Arabic English French Persian

القُدوة، والصورة المكسورة !

القُدوة، والصورة المكسورة !

قابلتُها بناء على طلب منها في جلسة لطلب المشورة.

اندفعتْ مُسرعة

والكلمات تتسابق بين شفتيها كاندفاع طلقات الرّصاص، مُعبِّرة عن هَول ما كانت تشعر به من مُعاناة وصدمة ! قالت لي:

"كان كل شيء في حياتي ... أحببتُه حُبّ العاشق للمعشوق، كان يبدو في عيني الإنسان الكامل الذي لم يأتِ الزّمان بمثله!.

بدا في عينيّ كامل الأوصاف، عشتُ معه عن قُرب لسنوات طِوال فلم أرَ منه إلاّ قمّة الرّقّة والهدوء، الحنوّ والصبر، اللُّطف و.... .

لم أرَ عيباً يخرج منه، قولاً كان أم فعلاً ... كان الملجأ والملاذ لكُلّ مُحتاج يلجأ إليه عند شدّته، ليجد عنده ما يحتاجه، بل وأكثر!.

و... يطول الشّرح ...".

ثم انسابتْ دمعتان حارّتان من عينيها الجميلتين، مع توتّر وسُخونة اهتزّت أعماقها معهما، ثمّ استطردت تقول: "كلّ هذا مضى وانهار كحُلم أفقتُ منه على صدمة مُدوّية، ... أبي الذي كان رمزاً للفضائل والقِيَم و... تأكّدتُ أنّه لصٌّ وقاتل !!!".

صديقي ...

هل تخيّلتَ يوماً ما الذي كان يُمكن أن يحدث معك، لو كُنتَ أنتَ صاحب هذه الخبرة الإنسانيّة الأليمة لصديقتي التي أتت تطلب مشورتي في مُصيبتها؟!. هل جرّبتَ أن تضع ثقتك في شخصيّة ما، أحببتَها واحترمتَها وأولَيتَها داخلك مكانة عظيمة وشديدة الخصوصيّة، تحدّثتَ بفضائلها واتّخذتَها مثلاً أعلى لك، بل كانت جُلّ أحلامك أن تكون مثلها!، ثمّ إذا بك فجأة تكتشف أنّك كنت مخدوعاً بها؟!.

هل قابلتكَ ذات يوم فعلاً مثل هذه الخبرة الحياتيّة المؤلمة، فاسودّت الدُّنيا في عينيك وفقدتَ توازنك وثقتك في كل الذين من حولك، فكرهت الناس ومقَتَّ الحياة وشعرتَ كم هي سيّئة وغادرة وقاسية؟!.

• لماذا القُدوة مُهمّة؟

إنّه أمر إنسانيٌّ طبيعيّ أن يتّخذ كلّ منّا قُدوة أو مَثَلاً أعلى يَحتذي به في الحياة. نحن نُمارس ذلك بطريقة تلقائيّة طبيعيّة بالفِطرة منذ طفولتنا. كما نعلم أن خبرات التعلُّم في الحياة الإنسانيّة، إنّما تنتقل بالاحتكاك والتدريب وتبادُل الخبرات بيننا وبين من هُم حولنا، فالطفل يتّخذ أبويه ـ أوّلاً ـ كمَثَل أعلى له، ثمّ قد يتّخذ بعد ذلك مُعلِّماً أو مُربِّياً أو واعظاً كمَثَلٍ أعلى له، وهكذا.

ويتّخذ بعض المُراهقين ـ أحياناً ـ مُمثِّلاً أو مُطرباً مُفضّلاً لديهم كمثَلٍ أعلى. فتجدهم ـ شعوريّاً أو لا شعوريّاً ـ يُقلّدونه في طريقة كلامه أو مشيته أو حركاته، حتى في طريقته في الملبَس أو تسريحة الشعر!!. ويمكن أن ينطبق ذلك في كل مراحل عُمر الإنسان، وبقدر نُضجه ووعيه، بقدر ما يستطيع أن يعمل مثل هذه الأمور بطريقة مقبولة أو فجّة!.

• من هو مَثَلك الأعلى؟ وما هي مُواصفاته؟

لذا أدعوك صديقي في هذه المُناسبة، أن تُفكّر مليّاً في من هُم الذين يقودون حياتك بطريقة غير مُباشرة، باتّخاذك لهم مثلاً أعلى وقُدوة في حياتك وتصرُّفاتك.

• لماذا تنهار الرموز وتموت القدوة؟

كثيراً ما تكون المُشكلة عندنا نحن، إذ يحدث ذلك لأنّنا أحياناً نُؤلّه البشر الذين نُعجَب بهم، فنُخدَع فيهم وننسى أنّهم بشر مثلنا. ويحدث ذلك لأنّ رؤيتنا لهم تكون من زاوية واحدة، هي تلك التي نُريد نحن، أو من تلك الزاوية التي قد يُريدون هُم أن نراهم من خلالها!!. ويزيد الأمر صعوبة إن كانت خبراتُنا الحياتيّة بسيطة وغير مُتعمّقة أو ناضجة، أو إن فقدنا القُدرة على الحُكم على الأمور من منظور صحيح. وربّما عدم وجود الناصح أو المُشير أو الصديق المُخلص الأمين، الذي يُساعدنا حضوره إلى جانبنا ألاّ نتعرّض لمثل هذه الصدمات أو السقطات، يُزيد المُشكلة تعقيداً.

• كيف يُمكننا أن نُواجه الحياة وسط عالم يمتلىء بالخداع؟

نحن نحتاج أن نتروّى ونتعقّل، وأن ندرس الذين حولنا جيّداً، فلا نندفع وراء أحاسيسنا أو عواطفنا التي يُمكن أن تخدعنا أو تجعلنا لا نرى الأمور على حقيقتها. ومع أن المحبّة ينبغي ألاّ تظنّ السوء، إلاّ أن السيّد المسيح علّمنا كذلك أيضاً أن يتّسم سلوكنا، لا ببساطة الحمام فقط، بل أيضاً بحكمة الحيّات!. كذلك لابدّ لنا أيضا أن نُذكّر أنفسنا دوماً أننا ـ نحن وكل المُحيطين بنا ـ بشر، وأن ليس كاملاً إلاّ الله وحده، فهُم لهُم نقائصهم وعيوبهم كما أنّنا نحن أيضاً لنا نقائصنا وعُيوبنا. لذا، فإنّه يكون أمراً جيّداً إن استطعنا أن نُدرّب أنفسنا على أن نتعلّم كيف نرى فيمن حولنا أحسن ما فيهم، وحين تعترضنا نقائصهم، فلنغضّ الطَّرْف عنها، لا بضيق بل برحابة صدر، مُتذكّرين دوماً أننا نحن أيضاً مثلهم فينا ما فينا من نقائص وعيوب وأخطاء.

• صديقي خدعني وعرفته على حقيقته ! كيف يُمكنني أن أتعامل معه؟

إنّ علاج موقف كهذا إنّما يتوقّف بالدرجة الأولى على أبعاده وظروفه وخلفيّاته. فإن كان للموقف تأثير مُباشر علينا فرُبّما تكون المواجهة هي الحل الأسلم، حتّى نتجنّب التأثير الضار الذي قد يعود علينا وفقاً لعمليّة الخداع. أمّا إن كان موقف الخداع أو الكذب لا يَمتُّ بِصِلة لنا، أو لا يعود بانعكاس مُباشر علينا، فرُبّما يكون الأجدر بنا وقتها أن نتجنّب الحديث في هذا الأمر لئلا نخسر العلاقة مع هذا الصديق. لكن ـ على في كل الأحوال ـ يكوّن قد تولّد عندنا انطباع عن تلك الشخصيّة التي نتعامل معها، ممّا يكون له التأثير المُفيد عند تعرُّضنا لأيّة خبرات مُستقبليّة عند الاحتكاك بها. وفي كل الأحوال والظروف، لابدّ أن تتّسم سلوكيّاتنا وتوجّهاتنا من نحو الناس عموماً، أيّاً كانوا، بالودِّ والاحتمال وطول الأناة والحبّ والصفح والغُفران.

• كيف أبرأ من جُروح خيانة الأصدقاء وانهيار القُدوة؟

يحتاج الأمر منّي أن أسير في أكثر من اتّجاه في آن واحد. لقد تحدّثنا عن الحكمة التي هي مطلوبة عُموماً في كلّ نواحي الحياة. كذلك تحدّثنا عن الواقعيّة، واقعيّة أن نعرف أنّنا كُلُّنا بشر ناقصون على حدّ سواء. وتحدّثنا كذلك عن أهميّة الصفح والغُفران. إن هذه العوامل كُلّها تُساعدني على امتصاص صدمة الخيانة أو الغدر أو الجُرح أو انهيار القُدوة. لكنّي أُضيف أيضاً فأقول: "إنّه يكون لزاماً عليّ أن أُساعد نفسي لأبرأ من أسقامي وجروحي، فإن عجلة الحياة لن تتوقّف أبداً عن الدوران، فإن توقّفتُ أنا عن مُواكبتها ومُلاحقتها بأن أشفقتُ على ذاتي، وصرتُ أسترجع الألم والذّكريات المُرّة أو المُؤلمة، فإنّني أكون بذلك أزيد الجرح اكتواء وإيلاماً، ممّا يُصعّب المُهمّة أكثر بالنسبة لي".

كما أنّني لا أستطيع إلاّ أن أقول أيضاً في هذا السياق، إن ارتباطي بالله تعالى واقترابي منه في مثل تلك المواقف الصعبة والأليمة، هو كفيل بأن يُسرِّع من عمليّة إبرائي وشفائي من جُروحي.

صديقي، إن كل من عرفوا الله معرفة شخصيّة عميقة، فأحبّوه واتّخذوه صديقاً لهم، اكتشفوا في معيّته ورفقته شركة رائعة لا يستطيع العالم بأسره أن يعرفها أو أن يمتلك مثلها. إن الله ـ هو وحده دون سواه ـ الصديق الأمين، الذي معه تحلو العشرة وتهنأ النفس ويسهل الطريق، وهو الوحيد الذي إن جرّبت أن تتّخذه كصديق أو كقُدوة لك، فلن تندم أبداً بأيّ حال من الأحوال.

وإن كُنّا تحدّثنا عن نقائص الناس وعيوبهم، فلن يكون بمقدورنا أبداً أن نتحدّث بمثل هذه الطريقة عن الله الرائع الكامل الذي فيه وبه تُكمّل كل نقائص الإنسان.

إن معرفة الله لهي خبرة حياتيّة وواقعيّة، يُمكن أن تكون من نصيبك أيضاً فتستمتع بها وتجد من خلالها طريقاً للراحة والسلام.

صديقي، إهدأ وارفع عينيك نحو العُلى ونحو الله ساكن السّماء. أُطلبه ليقف بجوارك، ليُخرجك من محنتك وعثرتك، لا بل ليُرافقك الطّريق بأكمله كلّ أيّام عُمرك. واختبر كيف سيستخدم هو بقدرته، الوقت والظّروف والأحوال، الصّعب منها قبل السّهل، ليَهبك من خلالها، كل بَرَكة ونجاح وفلاح. آمين.

إذا كان لديك عزيزي القاريء اي مشكلة تحب ان تشاركنا بها ، و تحب ان نصلي لأجلك .. اتصل بنا :

الهاتف الجوال/ النقال :

أو

اكتب لنا عبر البريد الإلكتروني

  • مرات القراءة: 585
  • آخر تعديل الخميس, 03 أيلول/سبتمبر 2015 17:22

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.