Arabic English French Persian

أنا أمْ الآخر؟

أنا أمْ الآخر؟

أنا أمْ الآخر؟  

د ماهر صموئيل

كل من عرف المسيح بعمق، عرف فيه شخصًا شعاره هو:

"لا أنا بل الآخر" !

وكل من عرف نفسه بحق، عرف فيها شخصًا شعاره هو:

لا الآخر بل أنا!

فنحن كلنا - يا صديقي - بالطبيعة أنانيون، أنانيون حتى النخاع،

جوهرنا هو ”أنا وليس الآخر!!

وحيث تسود الطفولة الروحية في هذه الأيام، فالأمر لا يختلف إلا قليلاً مع معظمنا، كمؤمنين:

ففي معظم الأوقات نحن ندور حول أنفسنا، والذات تستأثر بكل المساحة ولم تُبق ِ في قلوبنا شيئًاً للآخر!


انظر إلى صلواتنا، وابحث عن مركزية الذات فيها، تجدها واضحة كل الوضوح.  فمعظم - إن لم يكن كل - طلباتنا هي من أجلأنفسنا !

وحتى صلواتنا من أجل نجاح الخدمة؛ هي صلوات من أجل نجاح خدمتنانحن، وليس نجاح الخدمة بصفة عامة !  أي إنها صلوات من أجل نجاحنا !  من أجلالأنا!

انظر إلى أفراحنا؛ تجدها مرتبطة بشيء امتلكناه أو أنجزناه!  ونادرًا ما تجدنا فرحين لأن أخًا لنا امتلك شيئًا أو حقَّق نجاحًا لا علاقة له بنا نحن !

انظر إلى آلامنا، في مجملها، تجدها دائمًا بسبب حرمان نعانيه؛ حرمان من مال أو صحة أو زوج أو زوجة أو طفل.  حرمان مادي أو معنوي.  إنها دائمًا أحزان علىالذات !

حتى - للأسف - كنائسنا، ومجالات خدمتنا، صارت مجالاً للبحث عنالذات، وتوكيدها، وإشباعها، وتحقيقها!


إننا، باختصار،نحب ذواتنا جدًافكان حبّنا لها على حساب حق الآخر علينا؛ حقه في أن نفهمه، نحترمه، نقبله، نغفر له، نعيش من أجله، بل ونموت من أجله كما علَّمنا سيدنا.

لذا، يبدو لي أننا نسينا الشرط الذي وضعه لنا المسيح لكي نكون تلاميذه عندما قال:

«إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض...  حتى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا» (لو14: 26)

بل إننا تجاهلنا تحذيره الخطير لنا بخصوص محبة الذات عندما قال: «من يحب نفسه يهلكها، ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية» (يو12: 25)

ولقد تجاهلنا دعوته المتكرِّرة لنا أن نُنكر النفس، بل ونُهلكها، من أجله ومن أجل توصيل الإنجيل للآخرين.

بل يبدو لي إننا تجاهلنا حتى ما نتعلمه بالطبيعة، ألا وهو أن الإنسان ”كائن علاقاتي“ - كما يقولون - لا يستطيع أن يجد المعنى في الحياة إذا انكفأ على ذاته.  تجاهلنا أن الذات التي لا تخرج من قوقعتها لتمدّ ذراعيها للآخر وتفتح حضنها له، بل وتفني نفسها من أجله، سوف تدمِّر نفسها.

الأسوأ من هذا، هو أن هذه الذات المحبوسة في أسوار نفسها، والعائشة من أجل نفسها، تقضي أيامها وهي أسيرة لوعي زائف بأنه لا يوجد سواها! 

ولذلك فإنها كلما تحرَّكت لتعمل، أو حتى لتخدم؛ تجدها دائمة الاصطدام بالآخرين، تدفعهم وتسقطهم، بل وأحيانًا تدهسهم وهي لا تقصد! هذا لأنها تتحرك في ظلام قناعتها الخاطئة بأنه ”لا آخر“!  تتحرك في فضاء وهمي، صوَّرهُ لها وعيها الزائف، لذلك فهي تتحرك فيه بعشوائية؛ لا تعرف شيئًا اسمه ”الأبعاد“ أو ”الحدود“ أو ”المسافات“.  ومن هنا يأتي فعلها دائمًا مدمِّرًا لنفسها وللآخر.

ولكن للأمانة، ينبغي أن أُقِّر أننا أحيانا نكتشف وجود الآخر؛ لكن المأساة أننا نكتشفه فقط لنحمِّله أسباب فشلنا ونجعله شماعة لهزائمنا! 

فحيث يوجد الضعف والهزيمة والخراب، فهناك دائمًا ”الآخر“ وليس ”أنا!

أما أشد ما يخيفني، هو أننا صرنا نتجاهل أن علّة كل الأمراض الروحية، والمشاكل الكنسية التي نعانيها، هي أنانيتنا الفجَّة وبحث كل منّا عن إشباع ذاته وتوكيدها على حساب أمور الله وشعبه!  وصرنا محترفين في إرجاع كل ضعف وخراب وفشل إلى أي شيء، وإلى كل شيء، إلا لهذا السبب الواحد الحقيقي!  وإن كان البحث عن الذات بصفة عامة هو أمر بغيض في نظر الله، فكم تكون بشاعته عندما يكون في كنيسة الله، وعلى حساب شعب الله وأمور الله.  إنه أردأ أنواع البحث عن الذات، بل وأحَطَّها.

لذلك نحاول في هذا العدد أن نرفع الستار ونميط اللثام عن هذه الآفة، ونسلِّط الضوء على هذا المرض الخبيث الذي ينخر في عظامنا. 

متضرّعين إلى الرب، بانكسار، لعله يرحمنا فيجعلنا نخلع الأقنعة، ونتوب عن العمل من أجل ذواتنا، ولنبدأ العمل بحق من أجل الرب وشعبه. 

لنخجل من أنفسنا ونقوم ونغسل وجوهنا من مساحيق الروحانية الزائفة، ونتحلى بالروحانية الحقّة، والتي لا تبدأ إلا بإنكار الذات.  بل لعله يُرجع لنا وعينا المفقود فنكفّ عن الشكوى من أدوار البرد التافهة، ونقوم لنواجه بشجاعة السرطان الذي ينهش الجسد؛ سرطان محبة الذات.

لن نتوقف عند هذا، لكننا سنقدم العلاج، إذ أن معظم الحديث في هذا العدد سيكون عن النموذج العكسي لهذا، نموذج الحياة التي من فوق، فهي الترياق الشافي.  حياة ربنا يسوع المسيح الذي عاش كل حياته دون أن يفعل شيئًا واحدًا من أجل نفسه! 

والذي بموته أبطل الخطية، والتي هي في جوهرها الاستقلال عن الله والدوران حول الذات.  كما أنه بقيامته وصعوده وإرساله الروح القدس ليسكن فينا، أعطانا بنعمته نفس نوعية حياته التي لا تدور حول ذاتها، بل حول الله؛ فتتيح مساحة ضخمة، بل كل المساحة، للآخر!!

لكنه، قبل أن يصل إلى الصليب، لكي يضع نهاية الإنسان العتيق الذي يدمِّر نفسه بدورانه حول ذاته،


وقبل أن يدكّ القبر، ويقوم منتصرًا على الموت، ليخلق الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله، والذي يتمركز حول خالقه ويعيش من أجل الآخر،

وقبل أن يصعد ليرسل الروح القدس، الذي به نمتلك هذه الحياة العجيبة، فتتدفق من بطوننا أنهار الماء الحي لتروي عطش الآخر،

كان لا بد من الامتحان!
كان لا بد أن ينكشف ويتبرهن أمام الجميع، أن المسيح ليس فيه ذرة واحدة من ”الأنا“، بل كل ما فيه هو الحب فقط؛ أي أن كل ما فيه هو ”الآخر“ وليس ”الأنا“!  إذ حيث يوجد الحب، يوجد الآخر.  ولا معنى أن تقول إنك تحب، إذا لم يوجد الآخر أمام عينيك، بل وفي حضنك.  بل إن معيار حجم محبتك هو المساحة التي يشغلها الآخر في قلبك ووقتك وجهدك

لذلك عاش المسيح على مدار ثلاثين سنة يفُحَص من الداخل بمنظار الله، والذي ينفذ إلى آخر ذرة في أعماق الكيان، فلم يجد فيه ذرة واحدة تدور حول ”الأنا“!  كانت كل ذرات كيانه تدور حول الله، وتذوب لتُحيي وتُثري الآخر.  فجاء الإعلان على الملإ من السماء المفتوحة: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت».  ويا لها من شهادة!  يا له من إعلان !

ولم يكتفِ الله بفحصه، بل سمح حتى للمجرِّب بأن يجربه، فجُرِّب من الشيطان بكل أنواع التجارب، كل الأيام، ليجذبه - ولو مرة واحدة - إلى فعل مستقل عن الله، فعل واحد من أجل ذاته، ولو حتى أكل رغيف خبز!  فارتد الشرير خائبًا، إذ لم يجد فيه تابعه الأمين، ”الأنا“ الذي يعيش من أجل ”الأنا“!  ولذلك قال السيد: «رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء» (يو14: 30) .

ولم يكتفِ الآب بذلك، بل قصد له أن يعيش بين مختلف أشكال الناس يحتكّ بهم كل يوم، فالحديد بالحديد يُحدَّد والإنسان يحدِّد وجه صاحبه، أي لا يُظهر معدن الإنسان إلا احتكاكه بإنسان.  فكثيرًا ما يلبس أحدنا قناع محبة الآخر، لكن إذا حدث أن جُرح أو أهين من هذا الآخر، فعلى الفور يسقط القناع، وتنكشف الحقيقة أنه لم يكن سوى محبًّا للذات ! فماذا عن المسيح؟

لقد احتقروه وأبغضوه كل الأيام، فماذا أخرجت منه سهام كراهيتهم له؟ 

لم تُخرج سوى المزيد من الحب لهم، حب كان وقودًا وطاقة لمزيد من التجوال بينهم يصنع الخير لهم ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس !

لقد خربشوه بالأظافر وبالأشواك، فهل ظفروا بقناع يسقط أخفى تحته محبة الذات؟ 

على العكس، لم يجدوا سوى قلبًا محبًّا عجيبًا يبكي عليهم، بل ويناشدهم أن لا يبكوا عليه بل على أنفسهم.

عرّوه ونزعوا عنه كل الثياب فلم يجدوا.  ولم يكتفوا.  رأوا في جنونهم أن يمزّقوا الجلد بالسياط، لعله يكون قد أخفى ”الأنا“ العائش من أجل ”الأنا“ تحت جلده؛ فحرثوا جلده بالمحراث، حوَّلوا ظهره الكريم إلى أتلام. 

ثقبوا اليدين والرجلين مسمّرين إياه على صليب العار!  فهل ظهر تحت ثيابه، أو حتى تحت جلده، أو خرج من بين عظامه أيّ حبٍّ للذات؟ 

على العكس، فاضت من قلبه الذائب كالشمع همسات حانية، رددتها شفتاه اليابستان من العطش، تطلب الغفران لقاتليه، لا نقمة من أجل ”الأنا“، إذ لا وجود من الأصل لهذا النوع من ”الأنا!!

قرّروا في النهاية أن ينفُذوا إلى الأعماق، لا بأظافر أو بأشواك، لا بمسمار أو بسياط، لكن بضربة واحدة من رمح قاسٍ ينفذ إلى عمق الكيان؛ إلى القلب مباشرة، ليخرجوا عصارة الجوهر للخارج، ويتم الفحص على الملإ، لعلهم يجدوا هذا الأنا فيه. 

فإذ بالخارج من أعماق قلبه هو مداد حبٍّ عجيب من «دم وماء»، خرج ليكتب على صفحة الخلود: ”الآخر وليس أنا“.  دم وماء ليغسلا كائنًا قد فسد، كائنًا كان إنسانًا، يغسله ويطهِّره من الأنانية قضائيًا وأخلاقيًا أمام الله والناس!  لكي يعود من جديد إنسانًا.

هذا هو حبيبي، هذا هو ابن الإنسان.  هذه هي الحياة الخالية من الأنانية أي الخالية من الخطية.  هذه الحياة التي اشبعت الله، وسبَّبت أعظم بركة للإنسان، لم يحتفظ بها صاحبها لنفسه، لكن من منطلق لا أنانيته المطلقة، سكبها المسيح للموت، لكي يكون امتلاكها مُتاحًا لنا نحن عائلة الإيمان

ومن يومها، صار كل من يرفض حياته الأنانية، أو بالحري موته الأناني، ويشتاق للا أنانية، أي يشتاق للحياة، صار يجد في هذا الشخص الفريد الملجأ والملاذ، يجد فيه المخلِّص والحياة .  بل إنك لن تجد إنسانًا على الأرض يحيا من أجل الآخر، إلا وتجده تلميذًا للمسيح.

إنه إن كانت رحلة كل البشر على الأرض، من المهد وحتى اللحد، هي رحلة بحث دؤوب عن الذات لإشباعها وتوكيدها وتحقيقها؛ فإن رحلتنا نحن كمسيحيين ينبغي أن تكون، كرحلة حياة سيدنا، رحلة بحث دؤوب عن الآخر، حتى يحصل على السعادة الحقيقية والخلاص الأبدي.

ماهر صموئيل

  • مرات القراءة: 910
  • آخر تعديل الإثنين, 27 حزيران/يونيو 2016 05:32

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.