Arabic English French Persian
معركة تجديد الخطاب الديني.. أصعب معركة تخوضها مصر

تحقيق: إيهاب أدونيا

الرئيس السيسي يعتبرها (قضية حياة أوموت) والأوقاف تطرح مبادرات، والأزهر يغرد خارج السرب

     تصاعد مطلب تجديد الخطاب الديني، في العقدين الأخيرين، واشتد في أعقاب 11 سبتمبر عالميًا، وظهور تنظيم داعش وأفعاله الدموية على المستوى العربي، والاعتداء على الكنائس واستهداف الأقباط على المستوى المحلى، وأصبح "تجديد الخطاب الديني"، هو الأكثر تداولاً في الخطاب العام، وخاصة بعد مطالبة السلطات السياسية متمثلة في الرئيس السيسي، المؤسسات الدينية الرسمية بتجديد الخطاب، لكن رغم هذه المطالبات، وتنظيم المئات من المؤتمرات، لم نجد ثمرة ملموسة لها، فما زال الخطاب الديني المأزوم والمتطرف، مهيمنًا عبر آلاف المنابر والمواقع والقنوات الدعوية.

     وكان لحديثي السيسي الأخيرين سواء في منتدى شباب العالم أو خطابه في احتفالية المولد النبوي، صدى عالمي واسع، حيث يظهر بحديثه المتكرر جدية الأمر وحسمًا أكبر، ليؤكد أن الاتجاه الواضح للدولة المصرية ومؤسساتها الدينية، في إحداث تنقية شاملة للأفكار المغلوطة، المنسوبة للإسلام، وبناء رؤية جديدة تتواكب مع العصر.

     ولقيت دعوات الرئيس للتجديد قبولاً واسعًا سواء من الشارع المصري أو من المؤسسات الدينية أو أصحاب الفكر، نظرًا لأهميتها وتوقيتها، وكذلك نظرًا لاستغلال عدد من الجهات المتشددة لمواقف وردت في التراث الإسلامي، دون فهم صحيح لجوهرها أو سياقها أو ضوابطها، وهو ما يسفر عن تطرف فكري وانحراف عقائدي حاد.

     إذ لجأ البعض إلى أفكار قد توصف بالتطرف الشديد في مناهجها، مثل هدم الثوابت كلية، في إطار إعمال العقل، وهو أمر تراه المؤسسات الدينية الراسخة مرفوضًا، خصوصًا أنه يأتي من غير دارسين لعلوم الدين أو الفقه الإسلامي، مما يعني أنهم غير قادرين على تقييم الغث من السمين من وجهة نظرهم.

     ويتهم رجال دين أصحاب تلك الآراء بعدم الفهم الصحيح لسياق الدين، والخلط بين الأمور، واجتزاء الأحاديث والآيات بغير علم لخدمة موقف معين دون دراية كافية بأصول الفقه أو علوم الدين.

     فيما يتهم أصحاب تلك الآراء المؤسسات الدينية بالسعي لاحتكار الحقيقة ومصادرة الرأي الآخر، بل أتهم بعضهم المؤسسات الدينية بـ "احتكار الفكر" والتهديد بـــ"إهدار الدم" لمن يتجاوز "الخطوط الحمراء" من وجهة نظرهم.

     وبذلك تصبح معركة تجديد الخطاب الديني هي أصعب معركة يخوضها الرئيس السيسي، لأنها معركة إصلاح وتنوير للعقول وهي مهمة ثقيلة تحتاج أدوات فعالة ومتطورة مثل التعليم والإعلام والتفاهم الفكري مع المؤسسة الدينية بكل فروعها.

4 سنوات من دعوات الرئيس السيسي للإصلاح الدينى والمحصلة=صفر

     منذ أن تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي، مقاليد الحكم في مصر وهو لا يكل ولا يمل من توجيه المؤسسات الدينية إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني في كل المناسبات كان يذكرهم ويطالبهم بذلك خاصة بعد كل حادثة إرهابية تستهدف الاقباط باسم الدين، وإليكم عرض لتلك الدعوات وفقًا للتاريخ التي قيلت فيه.

   منتصف مايو 2014: عبر الرئيس السيسي عبر "تويتر" فقال: "سأناضل في إعادة رسم الخطاب الديني؛ لتحسين الصورة السيئة التي يقدمها من يظنون أنهم يحاولون الدفاع عن الإسلام".

     يناير 2015: خلال احتفال وزارة الأوقاف والأزهر الشريف بالمولد النبوي الشريف، قال الرئيس إنه يحمّل الأزهر الشريف، إمامًا ودعاة، مسؤولية تجديد الخطاب الديني، والدعوة بالحسنى، وتصحيح الأفكار والمفاهيم، التي ليست من ثوابت الدين، مطالبًا بثورة دينية لتغيير المفاهيم الخاطئة، مطالبًا المؤسسات الدينية الرسمية، متمثلة في شيوخ الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، "بسرعة الانتهاء من عناصر خطاب ديني جديد يتواكب مع مستجدات العصر تجديدًا واعيًا ومسؤولا، ويعالج مشكلة التطرف".

     يناير 2015: قال السيسي خلال كلمته بمنتدى دافوس الاقتصادي، إنه يريد تنقية الخطاب الديني من الأفكار المغلوطة التي أدت إلى التطرف والإرهاب، موضحًا أنه لا يقصد الثوابت الدينية، ولكن الخطاب الديني الذي يتعامل مع الواقع والتطور الإنساني.

     فبراير 2015: أكد الرئيس السيسي على أهمية تصويب الخطاب الديني، وإعادة صياغة المفاهيم ونشر قيم التعايش المشترك وبثها في نفوس النشء، وذلك إثر لقائه بمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، بحضور مفتي الديار المصرية شوقي علام، وسفير لبنان في القاهرة، على "محورية دور علماء الدين في مكافحة الفكر المتطرف ونشر قيم الإسلام السمحة من خلال ندوات التوعية".

     أبريل 2015: وجه الرئيس كلمته لطلبة الكلية الحربية، إنه لابد من مواجهة الفكر المتطرف بكل قوة، وجدد حديثه عن الخطاب الديني وأهمية تطويره، قائلاً لضباط الجيش والصف والجنود إن الفكر الخاطئ ليس له مكان على أرض مصر.

     يوليو 2015: ألقى الرئيس خطابًا بمناسبة ليلة القدر، أكد فيه على ضرورة تصويب الخطاب الديني، وإظهار الصورة الحقيقية للإسلام.

     ديسمبر 2015: في الاحتفال بالمولد النبوي، قال الرئيس إننا نعاني من انفصال الخطاب الديني عن جوهر الإسلام ذاته، وأكد على العلماء والمفكرين الاحتياج الماس لتحديث الخطاب الديني لتصويب ما تراكم بداخله عبر السنوات، وأشار إلى نسبة الشباب الذي بدأ يكفر بالأديان.

     يونيو 2016: ألقى الرئيس خطابًا بمناسبة ليلة القدر، أكد فيه على أهمية التجدد والبعد عن الجمود، وجدد مطالبته بتصويب الخطاب الديني ونشر صحيح الدين، الذي يتنافى مع دعاوى القتل والتدمير والتخريب.

يوليو 2016: أكد الرئيس في لقاء مع المجموعة الثالثة من الدارسين بالبرنامج الرئاسي، إن مسئولية تجديد الخطاب الديني مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأكد على رسالة قوية وواثقة وهي أن مصر ستقود تغيير الخطاب الديني في العالم.

     أكتوبر 2016: خلال توصيات مؤتمر الشباب بشرم الشيخ، وجه السيسي، الحكومــة بالتعاون مــع الأزهـر الشريـف والكنيســـة المصريـة وجميــع الجهات المعنيــة بالدولة بوضع ورقـة عمـل وطنيـة تمثل استراتيجية لوضع أسس سليمة لتصويب الخطاب الديني في إطار الحفاظ على الهوية المصرية بكافة أبعادها الحضارية والتاريخية.

     يوليو 2017: وتحديدًا في احتفالية ليلة القدر قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الإساءة المتعمّدة لفهم الدين والخطاب المتشدد الإقصائي لم يُسهما فقط في توفير البيئة الخصبة للإرهاب والعنف والتطرّف، لكن قاما أيضًا بتسميم مجمل نواحي الحياة بعيدًا عن المبادئ التي أرستها الديانات المختلفة وتضمّنتها الكتب السماوية.

     وأضاف أن تجديد الخطاب الديني دون المساس بالثوابت هو "قضية حياة أو موت" لهذا الشعب وهذه الأمة.

وأشار السيسي إلى أهمية النظر بجدية إلى أفكارنا وما نردده وننشره وما نربّي عليه أبناءنا، وأهمية تأسيس خطاب ديني حديث يبني مجتمعًا متماسكًا يسوده العدل والتسامح والرحمة، خطابٍ يُربّي أجيالًا واعية مخلصة لوطنها وشعبها.

     نوفمبر 2018: وتحديدًا خلال منتدى شباب العالم الأخير قال السيد الرئيس: "حين أطلقنا في مصر تصحيحًا أو تصويبًا للخطاب الديني تكلمت عن أن الصراعات كلها متمركزة في هذه المنطقة، بغض النظر عن فكرة المؤامرة، لابد من أن نتوقف عن هذا الحجم الضخم من الصراعات في المنطقة، وأكبر نسبة للاجئين والضحايا"، مضيفًا أن الرؤية ومشاهدة الواقع دون أي غرض وراء إطلاق مبادرة تصويب الخطاب الديني.

وأضاف: "إن تصويب الخطاب الديني أحد أهم المطالب التي تحتاجها المنطقة، وفي العالم الإسلامي على الإطلاق، لا يمكن أن تكون مفردات وأفكارًا كان يتم التعامل بها من ألف سنة وكانت صالحة في عصرها، ونقول إنها يمكن أن تكون صالحة في هذا العصر".

     وتابع: "إننا لا نتحدث عن تغيير دين ولكن عن كيفية إقناع أصحاب العقول والرأي والمعنيين بهذا الأمر بأن هناك مشكلة حقيقية في خطابه وفهمه للدين الذي يتعامل به في هذا العصر، لا بد من إيجاد مفردات لخطاب ديني تتناسب مع هذا العصر، ويمكن بعد مرور 50 عامًا نحتاج إلى تطويرها أيضًا بتطور المجتمعات".

     وأيضًا نوفمبر 2018: وأخيرًا في احتفالية المولد النبوي في نهاية نوفمبر الماضي جدد الرئيس الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، ومعربًا أسفه أن يكون من بين المصريين من لم يستوعب صحيح الدين وتعاليم النبي الكريم.

     وقال السيسي، إن هناك من أخطأ الفهم وأساء التفسير، وهجر الوسطية والاعتدال، منحرفًا عن تعاليم الشريعة السمحة ليتبع آراء جامحة ورؤى متطرفة، متجاوزًا بذلك ما جاء في القرآن والسُنة من حرمة النفس، وقدسية حمايتها وصونها من الأذى والاعتداء، مشددًا على "ما أحوجنا اليوم إلى ترجمة معاني تلك الرسالة السامية إلى سلوك عملي وواقع ملموس في حياتنا ودنيانا".

     وشدد على أنه من أجل مواجهة تلك الظاهرة، على كل فرد منا أن يقف بكل صدق أمام مسؤولياته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وتأتي في مقدمة تلك المسؤوليات أمانة الكلمة، وواجب تصحيح المفاهيم الخاطئة، وبيان حقيقة ديننا السمح، وتفنيد مزاعم من يريدون استغلاله بالباطل، بالحجة والبرهان. وأوضح أن بناء الإنسان وتنوير العقول وتكوين الشخصية على أسس سليمة، يعد المحور الأساسي في أية جهود للتقدم وتنمية المجتمعات، وهو ما وضعته الدولة هدفًا استراتيجيًا لها خلال الفترة الحالية.

     موقف الأوقاف من تجديد الخطاب الديني

     في كل مبادرة للرئيس السيسي للحث على تجديد الخطاب الديني كان وزير الأوقاف يبدى اهتمامه ويقدم عددًا من الأفكار والأعمال للتطوير وسواء كانت كافية أم لا ولكنها خطوة على الطريق وبخلاف رأي شيخ الأزهر الذى مازال متمسكًا- كما أعلن خلال الاحتفال بالمولد النبوي الأخير- بالموروثات القديمة والتي تشوبها براثن التطرف.

     حيث صرح وزير الأوقاف أثناء افتتاحه لأحد المساجد بالمنيا أنه: "من واجبنا أن نحمي جميع مساجد مصر من أطماع المتطرفين والمتشددين، وأن نملأ الدنيا علمًا وفقهًا وتنويرًا وسماحة وتيسيرًا....".

     كما أشار في موقف آخر على ضرورة منع غير المؤهلين وغير المتخصصين في الخطاب الديني من الخطابة والإفتاء احترامًا للتخصص ولطبيعة الخطاب الديني، وكذلك عدم التضييق على المتخصصين وإقصائهم وللتأكد من تجديد الخطاب الديني الذي لابد أن يكون خاليًا من كل معاني التعصب أو التحزب.

     وأخيرًا أكد في خطابه خلال احتفالية المولد النبوي الأخيرة على أن الخطاب الديني عملية ديناميكية لا تتوقف، مشيرًا إلى أن وزارة الأوقاف أصدرت كتابًا لتصحيح كل المفاهيم المغلوطة وهو "مفاهيم يجب أن تُصحح" وبداخله جميع المفاهيم الصحيحة التي توضح وتفسر المعنى السليم لأحكام التكفير والردة والجزية والمواطنة والقتال.

     وفي ذات السياق أصدرت الاوقاف عدة كتب من أهمها: "موسوعة الخطب العصرية (6 أجزاء)، في مواجهة الفكر المتطرف، الدين والدولة، موسوعة الدروس الأخلاقية، فلسفة الحرب والسلم والحكم، داعش والإخوان، الفكر النقدي بين التراث والمعاصرة، حديث الروح، نعمة الماء.. ونحو استخدام رشيد، الفهم المقاصدي للسنة النبوية".

     كما قامت الأوقاف بترجمة كل من: كتاب "حماية الكنائس في الإسلام" وكتاب "نحو تجديد الفكر الديني"، كتاب "ضلالات الإرهابيين وتفنيدها"، كتاب "الدين والدولة" وكتاب "فلسفة الحرب والسلم والحكم" إلى عدة لغات.

     كما كثفت برامج التدريب، وأقامت برامج جديدة، من أهمها: برنامج تجديد الخطاب الديني "المستوى الخاص المتميز" للأئمة، ويهدف إلى بناء الإمام العصري المستنير، مع العمل على تحويل الإمام المستنير من حالة فردية إلى ظاهرة جماعية تشمل معظم أئمة المساجد.

     وتم إنشاء قناة رسمية للوزارة عبر موقع "يوتيوب" تحت اسم "منبر التجديد" لتحميل جميع تسجيلات الوزارة من خطب ودورات تدريبية ومؤتمرات ومسابقات. إلى جانب تفعيل مكتبة الإمام الإلكترونية والتي يرفع عليها جميع كتب الوزارة وبعض المراجع العلمية التي يحتاج إليها الإمام والمثقف وطلاب العلم.

   موقف الأزهر من تجديد الخطاب الديني

     أما موقف الأزهر من تجديد الخطاب الديني فقد كان مغايرًا بعض الشيء حيث في البداية أشاد شيخ الأزهر بأهمية تجديد الخطاب الديني في أكثر من خطاب رسمي، وعلى أن مسألة تجديد الخطاب الديني أمرها محسوم في الإسلام، من خلال الحديث الذي ينص على "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها"، معترفًا أن التجديد أمر ثابت في الإسلام بنص صريح.

     ولكنه توقف عند ذلك الحد، فحتى وثيقة تجديد الخطاب الديني والتي استمرت مناقشاتها أكثر من 3 سنوات لم تظهر للنور حتى الآن، وكانت معظم جلساتها مع شيوخ الأزهر ذاتهم الذين يفترض أن التجديد يتجه لأفكار الكثيرين منهم كانوا غير قابلين لفكرة التجديد، ودعا إليها كبار علمائهم دون دعوة الأجيال الشابة.

     كذلك موقف الأزهر من داعش، والتي رفض تكفير تنظيمها، بل أطلق عليه لقب "المؤمن" حيث قال في بيان أصدره إن " المؤمن لا يكفر مهما بلغت سيئاته".

     حتى جاءت كلمته الأخيرة في احتفال المولد النبوي في نوفمبر الماضي والتي أثارت الجدل، حيث قال أن لا يصح الدعوة لسلخ السنة عن القرآن وعلى أن تجديد الخطاب الديني لا يعني التشكيك في السنة وهو ما لا يطالبه به أحد.

     الشيخ أحمد كريمة ومشروع تجديد الخطاب الديني

     صرح الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أنه أْعدّ مشروعًا لتجديد الخطاب الديني، بمشاركة مجموعة من أساتذة الجامعات، بالتوازي مع ما تقوم به المؤسسات الدينية في مصر.

وأضاف أنه أجرى حصرًا للشبهات المشتركة بين فصائل التطرف المنسوبة إلى الدين، وفند شبهات الإخوان، والسلفيين، والدواعش، وغُلاة الشيعة، لافتًا إلى أنه حصر بعض الشبهات تجاوزت حتى الآن 62.

     وأشار إلى أن المشروع يتضمن معالجة بعض المسائل التراثية مثل المرْويات الضعيفة والشاذة التي يُستدل منها على أحكام، فضلًا عن بعض مواقف التاريخ الإسلامي التي تحتاج إلى رؤية جديدة بعيدًا عن التعصب والتحزب.

     ونوه إلى أنه سيتم الانتهاء من المشروع خلال عام من الآن، لافتًا إلى أنه سيتم الإعلان عن الشخصيات المشاركة فيه خلال الأيام القليلة المقبلة، كاشفًا عن أنهم من جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر، وعدد من أئمة وزارة الأوقاف، بالإضافة إلى شخصيات أخرى مدنية.

     عبده ماهر: تيار التقدم سيغلب تيار الخبل الفقهي بإعمال العقل

     من جانبه أكد المستشار أحمد عبده ماهر، المفكر الإسلامي أن تجديد الخطاب الديني لن يغير الأفكار إلا عندما يِعمل الانسان عقله، فإعمال العقل يمكن أن يجبر الفقهاء وآلهة الفتاوى على التوقف عن تحريم أو تجريم أي شيء، مشيرًا إلى أنه لابد من تيار التقدم أن تغلب تيار الخبل الفقهي.

     واستند عبده ماهر إلى عدة أمثلة مثل أنه خلال ستينيات القرن الماضي دخل التليفزيون مصر وكنا نقف لنشاهد صور الأهرامات وأبي الهول ثابتة في بث تجريبي على شاشات التليفزيون بالميادين العامة، ومع أول بث متحرك انبرى الفقهاء بحرمة جهاز التليفزيون، فلم يقتنيه إلا المارقون عن الالتزام الفقهي، وكان الامتناع عن مشاهدته إنما يعني التقوى، لكن ومع التقدم صار المشايخ نجومًا بالتليفزيونات والفضائيات... وصار اقتناء التليفزيون ومشاهدته حلالاً بلالاً.

     وكذلك حكم الفقهاء بحرمة فوائد البنوك، وشهادات الاستثمار، فظهرت شركات توظيف الأموال كبديل لعمل البنوك وتأثر الاقتصاد المصري بسحب القوة الشرائية من البنوك وتحويلها لشركات توظيف الأموال حتى وقفت الحكومة وقفة أسد هصور في مواجهة أصحاب اللحى ممن كانوا يتصدرون مشهد الاستثمار الذي كانوا يسمونه إسلاميًا... فتعافت البنوك وقويت شوكة الاقتصاد.

     وكانوا ولا يزالون يحاربون النحت وأعمال الرسم والتماثيل، لكن مع التطور خضعت أفكار بعض فئات المشايخ وأيقنت بحلّية هذه الفنون فالحرمة ليست في صناعة التماثيل، لكنها في عبادتها أو التقرب بها إلى الله.

وأضاف "قالوا لابد من إرضاع المرأة لزميلها في العمل حتى يتمكنا من الخلوة ببعضهما في مكاتب ودواوين الحكومة... وقالوا بأن هذا الإرضاع يجعلها أمُّهُ ويكون هو ابنًا لها، فيمكنهما الخلوة بمكاتب ودواوين الحكومة"، وبالتأكيد لم يطبق أحد تلك الفتوى وذهبت في مهب الريح.

     وأشار إلى أن المفتى سبق وأفتى بجواز أن تظل المرأة حاملاً من زوجها لمدة أربع سنوات بعد آخر لقاء زوجي بينهما، فتلد مولودها وتسميه باسمه حتى وإن كان قد طلقها منذ أربع سنوات.

     وقالوا ولا يزالون يقولون بجواز التداوي بأبوال الإبل، وشرب منقوع غمس الذباب فهو يقيك من الأمراض، ورغم ذلك لا نجد جموع المصريين يتهافتون على بول الإبل نظرًا لنضوجهم الدوائي والعلاجي.

وقالوا بحرمة حلق اللحية والتختم بالذهب للرجال، لكن مع التقدم انتهت تلك الصيحات وما عاد لها صوت إلا من البعض.

     واخترع فقهاء مصر والسودان سُنَّة ختان الإناث، فلما تدخلت الحكومة خمدت أصوات الفقهاء وتغاضوا عن جهالاتهم التي كانوا يقولونها من أنها أنضر لوجه الزوجة وأحظى للزوج.

     وقالوا بأن للوضوء شيطان اسمه ولهان، وللصلاة شيطان اسمه خنزب، وأن دورات المياه بها شياطين تسكنها، وأن الكلب الأسود شيطان، وأن الحمار إذا نهق، فإنه يكون قد رأى شيطانًا، فعليك أن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في كل هذه الأحوال.

     وقالوا بحرمة التأمين على الحياة وعلى السيارة.. إلخ، فلما لم يأبه بهم أحد قالوا بأن التأمين نوع من التكافل الاجتماعي، فصار حلالاً.

     وقالوا بأن المصالحة مع اليهود حرام، فلما زمجر لهم رئيس الجمهورية آنذاك "أنور السادات" قالوا وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، فصارت المصالحة مع إسرائيل حلالاً.

     وقالوا بأن الموسيقى حرام والتمثيل حرام والغناء حرام، فأرغمهم التقدم على التنازل بعض الشيء عن ذلك التحريم، فقالوا بأن تمثيل أدوار الأنبياء والصحابة هو الحرام....إلخ.

     وقالوا الصلاة في البنطال حرام وحلق اللحية حرام، وها أنتم ترون بأن غالبيتهم حلقوا لحاهم وكثير منهم يصلون في البنطال، مما يدل على أنه لا شك بأن تيار التقدم يجرف في مراجعته الأفكار الرجعية والمخبولة والعنصرية للفقهاء، والحل لا يكمن في خطاباتهم أكثر مما يكمن في إعمال العقل ومعرفة الدين ليس عبر شيوخهم بل عبر القرآن.

     ماهر فرغلي: الفقهاء يكرهون أن يخرج الإسلام إلا من حناجرهم

     من جانبه علق الباحث الإسلامي ماهر فرغلي على، موقف شيخ الأزهر الرافض للتجديد والذي ظهر مليًا من خطابه في احتفال المولد النبوي مؤخرًا وقد غير سياق الحديث من تجديد الخطاب الديني إلى مطالب انكار السنة، وهو ما لم يفعله السيسي قط، وبالطبع السنة أعم وأشمل فهي تحوي كل قول وفعل وتقرير أقره الرسول، ولا أحد إلا قلة ينكرون السنة، لكن غالبية كثيرة وأنا منهم تتحدث أن هناك مشكلة في المرويات وتحتاج إلى إعادة قراءة وكتابة، وتطرح العمل على وضع مفاهيم جديدة لمصطلح الحديث.

     ويضيف فرغلي، إن شيخ الأزهر نجح في نقلنا من المعركة المهمة إلى معركة لا يتحدث فيها أحد، وهو ما دعا قنوات الإخوان للاحتفاء به، حيث قالوا إنه يتصدى للسيسي!، مشيرًا إلى أن شيخ الأزهر ومن حوله مثل الدكتور محمد عمارة، يعتبرون أن تجديد أو تطوير الخطاب الديني حياة أو موت بالنسبة لهم، إنهم يحيون وتموت الأمة، إنهم لا يهمهم أن الإسلام ذاته في مأزق حقيقي، كل ما يشغلهم أن السيسي، هو من يدعو لتجديد الخطاب، إنهم يكرهون أن يخرج الإسلام إلا من حناجرهم، وهذا خطأ شديد.

     رغم إن القرآن يقرر: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وقد كان التجديد مسعى أساسيًا في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، طبقًا لإعلان باريس لتجديد الخطاب الإسلامي، وما قامت الحضارة الإسلامية إلا بفكر وخطاب متجددين، وما انحسرت إلا حين توقف التجديد وران على العقل الإسلامي الصدأ ألف عام، فالحاجة ملحة اليوم لإعادة تشغيل طاقات التجديد بخطاب ديني منفتح على الإنسانية وعلى معطيات الحضارة الحديثة، قادر على مواجهة التحديات المعاصرة التي تواجهها مجتمعاتنا.

     أبرز القضايا التي تحتاج إلى معالجة: رؤية الآخر.. حقوق المرأة.. الرؤية الصحيحة للعالم الخارجي

أما أهم وأبرز القضايا التي يجب معالجتها وفق فهم جديد يتسق ومواثيق حقوق الإنسان ودولة المواطنة وفي ضوء الشريعة وثوابت الدين.

     1-تصحيح النظر إلى المرأة:

الخطاب الديني السائد يخاطب المرأة من منطلق علوّ الرجل عليها، ويراها كائنًا عاطفيًا لا تحسن التصرف إلا تحت وصاية الولي المرشد، وهذه نظرة غير إنسانية وغير أخلاقية وغير إسلامية. وبالنظر إلى ما حدث في تونس، فعندما أطلق الرئيس التونسي السبسي فكرة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، بادر رجال الدين والحكومة إصدار قانون مؤخرًا يحكم بذلك، فليس الأمر بجديد وأيضًا ليس ببعيد.

     2-تصحيح النظر إلى الآخر المختلف مذهبيًا أو دينيًا:

الخطاب الديني المهيمن؛ خطاب مذهبي تعصبي للأكثرية، يدعي تملك الحقيقة المطلقة، سواء فيما يتعلق بالمعتقد الديني أو الرأي الفقهي أو السياسي، فالفرقة الناجية واحدة، والجنة لا تسع إلا تلك الفرقة وأتباعها، ومن هذا المنطلق يكفر الآخر أو يحكم عليه بالضلال والانحراف أو يخونه، وقد يستبيح دمه بفتوى طائشة، ولا يكتفي بكل ذلك، بل يسعى إلى فرض وصايته على المخالفين وإلزامهم بحكمه، بحجة أنه يمثل الأكثرية المذهبية أو الدينية أو العرقية، ليس من حق الأغلبية الجور على الحقوق الأساسية والطبيعية للأقلية المخالفة.

     فعلى الخطاب الجديد تجاوز أوهام تملك الحقيقة، وحق الوصاية وفرض الرأي وتكفير المخالفين والتخوين، فمالك الحقيقة المطلقة هو الله، الذي يفصل بين الناس ويقرر مصيرهم، وعلى الخطاب الجديد الانشغال بما يجمع بين الناس وما يعزز المشترك الديني والمذهبي والأخلاقي والوطني بين أبناء المجتمع الواحد.

     3-تصحيح رؤية العالم:

الخطاب الديني عامة مسكون بأوهام وهواجس التآمر العالمي على الإسلام والمسلمين، يرى الغرب عدوًا متربصًا، لا همّ له إلا الكيد للمسلمين والتحكم في مقدراتهم، وهو المسؤول الأكبر عن معاناة المسلمين من تخلف ومآس وفشل وتفرق، على الخطاب الديني الإقلاع عن اتهام الغرب ولعنه والدعاء عليه، وهذا الخطاب الاتهامي ينبغي تفكيكه لخطاب جديد عقلاني متصالح مع الذات ومع العالم والإنسانية كلها.

     وأخيرًا... وحتى كتابة هذه السطور لا يظهر في الأفق أي مؤشرات تدل على قابلية مشيخة الأزهر الحالية لتنفيذ أي إصلاح ديني حقيقي، ربما لأن الضغوط لتنفيذ ذلك تأتي من خارجها وربما لأن القائمين على هذه المؤسسة حاليا رجال دين تقليديون وليسوا من أصحاب النظرة النقدية المستقلة أمثال محمد عبده، رغم أن مواقفهم هذه قد تؤثر على مكانة مؤسّسة الأزهر نفسها أمام الرأي العام، كما أن قيام الحكومة بتشكيل "المجلس الأعلى لمكافحة التطرف والإرهاب"، والذي سيعمل على إصلاح جميع المناحي لهذه القضايا ومنها تجديد الخطاب الديني، يعني أن الدولة ستقوم بما يرفض الأزهر القيام به مدعومة بتعاطف شعبي، وهذا يذكرنا بما حدث في أوروبا قبل قرون على يد مارتن لوثر، من ثورة إصلاحية دينية.. فهل سيصغى الأزهر لصوت التجديد من أجل مستقبل شرق أوسط يعمه التنوير بدلاً من الفكر الظلامي؟!