموت. فقال عمر: اللهم غفراً! إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علماً فعلم الناس ما علمت " ( ص 86 ). لكن هذه اللهجة المتسامحة لا تستمر على هذا النحو في الصراع النص- قرآني بين الصحابيين: جاء في " كنز العمّال "، 568:2: " قرأ أبيّ بن كعب : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً إلاّ مَن تاب فان الله كان غفوراً رحيما، فذُكر لعمر فأتاه فسأله عنها، فقال: أخذتها من فيّ رسول الله (ص) وليس لك عمل إلا الصفق بالأسواق ". وفي نص آخر من المرجع ذاته، " وجد عمر بن الخطاب مصحفاً في حجر غلام في المسجد فيه: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم؛ فقال: احككها يا غلام! فقال: والله لا أحكها وهي في مصحف أبيّ بن كعب! فانطلقا إلى أبيّ، فقال له أبيّ: شغلني القرآن وشغلك الصفق بالأسواق إذ تعرض رداءك على عنقك بباب ابن العجماء" (1960). في " سير أعلام نبلاء " الذهبي، 86، تحدّد الآية كما يلي: " مر عمر بن الخطاب بغلام يقرأ في المصحف "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم" الأحزاب: 61، وهو أب لهم؛ فقال: يا غلام حكها! قال: هذا مصحف أبيّ! فذهب إليه فسأله؛ فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ". وفي تاريخ المدينة المنورة لابن شبة ،202 ، يقال: " مَرّ عمر(رض) بغلام معه مصحف وهو يقرأُ "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم" الأَحزاب 61، "وهو أَب لهم "؛ فقال عمر (رض): يا غلام حُكها، فقال: هذا مصحف أبيّ بن كعب، فذهب إِلى أبيّ فقال: ما هذا؟ فنادى أبيّ بأَعلى صوته: أَن كان يشغلني القرآن وكان يشغلك الصَفَق بالأَسواق!!". لكن " كنز العمال "، 284، يقدّم لنا النص مع اختلاف في الآية: " قرأ أبيّ بن كعب: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً إلا من تاب فإن الله كان غفوراً رحيماً! فذكر لعمر، فأتاه فسأله عنها؟ فقال: أخذتها من في رسول الله (ص) وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع ". ثم يقدّم لنا نصّاً آخر بالمعنى ذاته: " عن بجالة، قال: مر عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم"؛ فقال: يا غلام حكها، قال: هذا مصحف أبيّ، فذهب إليه فسأله؟ فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق " ( المرجع ذاته ).

في الصراع بين عمر وأبيّ في مسألة النص القرآني؛ يخبرنا ابن شبّة في تاريخ المدينة المنورة: " قرأَ عمر (رض): "والسَّابِقُونَ الأوَلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والَذِينَ اتبَعُوهُمْ بإِحْسَان" فقال أبيّ: "والسَابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ" (التوبة:100) فقال عمر (رض): "والسَّابقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحسَان" وقال عمر (رض): أَشهد أَن الله أَنزلها هكذا، فقال أبيّ (رض): أَشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيه الخطاب ولا ابنه " ( 202 ). وفي نص آخر من المرجع ذاته: " أَن أبيّاً قرأَ "مِنَ الَّذين اسْتَحقَّ عليهم الأَولَيان" المائدة:107، فقال عمر (رض): كذبت، فقال أبيّ: بل أَنت أكذب، فقال له رجل: أَتكَذبُ أَميرَ المؤمنين؟ فقال: أَنا أَشد تعظيمًا لأَمير المؤمنين منكم، ولكني أُكذبُه في تصديق الله ولا أُصدقه في تكذيب كتاب الله ".

رغم قول عمر بن الخطّاب، كما أشرنا، " وأَقرؤنا أبيّ "، فهو يضيف، " وِإنا لندع كثيرًا مما يقول أبيّ، وِإنه يقول: أخذته من في رسول الله (ص)، ولا أَدع شيئًا سمعته من رسول الله (ص)، والله يقول: ما ننسخْ مِن آية أو نُنْسِهَا نَأْتِ بخَير مِنْهَا" البقرة:106" (تاريخ المدينة المنورة لابن شبة 202 ). وفي نص آخر من المرجع ذاته، 203: " قال عمر(رض): أَقرؤنا أبيّ، وِإنَا لندع كثيرًا من لحن أبيّ ".

في المرجع ذاته، يرد عن ابن عبّاس أنه قال " لعمر (رض) : يا أمير المؤمنين إِن أبيّا يزعم أَنكم تركتم آيةً من كتاب اللّه لم تكتبوها. قال: أَما والله لأَسأَلن فإن أَنكر لتنْكِرَنيِّ. فلما أَصبح غدا على أبيّ، فقال له ابن عباس (رض): أبيّا تريد؟ قال: نعم، فانطلق معه فَدَخَلا على أبيّ؛ فقال: إِن هذا يزعم أنك تزعم أنا تركنا آيةً من كتاب اللّه لم نكتبها. فقال: إِني سمعتُ رسول الله (ص) يقول: "لو أَن لابن آدم ملء وادٍ ذهباً ابتغى إِليه مِثْلَه، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إِلا التراب، واللّه يتُوب على من تاب … قال عمر (رض): أَفتكتبها؟ قال: لا آمرك، قال أَفتدعها؟ قال: لا أَنهاك، قال: كان إِثباتك أَولى من رسول الله (ص)، أَم قرآن منزل؟! ".

النص المتعلّق بابن آدم الذي لا يملأ جوفه إلا التراب، واحد من أشهر النصوص التي يقال إن أبيّ ادعى سقوطها من مصحف عثمان؛ " عن زر عن أبيّ بن كعب (رض ) قال: قال لي رسول الله (ص): إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن نعتها لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته سأل ثانياً وإن أعطيته سأل ثالثاً ولا يملا جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره " (المستدرك 2/224؛ وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، كنز العمال 2/567).

في المسألة ذاتها نقرأ عن " أبيّ بن كعب أن النبي (ص) قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه لم يكن، وقرأ عليه إن ذات الدين عند الله الحنيفية لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره، وقرأ عليه لو كان لابن آدم واد لأبتغى إليه ثانياً ولو أعطي إليه ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب " ( كنز العمال للمتقي الهندي 284 ).

في إتقان السيوطي نجد شيئاً مماثلاً: " عن أبي واقد الليثي؛ قال: كان رسول الله (ص) إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا مما أوحى إليه. قال: فجئت ذات يوم؛ فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان غليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". وهو ما ينسب مباشرة لأبي بن كعب: "وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله (ص) إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن بقيتها: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرنية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره " ( 285 ).

يبدو أن هذه القراءة كانت شائعة إلى حد ما؛ وكان سند قرّائها أبيّ بن كعب؛ " عن محمد بن سيرين: أَن عمر(رض) سمع كثير بن الصلت؛ يقرأ: "لو أَن لابن آدم واديَيْن من مال لتمنى واديًا ثالثًا، ولا يملأُ جوف ابن آدم إِلا التراب، ويتوب الله على من تاب "! فقال عمر (رض): ما هذا؟ قال: هذا في التنزيل، فقال عمر (رض): من يعلم ذاك؟ واللّه لتأْتين بمن يعلم ذاك أَو لأَفعلن كذا وكذا!! قال: أبيّ بن كعب، فانطلق إِلى أبيّ فقال: ما يقول هذا؟ قال: ما يقول؟ قال: فقرأَ عليه، فقال: صدق قد كان هذا فيما يُقْرَأُ، قال: أكتبهَا في المصحفِ؟ قال: لا أَنهاك! قال: أَتركها. قال: لا آمرك ". ( تاريخ المدينة لابن شبة، 203 ).

وفي نص الإتقان ( 285 )؛ يقول السيوطي: "عن أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله (ص) إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا مما أوحى إليه. قال: فجئت ذات يوم؛ فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان غليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب؛ قال: قال لي رسول الله (ص): إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين؛ ومن بقيتها: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرنية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره ".

قضية قرآنية أخرى اشتهرت عن أبيّ، تتعلّق هنا بسورة الأحزاب ونقصها؛ وأحياناً نجد إشارة في بعض النصوص إلى آيات الرجم التي سقطت أيضاً من القرآن: " عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: يا زر! كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم، وفي لفظ: وإن في آخرها، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، فرفع فيما رفع " ( كنز العمال 284 )

في " إتقان " السيوطي، نقرأ ما يدعم هذا الرأي، عن زر ذاته: " عن زر بن حبيش: قال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تعد سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية أو ثلاثة وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم…. عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله (ص) آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة " ( 285 ).

في تاريخ أصبهان لأبي نعيم الأصبهاني، 149، نجد النص السابق ذاته مع تحويرات بسيطة: " عن زر بن حبيش؛ قال: قال أبي بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً أو اثنتين وسبعين! قال: قط!! قلت: قط؟ فقال: والله لقد كانت توازي سورة البقرة ولقد كانت أطول ولقد كان فيها آية الرجم!! قلت: أبا المنذر! وما آية الرجم؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" .

" وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا تكتبها في المصحف؟ قال: ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر: أنا أكفيكم فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم، قال: لا تستطيع. قوله اكتب لي: أي ائذن في كتابتها ومكني من ذلك. واخرج ابن الضريس في فضل القرآن عن يعلي بن حكيم عن زيد أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوفي الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب؛ فقال: أليس أتيتني وأنا استقرئها رسول الله (ص) ؟ فدفعت في صدري وقلت: تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر؟ قال ابن حجر وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهوالاختلاف.( اتقان السيوطي 259 ). وفي لسان العرب لابن منظور، 5115، أشياء مطابقة: " قال أبيّ بن كَعْبٍ لزِرِّ بن حُبَيْش: كأيّن تَعُدُّون سورة الأَحزاب أَي كم تَعُدُّونها آيةً".

" كان أبيّ ابن كعب يقرؤها:" على الصلوات والصلاة الوسطى". قالوا: فدل هذا على أنه ليست صلاة العصر؟ قال علي: هذا اعتراض في غاية الفساد؛ لأنه كله ليس منه عن رسول الله (ص) شيء، وإنما هو موقوف على حفصة، وأم سلمة، وعائشة: أمهات المؤمنين - وابن عباس؛ وأبيّ بن كعب، حاشا رواية عائشة فقط " ( محلى ابن حزم 412 ).

الخلع والحفد:

من أبرز ما ميّز مصحف أبيّ بن كعب، احتواؤه سورتي الحفد والخلع، اللتين نجد إشارة لهما في " رسائل الجاحظ "، 208: " وقول أبيّ ( بن كعب) في سورتي الحفد والخلع "؛ وفي " الحاوي للفتاوي للسيوطي "، 26، يقال: " إتحاف الوفد بنبأ سورة الحفد "؛ وفي تاريخ ابن شبّة، نجد: " عن ميمون بن مهران، قال: قرأت في مصحف أبيّ: اللهم نستعينك ونستغفرك حتى بلغ آخر السورتين " (203 ). والحقيقة أن سورتي الخلع والحفد تردان أيضاً باسم سورة القنوت: جاء في " الأم " للشافعي، 1816: " ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب (رض) أنه قنت بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق ". وفي " إتقان " السيوطي؛ 77، نجد: " في مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق ". ويفسّر السيوطي هذا التناقض بقوله: " ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي الخلع والحفد " ( الاتقان، 259 ). في كتاب " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " نجد المسألة أقرب إلى التكامل: " أنبانا حماد؛ قال‏:‏ قرأنا في مصحف أبيّ بن كعب‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك! قال حماد‏:‏ هذه الآن سورة، وأحسبه قال‏:‏ اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق "‏.‏

في المرجع السابق ذاته، نجد ربطاً بين سورتي أبيّ ودعاء قنوت عمر بن الخطّاب: " صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية؛ قال‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير كله، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق‏ ". لكن حتى دعاء القنوت ينسب إلى الله، كالقرآن تماماً: " بينما رسول الله (ص) يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ولم يبعثك عذابا، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون!! ثم علمه هذا القنوت‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق‏".‏ لذلك لا نستغرب أن يقول المصدر السابق: " قرأت في مصحف أبيّ بن كعب بالكتاب الأول العتيق‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏‏قل هو الله أحد‏ إلى آخرها؛ بسم الله الرحمن الرحيم ‏قل أعوذ برب الفلق‏ إلى آخرها؛ بسم الله الرحمن الرحيم ‏قل أعوذ برب الناس‏ إلى آخرها؛ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك‏.‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم لا تنزع ما تعطي ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وغفرانك وحنانيك إله الحق "‏.‏ راجع أيضاً: (المبسوط للسرخسي 126 ).

إذن، هنالك ما يشير إلى اعتبار بعض الصحابة، وعلى رأسهم أبيّ، الخلع والحفد، على أنهما سورتان مثلهما مثل غيرهما من السور؛ حيث كان بعضهم يضعهما في مصحفه، وبعضهم الآخر يقرأ بهما في صلاته. وإضافة إلى الدر المنثور ( 420:6 ) المشار إليه آنفاً، نجد نصّاً هامّاً؛ يقول: " أخرج محمد بن نصر عن سفيان قال : كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين : " اللهم إنا نستعينك " و " اللهم إياك نعبد " . وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم؛ قال: يقرأ في الوتر السورتين : " اللهم إياك نعبد "، " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ". وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال : نبدأ في القنوت بالسورتين ثم ندعو على الكفار ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات … أمّـنـا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بـهاتين السورتين " إنا نستعينك " و "نستغفرك " ". (راجع: مجمع الزوائد 7 157 . والإتقان في علوم القران 3/36 ).

بعودة إلى الدر المنثور في الشأن ذاته؛ نقرأ: " قرأت أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أبيّ بن كعب هاتين السورتين : " اللهم إنا نستعينك " ، والأخرى ، بينهما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم ( 420:6 ). وفي نص الاتقان: " وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبيّ بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما وأنه كان يكتبهما في مصحفه". ( 2: 35 – 37 ).

بل يقول الدر المنثور إن " ابن مسعود كان يقرئهم إياها ويزعم أن رسول الله كان يقرئهم إياها " ( 422:6 ). وفي نص آخر: " وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن من مصحف ابن مسعود " ( 421:6 ). " وكذلك أنس بن مالك: " سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت؛ فقال : " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك "؟ قال أنس : والله إن أنزلتا إلا من السماء ‍!". ( 420:6

متفرقات أخرى:

لقد جمع البحّاثة آرثر جفري في عمله الذي توقفنا عنده في البحث السابق كل قراءات أبيّ بن كعب، التي خالف فيها المصحف العثماني؛ وسنورد في نهاية بحثنا هذا نص الفاتحة ممهوراً بختم أبيّ. مع ذلك، فقد قمنا أيضاً بجمع عينات أخرى ثانويّة تضاف إلى ما أوردناه آنفاً. ويمكن أن تشكّل مع قراءات جفري مدخلاً لنقديّة علميّة للنص القرآني. ففي " المقنع في رسم مصاحف الأمصار للداني، 21 "؛ نقرأ: " وقال الكسائي رأيت في مصحف أبيّ بن كعب "وللرجال" و"جاءتهم رسلهم" و"جياتهم" وجاء امر ربك "وجيا"". وفي " تاج العروس، 5129 "؛ يقال: " وتَرَّعَ البَابَ تَتْرِيعاً: أَغْلَقَهُ، ورَوَى الأَزْهَرِيُّ بِسَنَدِهِ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ في مُصْحَفِ اُّبَى بنِ كَعْبٍ "وتَرَّعَتِ الأَبْوَابَ" قالَ: هو في مَعْنَى غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ ". وفي " كشاف الزمخشري 753 " يقال: " وعن أبيّ بن كعب أشركه في أمري واشدد به أزري". وفي " لسان العرب "، 606؛ نقرأ: " قرأْت في مصحف أبيّ بن كعب: وتَرَّعَتِ الأَبوابَ ". وفي المرجع السابق، 2213، " ويُصَدِّقُها قراءة أبيّ بنِ كعب: لا تقولوا راعونا ". وفي " تهذيب اللغة للأزهري،242 "؛ يقال: " قرأت في مصحف أبيّ بن كعب: وترّعت الأبواب. قال الأزهري: هو في موضع غلَّقت الأبواب"؛ وفي تنبيه الغافلين للصفاقسي، 61؛ يقال: " وقرأ وَماَ يعَلَمُ تَأوِيلَهُ إلا اللهُ ويقوُلُ الراسخُونَ في الْعِلْمِ ءَامَناَ بِه وهو قول أبيّ بن كعب وابن مسعود ".

قراءات أبيّ في "القرطبي" كثيرة؛ حاولنا جهدنا إحصاءها؛ "حكاها عبد الوارث؛ قال: رأيت في مصحف أبيّ بن كعب "يتخطف" ( 64 )؛ "وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة: مصر؛ بترك الصرف! وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب" ( 147 )؛ " وفي مصحف أبيّ "تشابهت" بتشديد الشين. قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارعة (186)؛ "وفي مصحف أبيّ وعبد الله "يتطهرن" " (497 )؛ " وفي مصحف أبيّ بن كعب "وإن كان ذا عسرة" على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش "وإن كان معسرا فنظرة". قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب " ( 655 )؛ " وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبيّ بن كعب "وما أدراكم لعلها" " ( 1353)؛ " وفي مصحف ابن مسعود "ووصى" … وكذلك عند أبيّ بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو "ووصى ربك" فالتصقت إحدى الواوين فقرئت "وقضى ربك" إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم "وصى بقضي" حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف " ( 2039 )؛ " وفي مصحف أبيّ "مدادا" " ( 2163 )؛ " وفى مصحف أبيّ "فرددناك" " ( 2233 )؛ " وفي مصحف أبيّ "مساكنكن لا يحطمنكم" " ( 2554 )؛ " في مصحف أبيّ بن كعب "وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" " ( 2730 )؛ " وفي قراءة أبيّ "وإنك لتدعو" " ( 306 ).

بعودة إلى الصراع بين أبيّ وعمر في مسألة القراءات، نقرأ في " كنز العمال " جملة أحاديث يمكن أن تفيدنا في هذه الفقرة: " أَن أَبا الدرداء وأصحابًا له خرجوا بمصحفهم حتى قدموا المدينة يثبتون حروفه على عُمَر، وزيد بن ثابت، ، وأبيّ بن كعب يقرأُ عليهم آي: "إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبهِم الْحَميةَ حَمِية الجَاهِلية" الفتح 26، "ولَوْ حَمَيْتُمْ كَمَا حموا لَفَسَدَ المسجدُ الحرام"! فأَخبروا بذلك عمر وزيد بن ثابت، فقال عمر (رض):عليّ بأبيّ! …ومضى أبيّ يغسل يده وفيها القطران حتى سلَم على عمر (رض)، فقال عمر (رض): اقرأ! فقرأَ كما أَخبروه، فقال: يا زيد اقرأ! فقرأَ قراءة العامة، فقال عمر: اللهم لا علم إلا كما قرأت! فقال أبيّ: أَما والله يا عمر إِنك لتعلم أَني كنت أَحضر ويغيبون، وإن شئت لا أقرأتُ أَحدًا آية من كتاب الله، ولا حدَثتُ حديثًا عن رسول الله (ص) ، فقال عمر (رض): اللهم غفرًا، قد جعل اللّه عندك علمًا فأَقرىءْ الناس وحدَثْهم، قال فكتبوها قراءة عمر وزيد ". وفي نص ثان من " الكنز " يقول أحدهم: " رأَى معي عمر بن الخطاب (رض) لوحًا مكتوبًا فيه "إذا نُودِيَ للصلاة مِن يَوْم الجمعة فَاسْعَوْا إلى ذِكر الله" الجمعة:9، فقال: من أَملى عليك هذا؟ قلت: أبيّ بن كعب! فقال: إِن أبيّاً كان أَقرأَنا للمنسوخ، اقرأها "فامضوا إِلى ذكر الله" ". وفي نص ثالث: " كان أبيّ يقرأ: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حما لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله، فبلغ ذلك عمر فاشتدّ عليه، فبعث إليه فدخل عليه، فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت؛ فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلّظ له عمر ، فقال أبيّ: لأتكلم، قال: تكلم، فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي (ص) ويقرؤني وأنت بالباب، فإن أحببت أن أُقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت وإلاّ لم أُقرئ حرفاً ما حييتُ، قال: بل أقرئ الناس " ( كنز العمال 2/568 ـ 594).

ترتيب السور في مصحف أبيّ:

يذكر آرثر جفري في كتابه أن ترتيب السور عند أبيّ يختلف عن مثيله في المصحف العثماني. يقال على وجه التحديد إن مصحفه كان ضمن المصاحف التي أحرقها عثمان. ( ويقال إن ترتيب السور في مصحفه مختلف عنه في مصحف عثمان؛ وكما هي الحال في مصحف ابن مسعود، لدينا قائمتان من منظومات السور. بحسب الفهرست ص 27، نجد منظومة سوره كما يلي:

1 – 2- 4 -3 -6 -7 -5 -10 -8 – 9- 11 – 19 – 26 – 22 – 12 – 18 – 16 – 33 – 17 – 39 – 45 – 20 – 21 – 24 – 23 – 40 – 13 – 28 – 27 – 37 – 34 – 38 – 36 – 15 – 42 – 30 – 43 – 41 – 14 – 35 – 48 – 47 – 57 – 58 – 25 – 32 – 71 – 46 – 50 – 55 – 56 – 72 – 53 – 68 – 69 – 59 – 60 – 77 – 78 – 76 – 75 – 81 – 79 – 80 – 83 – 84 – 95 – 96 – 49 – 63 – 62 – 65 – 89 – 67 – 92 – 82 – 91 – 85 – 86 – 87 – 88 – 64 – 98 – 61 – 93 – 94 – 101 – 102 – الخلع، الحفد، 104 – 99 – 100 – 105 – 107 – 108 – 97 – 109 – 110 – 111 – 106 – 112 – 113 – 114.

في هذه القائمة لا نجد السور التالية: 29 – 31 – 44 – 51 – 66 – 70 – 73 – 74 – 90 – 103، لكن لدينا هنا سورتان لا نجدهما في المصحف العثماني: الخلع والحفد. لكن كوننا نعرف بالفعل قراءات له من كل السور عدا 103، فالاحتمالية تبقى أن مواداً منها كانت تشكّل جزءاً من مصحفه.

1 – 2 – 4 – 3 – 6 – 7 – 5 – 10 – 8 – 9 – 11 – 19 – 26 – 22 – 12 – 15 – 16 – 33 – 17 – 39 – 20 – 21 – 24 – 23 – 29 – 40 – 13 – 28 – 27 – 37 – 38 – 36 – 15 – 42 – 30 – 57 – 48 – 47 – 41 – 46 – 50 – 55 – 56 – 72 – 53 – 70 – 73 – 74 – 44 – 31 – 45 – 52 – 51 – 68 – 69 – 59 – 60 – 77 – 78 – 75 – 81 – 65 – 91 – 86 – 87 – 88 – 61 – 98 – 93 – 94 – 101 – 102 – 103 – 104 – 99 – 100 – 105 – 106 – 107 – 108 – 97 – 109 – 110 – 111 – 112 – 113 – 114

في هذه القائمة تنقص السور التالية: 18 – 25 – 32 – 35 – 43 – 54 – 58 – 67 – 71 – 76 – 85؛ لكن كل هذه السور عدا السورة 54 موجودة في قائمة الفهرست، ونحن نعرف قراءات من السورة 54. من الواضح أنه لا يمكننا الاعتماد على أي من القائمتين، اللتين لا بد من النظر إليهما، كما في حالة القائمتين المتعلقتين بمصحف ابن مسعود، على أنهما توليفات من زمن متأخر ولا تعتمدان على المصاحف الأصليّة ) جفري . إذا ما أخذنا نص الفهرست، نقرأ التالي: " مصحف أبيّ … فأوله فاتحة الكتاب البقرة النساء آل عمران الأنعام الأعراف المائدة الذي التبست وهي يونس الأنفال التوبة هود مريم الشعراء الحج يوسف الكهف النحل الأحزاب بني إسرائيل الزمر حم تنزيل طه الأنبياء النور المؤمنين حم المؤمن الرعد طسم القصص طس سليمان الصافات داود سورة ص يس أصحاب الحجر حم عسق الروم الزخرف حم السجدة سورة إبراهيم المليكة الفتح محمد (ص) الحديد الطهارة تبارك الفرقان ألم تنزيل نوح الأحقاف ق الرحمن الواقعة الجن النجم نون الحاقة الحشر الممتحنة المرسلات عم يتساءلون الإنسان لا أقسم كورت النازعات عبس المطففين إذا السماء انشقت التين اقرأ باسم ربك الحجرات المنافقون الجمعة النبي عليه السلام الفجر الملك الليل إذا يغشى إذا السماء انفطرت الشمس وضحاها السماء ذات البروج الطارق سبح اسم ربك الأعلى الغاشية عبس وهي أهل الكتاب لم يكن أول ما كان الذين كفروا الصف الضحى ألم نشرح لك القارعة التكاثر الخلع ثلاث آيات الجيد ست آيات اللهم إياك نعبد وآخرها بالكفار ملحق اللمز إذا زلزلت العاديات أصحاب الفيل التين الكوثر القدر الكافرون النصر أبي لهب قريش الصمد الفلق الناس؛ فذلك مائة وستة عشر سورة؛ قال: إلى هاهنا أصبحت في مصحف أبيّ بن كعب وجميع آي القرآن في قول أبيّ بن كعب ستة آلاف آية ومائتان وعشر آيات وجميع عدد سور القرآن في قول عطاء بن يسار مائة وأربع عشرة سورة وآياته ستة آلاف ومائة وسبعون آياته وكلماته سبعة وسبعون ألفاً وأربعمائة وتسعة وثلاثون كلمة وحروفه ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفاً وخمسة عشر حرفاً وفي قول عاصم الجحدري مائة وثلاثة عشر سورة وجميع آيات القرآن في قول يحيى بن الحارث الذماري ستة آلاف ومائتان وستة وعشرون آية وحروفه ثلاثمائة ألف حرف واحد وعشرون ألف حرف وخمسمائة وثلاثون حرفاً ". ( فهرست ابن النديم 15). وفي " أسرار ترتيب القرآن " للسيوطي، نجد إشارة إلى ترتيب آيات كعب: " في مصحف أبيّ بن كعب: أول الزمر (حم)، وذلك مناسبة جليلة ثم إن الحواميم ترتبت لاشتراكها في الافتتاح ب(حم)، وبذكر الكتاب بعد حم، وأنها مكية، بل ورد في الحديث أنها نزلت جملة وفيها شبه من ترتيب ذوات (الر) الست " ( 16 ). وفي " الاتقان " ( طبعة الحلبي )؛ نقرأ: " هذا تأليف مصحف أبيّ : الحمد ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم يونس ثم الأنفال … ثم الضحى ثم ألم نشرح ثم القارعة ثم التكاثر ثم العصر ثم سورة الخلع ثم سورة الحفد ثم ويل لكل همزة … إلخ " ( 64:1 ).

إذا ما حاولنا الدخول في عالم صيرورة نص المصحف اعتماداً على نص إسلامي غير قديم، يمكن الإشارة هنا إلى ما كتبه الرافعي في المسألة؛ ونقدّمه هنا باختصار: " ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في السور وإلى اليوم. فإنما هو ترتيب عثمان أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول الله (ص) كان إذا نزلت سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكان القرآن مرتب الآيات، غير أنه لم يكن مجموعاً بين دفتين، فلا يؤمن أن يضطرب نسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديما وتأخيراً: ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتبع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو أقله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر، فلما جمعه أبو بكر برأي عمر كتبوه على ما وقفهم عليه رسول الله (ص) ، ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبيّ بن كعب، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه (الفهرست)…ولم يكن بعد انتشار المصاحف العثمانية وانتساخها على هيئتها إلا أن استوثقت الأمة على ذلك بالطاعة وأحرق كل امرئ ما كان عنده مما يخالفها ترتيباً أو قراءة … فإن الصحابة كانوا لا يحسنون التهجي، وقد يكتبون ما يقرؤون على وجه من وجوه الكتابة، أو يكتبون بحرف من القراءات، كالذي رواه ابن فارس بسنده عن هانىء قال: كنت عند عثمان(رض) وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب فيها "لم يتسن" و"فأمهل الكافرين"، و"لا تبديل للخلق" قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب "خلق الله" ومحا "فأمهل" وكتب "فمهل" وكتب "يتسنه" ألحق فيها هاء والقراءة على هذا الرسم.( تاريخ آداب العرب، 146).

لكن السيوطي في " أسرار ترتيب القرآن "، يبدو أكثر نقديّة من الباحث غير القديم، الرافعي؛ فهو يقول: " استشكل على عثمان (رض) أمرين: وضع الأنفال وبراءة في أثناء السبع الطوال، مفصولاً بهما بين السادسة والسابعة، ووضع الأنفال وهي قصيرة مع السور الطويلة! وانظر كيف أجاب عثمان(رض)أولاً بأنه لم يكن عنده في ذلك توقيف، فإِنه استند إلى اجتهاد، وأنه قرن بين الأنفال وبراءة لكونها شبيهة بقصتها في اشتمال كل منهما على القتال، ونبذ العهود!… يتم بيان مقصد عثمان(رض) في ذلك بأمور: الأول: أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها، لكونها مشتملة على البسملة، فقدمها لتكون لفظة منها، وتكون براءة بخلوها منها كتتمتها وبقيتها، ولهذا قال جماعة من السلف: إن الأنفال وبراءة سورة واحدة، لا سورتان الثاني: أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطول، فإنه ليس في القرآن بعد الأعراف أنسب ليونس طولاً منها، وذلك كاف في المناسبة الثالث: أنه خلَّل بالسورتين الأنفال وبراءة أثناء السبع الطوال المعلوم ترتيبها في العصر الأول، للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف، وإلى أن رسول الله (ص) قبض قبل أن يبين محلهما، فوضعا كالموضع المستعار بين السبع الطوال، بخلاف ما لو وضعتا بعد السبع الطوال، فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف، وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذه الوهم … الرابع: أنه لو أخرهما وقدم يونس، وأتى بعد براءة بهود، كا في مصحف أبيّ بن كعب، لمراعاة مناسبة السبع الطوال، وإيلاء بعضها بعضاً، لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة فإن الأولى بسورة يونس أن تولى بالسور الخمس التي بعدها، لما اشتركت فيه من الاشتمال على القصص، ومن الافتتاح بالذكر، وبذكر الكتاب، ومن كونها مكيات، ومن تناسب ما عدا الحجر في المقدار وبالتسمية باسم نبي، والرعد إسم ملك، وهو مناسب لأسماء الأنبياء فهذه سنة وجوه في مناسبة الاتصال بين يونس وما بعدها، وهي أكثر من ذلك الوجه السابق في تقديم يونس بعد الأعراف ولبعض هذه الأمور قدمت سورة الحجر على النحل، مع كونها أقصر منها ولو أخرت براءة عن هذه السور الست المناسبة جداً بطولها لجاءت بعد عشر سور أقصر منها بخلاف وضع سورة النحل بعد الحجر، فإنها ليست كبراءة في الطول ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرنا من تقديم الحجر على النحل لمناسبة ذوات (الر) قبلها، وما تقدم من تقديم آل عمران على النساء وإن كانت أقصر منها لمناسبة البقرة، مع الافتتاح ب (الم)، وتوالى الطواسين والحواميم، وتوالى العنكبوت والروم والقمر والسجدة، لافتتاح كل ب (الم)، ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها " ( 10 ).

بعودة أخرى إلى مرجع حديث؛ نقرأ: " " وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، أو بأمر من النبي (ص) فيخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من العسب والكرانيف واللخّاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع من الشاة والإبل، وكل ما أصابوا من مثلها مما يصلح لغرضهم، يكتب كلّ منهم ما تيسر له أو يسرته أحواله. ولكن مما ليس فيه ريب أن منهم قوماً جمعوا القرآن كله لذلك العهد، وقد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا على نفر، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من بعد فإن المصاحف التي اختصت بالثقة كانت ثلاثة: مصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ، ومصحف زيد، وكلهم قرأ القرآن وعرضه على النبي (ص) ، فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض هناك، وأمّا أبيّ فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت، وأما زيد فقرأه بعدهما وكان عرضه متأخراً عن الجميع، وهو آخر العرض إذ كان في سنة وفاته (ص) وبقراءته كان يقرأ -عليه الصلاة والسلام- وكان يُصلي إلى أن لحق بربه، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ستعرفه…. أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفاً جمعه لما رأى الناس طيرة عند وفاة النبي (ص)" . ( تاريخ آداب العرب للرافعي 143).

( لا يبدو أن مصحف أبيّ كان مرجعاً لأي مصحف ثانوي؛ مع أنه على ما يبدو ظلت نسخة منه موجودة إلى زمن ابن شاذان، إذا ما صدقنا الفهرست، أي إلى منتصف القرن الإسلامي الثالث. هنالك أيضاً قصة حول كيف قدّم ابن عبّاس لأحدهم مصحفاً مكتوب بحسب قراءة أبيّ ( الدر، 170:4 ).

هنالك بعض الروايات حول وجود مصحف أبيّ، لكن من الواضح أنه انتهى في زمن مبكر، لأن هنالك رواية عند ابن داود ( المصاحف 25 )، حول كيف جاء بعضهم من العراق إلى محمد، ابن أبيّ، وطلبوا مشورة مصحف والده، فكان ردّ محمد عليهم بأن ذلك مستحيل لأن عثمان قبض المصحف. [ توثيقاً لما أورده جفري؛ نورد: " عن محمد بن أبي بن كعب أن ناساً من أهل العراق قدموا عليه، فقالوا: إنا تحملنا إليك من العراق، فأخرج لنا مصحف أبي، فقال محمد: قد قبضه عثمان " كنز العمال للمتقي الهندي 289 ).

كان برغشتريسر ميالاً إلى اعتبار أن القراءات من مصحف أبيّ أقل أهمية من القراءات من مصحف ابن مسعود؛ لكن في الحقيقة يبدو أن مصحفه، الذي لم يتلق دعماً من عاصمة كبيرة مثل الكوفة، ترك سجلاً بقراءات متميّزة أقل مما هي الحال في مصحف ابن مسعود.

من الجدير بالملاحظة هنا أن غالباً ما تتفق القراءات بين مصحفي أبيّ وابن مسعود مقابل المصحف العثماني. ويمكن لنا أن نشك هنا بوجود نوع من التشويش بين التقاليد أحياناً بحيث أن قراءات من هذا المصحف تعزا للمصحف الآخر. هذا يبدو مؤكّداً حين نجد مرجعاً أوحداً يعزو لأبيّ قراءة معوف أنها تخص ابن مسعود، بل من الملفت أن كتاب قرّة عين القرّاء للمرندي، الذي هو مصدرنا الأغنى لقراءات أبيّ، يعزو له كمّاً ضخماً من القراءات، والتي هي في غير هذا الكتاب تعزا فقط لابن مسعود ] جفري.

بعودة إلى المراجع الإسلاميّة، فقد وجدنا ذكراً لمصحف أبيّ بن كعب في مرجعين بارزين: البداية والنهاية لابن كثير ( 853 )، ومنتظم ابن الجوزي ( 2088 ). يقول الأخير في حديثه عن أحداث عام 515 للهجرة: " الخبر من أصفهان بعد يومين بحريق جامع أصفهان، وأن ذلك كان في الليلة السابعة والعشرين من ربيع الآخر قبل حريق الدار السلطانية بثمانية أيام،… وكان فيه من المصاحف الثمينة نحو خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف ذكر أنه بخط أبيّ بن كعب "؛ ويؤكّد ابن كثير الخبر؛ فيقول: " ومن جملة ما احترق فيه خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف بخط أبيّ بن كعب ".

نذكر أخيراً أن كلمة مصحف غير عربيّة؛ نقل السيوطي عن أحدهم قوله: رأيت مثله ( القرآن ) بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف " ( الاتقان في علوم القرآن، 67 ).

الفاتحة كما قرأها أبيّ:

بعودة إلى نص جفري نختم فيها هذا الجزء من فروقات المصاحف؛ نقدّم نص الفاتحة اعتماداً على ما جمعه جفري من فروقات:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. مَلِكِ ( أو مَلِيكُ أو مَلِيِكِ ) يوم الدين. ألهم إياك ( دون شدّة ) نعبد وإياك نستعين. إهدنا ثبتنا ( أو دلّنا يدك اهدنا ) صراط المستقيم. صراط الذين ( دون شدّة ) أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم وغيرَ ( أو وغيرِ ) الضالين.

نبيل فياض

  • مرات القراءة: 967
  • آخر تعديل الخميس, 03 أيلول/سبتمبر 2015 17:35

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.