Arabic English French Persian

لماذا أحرق عثمان المصاحف ؟

لماذا أحرق عثمان المصاحف ؟

طلعت رضوان

 

ذكر السجستانى فى كتابه (المصاحف- دار الكتب العلمية- بيروت – لبنان- عام1985) أنّ الخليفة الثالث عثمان بن عفان أحرق العديد من المصاحف التى كتبها بعض أصحاب النبى، لأنه أصرّ على أنْ يكون (مصحفه) هو النسخة (الوحيدة – المُـوحـّـدة) وهذا يدل على تدخل البشر فى كتابة آيات القرآن ، ورغم ذلك اكتشف الآثاريون عدة مصاحف من بين المصاحف التى اعترض عثمان عليها ومن بينها :


مصحف حفصة زوجة النبى : 
عن فلان عن فلان عن سالم بن عبد الله أنّ حفصة أمرتْ مولى لها (أى عبدها) أنْ يكتب لها مصحفـًا وقالت : إذا بلغتَ هذه الآية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (البقرة/238) فأذنى (أى استأذن منى) فلما بلغ قالت اكتبوا ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) أى أنها اتفقتْ فى ذلك مع ابن عباس ومع عائشة.

ونقل السجستانى عدة أحاديث تؤكد الخبر، من بينها أنّ نافع مولى عمر بن الخطاب (أى عبده) قال : كنتُ أكتب المصاحف فى عهد أزواج (أى زوجات) النبى فاستكتبتنى حفصة بنت عمر مصحفـًا لها وقالت لى : إذا انتهيتَ إلى هذه الآية (حافظوا على الصلوات.. الخ) فلا تكتبها حتى تأتينى فأمليها عليك كما حفظتها عن رسول الله ، فلما بلغت ُ إليها حملتُ الورقة (؟!) والدواة حتى جئتها فقالتْ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) ولعلّ أهمية رواية ما حدث مع حفصة أنها اعترفتْ أنّ جملة (وصلاة العصر) سمعتها عن الرسول ، فماذا حدث ؟ ولماذا تمّ حذفها من مصحف عثمان ؟ ولماذا خالفوا الرسول ؟ وألا يدل ذلك على تدخل البشر فى صياغة النص القرآنى ؟ 


مصحف أم سلمة زوجة النبى : 
عن فلان عن فلان عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة (أى عبدها) أنها قالت له : اكتب لى مصحفـًا ، فإذا بلغتَ هذه الآية (حافظوا على الصلوات) فأخبرنى. قال : فلما بلغتها قالت : اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) ونقل السجستانى عدة أحاديث تؤكد الخبر. وإذن يكون لدينا أربع شهادات تؤكد إضافة جملة (وصلاة العصر) شهادة ابن عباس، وشهادة عائشة وشهادة حفصة وشهادة أم سلمة ، خاصة شهادة حفصة التى اعترفتْ أنّ جملة (وصلاة العصر) سمعتها من الرسول . 


مصحف عبيد بن عمير الليثى : 

عن فلان عن فلان عن عمرو بن دينار قال : سمعتُ عبيد بن عمير يقول : أول ما نزل من القرآن سورة الأعلى . وعن الآية رقم 1 والآية رقم 2منها ((سبح اسم ربك الأعلى الذى خلق) بينما هى فى مصحف عبيد بن عمير (سبح اسم ربك الذى خلقك) وهنا يجب ملاحظة الفرق بين النصيْن ، حيث أن عبيد بن عمير حذف من مصحفه (الأعلى) وكتب (خلقك) وليس (خلق) كما هى فى المصحف الحالى . وهذا تأكيد جديد على تدخل البشر فى صياغة النص القرآنى. 


مصحف عطاء بن أبى رباح : 

وعطاء بن رباح هو مولى (= عبد) حبيبة بنت أبى نخراء (هكذا اسمه) الفهرية. وذكر ابن حجر فى كتابه (تهذيب التهذيب) بعض التفاصيل عن أبى نخراء منها أنه كان مولى (= عبد) حبيبة بنت ميسرة من أبى خشيم . المهم أنه عن فلان عن فلان عن طلحة أنّ عطاء كان يقرأ ((يُخوّفكم أولياءه)) بينما هى فى المصحف الحالى ((يُخوّف)) (آل عمران/175) وليس (يُخوّفكم) .


مصحف عكرمة : 
وعكرمة هو مولى (= عبد) ابن عباس ، وعن فلان عن فلان عن عمران بن حدير أنّ عكرمة كان يقرأ ((وعلى الذين يُطوّقونه)) بينما هى فى المصحف الحالى ((وعلى الذين يُطيقونه)) (البقرة/184) أى أنّ عكرمة غيّر فى كلمة (يُطيقونه) فقرأها (يُطوّقونه) وطبعًا الفرق واضح بين الكلمتيْن فى المعنى ، فالأولى (كما هى فى مصحف عثمان) بمعنى يحتمله (أى يحتمل الصيام) بينما فى قراءة عكرمة فالمعنى من (التطويق أو الحصار) وطبعًا (ثانيًا) أنّ من كتبوا مصحف عثمان أدق من عكرمة.

وهذه الآية يتحاشى الأصوليون التعرض لها ، أو الاعتراف بأنها أباحتْ الإفطار فى رمضان لكل قادر على دفع ما نصّتْ عليه الآية حيث ورد بها بالنص ((وعلى الذين يُطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيرًا فهو خير له وأنْ تصوموا خير لكم)) أى أنّ الآية خيّرتهم بين (إطعام مسكين) وبين (الصيام) إذن الآية صريحة فى أنّ الأثرياء القادرين ماليًا، لهم الحق فى عدم الصيام ولا يكونوا قد عطــّـلوا الفريضة ، ولكن بشرط واحد هو ((فدية طعام مسكين)) والأدق لغويًا (إطعام) وليس (طعام) ورغم وضوح الآية وصراحتها بـ (الرخصة) التى منحتها للأثرياء، فإنّ الأصوليين يتعمّدون الخطأ و(والخطأ الفادح) عندما يلجأون إلى نوع من التفسير الفاسد ، فكتبوا وقالوا أنّ المقصود بلفظ (يُطيقونه) كل من لا يستطيع الصيام ، مثل المرضى الخ ، وهذا القول إدانة للنص القرآنى ، وأنه كان عاجزًا عن التعبير اللغوى الصحيح ، والدليل على ذلك هو هذا السؤال : لماذا لم يضع النص القرآنى أداة النفى (لا) قبل كلمة (يُطيقونه) فتكون الجملة هكذا : ((وعلى الذين لا يُطيقونه.. الخ)) السبب الثانى أنّ نفس الآية نصّتْ فى بدايتها على تحديد الموقف من المرضى فقالتْ ((فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر)) وبعدها مباشرة تكلمّتْ الآية عن (الذين يُطيقونه) أى عن الأثرياء الذين خيّرتهم الآية بين دفع الفدية (مجرد إطعام مسكين) أو الصيام ، أى أنّ الآية فضـّــلتْ الأثرياء بوضع مُـميّز (الاعفاء من الصيام) بينما المرضى عليهم أداء الصيام بعد التعافى من المرض وهو المعنى المقصود من تعبير (فعدة من أيام أخر) وبهذا كان القرآن مع تكريس الطبقية ، ومغازلة الأثرياء من أجل مساندة محمد فى دعوته. 


وفى مصحف عكرمة أيضًا أنه كان يقرأ ((قتـْـل فيه)) بينما الجملة فى المصحف الحالى ((قتال فيه)) (البقرة/217) ورغم أنّ الكلمتيْن مُـتشابهتان فى الحروف ، ومُـتفقتان على إراقة الدماء ، إلاّ أنّ المعنى (من حيث قواعد اللغة العربية) يختلف فى النصيْن : فالقتال ، كما فى المصحف الحالى للتعبير عن معركة حربية قبائيلة الخ أما لفظ (القتل) كما فى مصحف عكرمة فيعنى أنّ إنسانـًا يقتل إنسانـًا آخر.. والقتل قد يكون فى معركة وقد يكون فى مشاجرة عادية بين أى شخصيْن. والمهم فى الموضوع كله هو تدخل البشر فى صياغة النص القرآنى . 


مصحف مجاهد : 
واسمه أبو الحجاج وهو ابن جبر مولى (= عبد) بنى مخزوم وهو من الكوفة. وعن فلان عن فلان أنّ مجاهد كان يقرأ ((فلا جُـناح عليه ألاّ يَطـوّف بهما)) بينما هى فى المصحف الحالى ((أنْ يَطـّـوّفَ)) (البقرة/158) أى أنّ مجاهد استخدم الأداة (ألاّ) بينما من كتبوا مصحف عثمان استخدموا الأداة (أنْ) .


مصحف سعيد بن جبير : 
عن فلان عن فلان أنّ سعيد بن جبير كان يقرأ ((وعلى الذين يُـطوّقونه)) بينما هى فى مصحف عثمان ((وعلى الذين يُطيقونه)) (البقرة/184) أى أنه اتفق فى ذلك مع عكرمة. مع ملاحظة ما كتبته فى الجزء الخاص بمصحف عكرمة. 
وقرأ سعيد بن جبير ((أحِلّ لكم الطيبات وطعام الذين أتـُوا الكتاب من قبلكم)) بينما هى فى المصحف الحالى ((أحِلّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌ لكم)) (المائدة/5) أى أنّ سعيد بن جبير أضاف (من قبلكم) بعد (أوتوا الكتاب) بينما تعبير (أوتوا الكتاب) جاء فى نفس الآية ولكن بعد ((والمُحصنات من المؤمنات والمُحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)) ولعلّ هذا هو السبب الذى جعل ابن جبير يقع فى هذا اللبس ، كذلك يجب ملاحظة أنّ اين جبير كتب كلمة (أوتوا) الواردة فى مصحف عثمان (أتوا) أى أنه حذف حرف الواو بعد حرف الألف ، وبالطبع فإنّ من كتبوا مصحف عثمان أدق من ابن جبير. وهذا ما يؤكد تدخل العنصر البشرى فى صياغة النص القرآنى . والشيىء المُدهش – الذى يتجاهله الأصوليون – أنه بينما الآية رقم (5) من سورة المائدة أباحتْ طعام (أهل الكتاب) ل (المسلمين) وجعلتْ طعام (أهل الكتاب) حلالا ل (المسلمين) فإنّ الآية رقم 17 من نفس السورة نصّتْ على ((لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم... إنْ أراد الله أنْ يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا.. الخ) فكيف يكون طعام (أهل الكتاب) حلالا ل (المسلمين) مع تكفير (أهل الكتاب) ؟ وتكرّر الموقف فى نفس السورة فى الآيتيْن 72، 73. والأكثر إثارة للدهشة ما نصّتْ عليه الآية رقم (51) من نفس السورة (المائدة) حيث جاء بها ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولــّهم منكم فإنه منهم)) فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يأكلون (أى المسلمون) طعام (اليهود والنصارى)؟ وبعد أنْ ساوى النص القرآنى بين (اليهود والنصارى) فى الآية رقم (51) إذا بالآية رقم (82) من نفس السورة تـُفرّق بينهم فنصّتْ على ((لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنـّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانـًا وأنهم لا يستكبرون)) 
وعن فلان عن فلان أنّ سعيد بن جبير كان يقرأ ((فإذا هى تلقم ما يأفكون)) بينما هى فى المصحف الحالى ((فإذا هى تلقف ما يأفكون)) (الأعراف/117) أى أنّ ابن جبير كتب (تلقم) بينما من كتبوا مصحف عثمان كتبوها (تلقف) مما يؤكد – من جديد – تدخل البشر فى النص القرآنى . 


مصحف الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس : 
والعنوان ليس به أى خطأ ، أى أنّ إثنين اشتركا فى كتابة مصحف واحد ، وعن فلان عن فلان أنّ الإثنيْن المذكوريْن كانا يقرآن ((صراط مَنْ أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)) بينما هى فى المصحف الحالى ((صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) (الفاتحة/7) أى أنّ الإثنيْن المذكوريْن كتبا (مَنْ) بينما من كتبوا مصحف عثمان كتبوها (الذين) وأنهما كتبا (وغير الضالين) بينما فى المصحف الحالى (ولا الضالين) تأكيد جديد على التدخل البشرى فى صياغة النص القرآنى. 


مصحف محمد بن أبى موسى شامى : 
عن فلان عن فلان أنّ (محمد) بن أبى موسى شامى كان يقرأ ((ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يفقهون)) بينما هى فى المصحف الحالى ((لا يعقلون)) (المائدة/103) أى حدث تغيير فى (لا يعقلون) كما هى فى مصحف عثمان إلى (لا يفقهون) .


مصحف حطان بن عبد الله الرقاشى بصرى : 
وكتب السجستانى فى الهامش عنه أنه هو ((مُـعلــّم الحسن البصرى)) 
وعن فلان عن فلان أنّ حطان كان يقرأ ((وما محمد إلاّ رسول قد خلتْ من قبله رسل)) بينما هى فى المصحف الحالى ((وما محمد إلاّ رسول قد خلتْ من قبله الرسل)) (آل عمران/ 144) أى أنّ حطان كتب (رسل) بينما من كتبوا مصحف عثمان كتبوها بأداة التعريف (الرسل) وذكر القرطبى فى تفسيره لهذه الآية أنّ ابن عباس – أيضًا – كان يقرأ (رسل) بغير ألف ولام. وذكر أنّ سبب نزولها الهزيمة التى وقعتْ لجيش محمد فى غزوة أحد وأنّ كثيرين قالوا أنّ (محمد) قد قـُتل . أما الطبرى فقد توسّع فى تفسيره لهذه الآية فذكر أنّ آخرين قالوا ((لو كان محمد نبيًا ما قـُـتل)) والسبب أنّ ابن قميئة الحارثى ، أحد بنى حارث بن عبد مناف بن كنانة ، رمى الرسول بحجر، فكسر أنفه ورباعيته وشجّه فى وجهه. وكتب الطبرى أيضًا : عن فلان عن فلان عن جبير عن الضحاك قال : نادى مُـنادٍ يوم أحد حين هـُزم أصحاب محمد وقال ((ألا إنّ محمدًا قد قـُـتل فارجعوا إلى دينكم الأول)) فأنزل الله ((وما محمد إلاّ رسول.. الخ)) وهذه الآية تؤكد على : 1 - أنّ القرآن كان يُـتابع ما يحدث على أرض الواقع ، ثم يُعيد صياغته بما يتلاءم مع التوجه الأيديولوجى لمحمد ودفاعه عنه ، ويُخاطب الذين تسرّعوا واعتقدوا أنّ النبى قد مات فقال لهم ((أفإيْن (مكتوبة هكذا) مات أو قـُـتل انقلبتم على أعقابكم)) .

2- الاختلاف بين (رسل) و (الرسل) يؤكد الطابع البشرى فى صياغة النص القرآنى . 

  • مرات القراءة: 2440
  • آخر تعديل الأربعاء, 07 كانون1/ديسمبر 2016 15:40

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.