Arabic English French Persian
حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 2

عادل جندي

قام الكاتب والباحث القبطى الأستاذ / عادل الجندى ، بكتابة بحث تاريخى قيم عن تاريخ الأمة القبطية منذ إحتلال العرب لمصر وحتى عصر مصر الحديثة وحكم محمد على واولاده ، وقد نشر بحثه على ستة عشر مقالاً مسلسلاً على الأنترنت خلال الفترة من 16/8/2008 وحتى 27/1/2009.وقد كان مرجعه الاساسى فى هذه الدراسة القيمة ” كتاب مخطوط تاريخ البطاركة.

ولفائدتها والمجهود المبذول فيهم قام موقع الحقيبة الإسلامية بأعادة نشرها لتصحيح المفاهيم حول الغزو الإسلامي لمصر.

الحلقة الثانية :

2 الأمويون

٥ـ مازلنا مع ساوري الذي يتناول أيام البطريرك ألكسنروس الثاني (٧٠٥ـ٧٣٠) المليئة بالأحداث، بعد أن مات قرة بن شريك:

[[وتولي علي مصر أسامة وكان مقيما علي فعل السوء وأحصي الرهبان ووشم كل واحد بحلقة حديد في يده اليسري ليُعرف هو وبيعته وكان إذا ظهر راهب غير موسوم يقطع رجله ولم يكن يحصي عدد من شٌوِّه، وحلق لحي رهبان كثيرين وقتل جماعة وقلع أعين جماعة بغير رحمة وكان يقتل جماعة بالسياط، وكان أسامة يقول للولاة سلّمت لكم أنفس الناس لتأخذوا منهم ما تقدرون عليه من أساقفة ورهبان وبيع وكلما تجدونه (*). ومن الضيق والضنك همّ الناس ببيع أولادهم ولم يرِقّ قلب الأمير بل يزيد فيما هو فيه. وكل إنسان يوجد ماشيا أو طالعا أو نازلا من مركب وليس معه سجله (**)، يؤخذ وتنهب المركب وما فيها وتضرم بالنار. وإذا أكل فأر سجل إنسان أو أصابه ماء أو نار وبقي معه منه قطعة لا يغير له حتي يدفع خمسة دنانير. وكان لأرملة صبي نزل النيل ليشرب فخطفه تمساح والسجل مربوط معه وأمه تبكي وتحترق عليه، ثم رجعت وأعلمت الأمير فلم يترأف عليها وباعت كل ما لها وطافت المدن تتصدق حتي أوفت الدنانير العشرة]] .

____________________________________

(*)كتب الخليفة سليمان بن عبد الملك إلي أسامة متولي خراج مصر: “احلب الدر حتي ينقطع واحلب الدم حتي ينصرم”. (أبو المحاسن ج١ ص ٣٣١).

(**)لم يعد مسموحا أن يترك الفرد موطنه للسفر أو الاستيطان في منطقة أخرى بدون تصريح محدد (جواز سفر!) لضمان دفع جزيته. كان هذا رد السلطة العربية على حركة المقاومة السلبية للأقباط التي أخذت شكل هجر الأراضي الزراعية والهروب الجماعي على نطاق واسع من مكان إلي مكان فرارا من التعسف في الجزية والضرائب، بعد ما أصبح الإلتجاء إلى الأديرة لا يعفيهم من الالتزامات المادية. وكانت الأراضي تصادر لصالح القبائل العربية، ثم يجبر الفلاحون القبط على زراعتها دون مقابل. أما الأرض التي يزرعها العرب فقد كانت “عشرية” أي لا يدفع عنها خراج، بل الزكاة فقط.

[[ثم كشف علي الأديرة فوجد فيها جماعة من الرهبان بغير وشم، فمنهم من ضربت رقبته ومنهم من مات تحت السياط. ثم أنه سمر باب البيعة بالحديد وطلب منهم ألف دينار، وجمع مقدمي الرهبان وعذبهم والتمس منهم عن كل واحد دينارا وهدد بهدم البيع وتخريبها وبإرسالهم في مراكب الأسطول (*). فقلق شيوخ الرهبان ولم يكن لهم سوي الصلوات والتضرع. وسريعا توفي الملك الكبير (الخليفة) سليمان بن عبد الملك، وتولي مكانه عمر بن عبد العزيز الذي كان أمير مصر]].

__________________________________

(*)كانت مراكب الأسطول العربي تزود بالبحارة والجنود المصريين (القبط) الذين يجبرون علي العمل فيها حتي موتهم بعيدا عن أهلهم وديارهم. بل تم ترحيل آلاف، بعائلاتهم، من صناع السفن القبط لينشئوا ترسانة سفن في أفريقا قبيل غزو الأندلس. وقد أطلق هؤلاء اسم مدينتهم الأصلية على المكان الجديد: تنّيس = تونس.

[[ وبدأ (عمر) يرفع الخراج عن البيع والأساقفة وأبطل الجبايات وكان النصاري في أمن وهدوء. ثم من بعد ذلك بدأ يفعل السوء وكتب إلي والي مصر يأمر أن “كل من أراد أن يبقي في (عمله) وبلاده فليكن علي دين محمد”. فسلّم النصاري خدمتهم للمسلمين وصاروا عبرة لكثير، وتسلطت يد الولاة والمتصرفين والمسلمين علي النصاري في كل مكان، كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم. وأمر أن تؤخذ الجزية من سائر الناس (الذين كانوا معفيين منها) الذين لا يٌسلِمون. ولم يمهله الله لكن أهلكه سريعا]].

[[ثم تولي بعده يزيد، ولا يحسن أن نشرح ما جري في أيامه ولا نذكره من السوء والبلايا، لأنه سلك في طريق الشيطان وحاد عن طريق الله. وما إن أخذ المملكة حتي أعاد الخراج الدي كان عمر بن عبد العزيز قد رفعه عن البيع سنة واحدة وحمّل علي الناس حملا عظيما حتي ضاق كل من في البلاد، وأمر بكسر الصلبان في كل مكان وكشط الصور التي في البيع. ولكنه مات بعد أن ملك لسنتين وأربع أشهر]] .

[[وتولي بعده (أخوه) هشام وكان رجلا خائفا من الله علي طريق الإسلام وكان محبا لسائر الناس (..) وأمر أن تعطى لمن يدفع الخراج براءة (وثيقة أو صك) حتى لا يُظلم أحد. (وولي) عبيدَ الله خراجَ مصر، ولما وصل أمر بأن تحصي الناس والبهائم وأن تقاس الأراضي وأن يجعل طوق رصاص في حلق الناس من ابن عشرين سنة (..) وضاعف الخراج وأقام ظلما كثيرا وجعل يسم علامة علي أيدي النصاري. وقبض والي الإسكندرية علي البطريرك ألكسندروس ليسمه فامتنع والتمس المضي إلي الملك (أي الوالي؛ ليشتكي من أمر الوسم) فأنفذه إلي مصر مع جند إلي عبيد الله، فلما عرفه هذا سبب حضوره لم يتركه بدون وسم. فطلب أن يمهله ثلاثة أيام وصلي سائلا الرب أن ينقله من هذا العالم سريعا، فمرض سريعا ثم توفي. لكن عُبيد الله قبض علي كاتب البطريرك الذي كان نقله (من السجن) ليموت في كرسيه، وطلب منه ألف دينار فلم يقدر، فسلمه إلي بربر متشبهين بالسباع فجرجروه حتي باب بيعة ماري جرجس ونزعوا ثوبه وألبسوه مسح شعر وعلقوه بذراعيه وضربوه بالسياط وأقاموا أسبوعا يعذبونه حتي جمع الناس ثلثمائة دينار فأفرج عبيد الله عنه بعد أن قارب الموت]].

٦ـ في أيام الأنبا ثاودوروس (٧٣١ـ٧٤٣) يقول ساوري: [[كان عُبيد الله ينزل عذابا وبلايا وخسارات علي أهل مصر. ولما تمادي ثار عليه قوم من مقدمي المسلمين مضوا إلي (الخليفة) هشام يشكونه فعزله]].

[[ تولي بعد عُبيد الله ولده القاسم الذي صار الشر فيه أكثر من أبيه دفعات. ثم عُزل عن الولاية، (كما) توفي ثاودروس. وفي طريقه (القاسم) إلي دمشق لحق به في بلبيس أساقفة وجماعة من النصاري سائلين أن يسمح بإقامة بطريرك جديد فالتمس منهم مالا، فلم يدفعوا. ثم تولي حفص بن الوليد الحضرمي، ورُسم خائيل]] .

٧ـ وفي أيام البطريرك خائيل ٤٦ (٧٤٤ـ٧٦٨): [[أمر حفص أن يصلي كل من بمصر وأعمالها بصلاة السُنّة وكل من يتخلي عن دينه ويكون مسلما لا تؤخذ منه بعد جزية (..) ولأجل هذه الخصلة ضل خلائق من المصريين النصاري فتخلوا عن دينهم، ومنهم من اكتتب وصار من العسكرية. وكان البطريرك ينظر وهو حزين باك (..) وحضر أراخنة وقالوا له “صلِّ واجتهد فقد أحصينا من انتقل إلي دين الإسلام في مصر وأعمالها علي يد هذا الوالي أربعة وعشرين ألف إنسان]] .

[[ومات حفص محترقا بالفسطاط وتولي بعده حوثرة من قِبَل مروان بن محمد الذي اختطف الخلافة من ابراهيم بن الوليد. وكان محبا للأرثوذكسيين وقامت السلامة والهدوء بمصر خمس سنين ثم عُزل وتولي عبد الملك ابن مروان (..) وكان يبغض النصاري جدا وبه تكبر عظيم وأنزل تعبا عظيما علي أهل مصر. وحدث خلاف مع الروم حول (ملكية بعض الـ) كنائس وكان الوالي مرتشيا من الروم. ثم عُزل وصار عوضا عنه رجل من أولاد قضاة المسلمين يسمي أبا الحسن وكان شيخا وديعا لا يحابي أحدا ولا يأخذ برطيلا (رشوة) وكان حكيما في كلامه يقطع بالحق في قوله (فأنصف القبط) ]].

  

[[وأحضر عبد الملك الأنبا خائيل إلي مصر لأجل خراج بيعه (*)، وطلب منه ما لا يقدر عليه فاعتقله ووضع في رجليه خشبة وطوق حديد في رقبته، وكان معه أنبا موسي أسقف أوسيم وتادرس أسقف مصر. وجعلهم في خزانة (زنزانة) لا تنظر الشمس وليس فيها طاق وكان تحت ضيق من التكبيل بالحديد شهرا. وكان معهم في الاعتقال ثلاثمائة رجل ونساء أيضا في ضيق أكثر من الرجال. وكان المرضي يجيئون للبطريرك ليبارك عليهم، من النصاري والمسلمين حتي البربر (..) ثم أحضره الملك وطالبه بالمال وضيق عليه، فطلب أن يأذن له بالذهاب للصعيد “ومهما دفعه لي النصاري وساعدوني أحضرته لك”. فأطلقه. وكانت كورة مصر قد هلك أهلها من الظلم والخسائر والخراج]].

_______________________________________

(*)ضرائب مباني الكنائس والأرض الزراعية الموقوفة عليها، إن وجدت.

[[ولما علم مرقوريوس ملك النوبة (*) بما حدث للأب البطرك أرسل إلي عبد المك رسولا ليطلقه، فأخذ (رسوله) واعتقله. فسار في عسكر عظيم مائة ألف فارس ولما قربوا إلي مصر نزلوا ببركة الحبش ونهبوا وقتلوا المسلمين وكانوا قد فعلوا ذلك بمسلمي الصعيد. فلما علم (عبد الملك) بوصول ملك النوبة ولم تكن له قدرة علي محاربته أطلق رسوله. وكتب البطريرك (الذي كان الوالي قد أطلقه ليتسول المال) يطلب من (الملك) أن يعود لبلاده بغير حرب. فعاد بعسكره بعد أن نهب من المسلمين شيئا كثيرا. و(قبلها) كان المسلمون (من مصر) يسرقون أهالي النوبة ويبيعوهم (في سوق العبيد)]].

___________________________________

(*)مملكة النوبة كانت تشمل النوبة والسودان الحاليين حتى الخرطوم.

[[ولم تجد ديار مصر طمأنينة ولا راحة في أيام مملكة عبد الملك، وصنع مع الديارات (الأديرة) ما لا يجوز لبغضته في النصاري. ثم كانت له ابنة عمرها أربع سنين بها روح نجس فسأل الأب البطرك أن يصلي عليها ففعل وخرج منها الشيطان فصار يحب النصاري (؟)]].

[[وكان في ذلك الزمان أن جند (الخليفة) مروان كانوا يتحاربون ويسفكون دماء بعضهم البعض ولا يهدأون من الحرب. وقام عليه عبد الله أبو مسلم الخرساني. وأخرج مروان من دمشق مالا كثيرا وجواهر وذخائر وأحرق الباقي بالنار (لكي لا يحصل عليها العباسيون). وفي طريقه (للهرب) لمصر، راح لشيخ راهب يسأله عما سيجري له فقال له “إذا قلت لك الحق تقتلني ولكن أنا قول لك ما أظهره الله لي. بالكيل الذي كلت به يكال لك وكما جعلت الأمهات بغير أولاد كذلك تصير أمك بغير أولاد ويأخذ ملكك الذي يتبعك الآن”. فلما سمع ذلك أنزل الشيخ وحرقه بالنار وهو حي. ووصل لمصر (سنة ٧٥١) وكان قبلها أن عصي علي عبد الملك قوم من البشمور (*) ومقدمهم مينا بن بكيره وقوم أخر من شبرا سنبوط ومسكوا تلك الكورة ولم يعطوا خراجا فخرج عليهم عبد الملك بعسكر فهزموه. ولما وصل مروان أنفذ عسكرا كثيرا من مسلمي مصر وممن وصل بصحبته من الشام فلم يقدروا الوصول إليهم لأنهم تحصنوا في مواضع الوحلات (مستنقعات وبحيرات شمال الدلتا)]].

______________________________________

(*) بعد المقاومة السلبية وعمليات الهروب الجماعي، بدأ القبط في القيام بثورات متعددة شملت الوجهين القبلي والبحري، وكان أعنفها تلك التي قام بها عدة مرات أهل البشمور، وهي المنطقة الرملية الساحلية شمال الدلتا. كانت أول الثورات في ٨٧هـ (٧٠٦م) في الدلتا وأيضا الصعيد، وأخمدتا بالقوة. وقامت ثورة ثالثة في عهد هشام بن عبد الملك في ١٢٠هـ (٧٣٨م) ثم رابعة في ١٢٢هـ (٧٤٠م) علي يد يُحنّس (يؤنس، حنا) القبطي في سمنود. وتجددت بعدها للمرة الخامسة (كما سنري في الفقرات التالية) في رشيد في عهد مروان آخر الخلفاء الأمويين (راجع المقريزي“إغاثة الأمة بكشف الغمة ”). أما الثورة السادسة فكانت أيام العباسيين (راجع المقال القادم). ويقول جمال الدين:“وقد كشفت تلك الأحداث عن أن العلاقة بين معظم الحكام والبلدان التي تم احتلالها لم تكن إلا لحلبها حتي تدر الدم، والبطش بكل من يحاول الاعتراض.

[[وجاء مروان لمصر ووجد من وصل معه ثمانية آلاف فأمر الرعية قائلا: “كل من لا يدخل ديني ويصلي صلاتي ويتبع رأيي من أهل مصر قتلته وصلبته، ومن دخل معي في ديني خلعت عليه وأركبته وثبّتُّ اسمه في ديواني وأغنيته”. فتبعه ألف إنسان سريعا وصلوا صلاته (أي أسلموا) فدفع لكل واحد عشرة دنانير (..) ودخلت جيوش مروان اسكندرية (بقيادة) حوثرة وقتل كثيرين ونهب أراخنتها وأسَر أولادهم ونساءهم وأخذ كل ما لهم. وأخذ الأنبا خائيل وقال له كيف مكنت أولادك النصاري (البشامرة) أن يقاتلونا؟ (..) وأودعه السجن. وسجن أيضا بطريرك الملكيين ولكن شعبه جمعوا ألف دينار بعد خمسة أيام فأخلي سبيله، وطلب (حوثرة) من الأنبا خائيل أيضا مالا فقال له ما في بيعتي شيء فافعل بي ما شئت. فجذبه وطرحه على ركبتيه وضربه بقضيب مائتي ضربة علي رأسه وكانوا يجذبونه وهو مثل الخروف الصامت، ثم أمر (حوثرة) أن تؤخذ رأسه ومد السياف يده ولكنه غير رأيه وقال نحمله إلي رشيد وندعه يكتب لهم (البشامرة، ليكفوا عن العصيان)]].

[[وخرج البشامرة وقتلوا جنود مروان. (ووصل الخبر لمروان، كما وصله أن أعداءه العباسيين قد اقتربوا) فكتب لجنده الذين انهزموا يقول “تعالوا إليّ بسرعة فقد احتجت لكم وكل بلد تصلون إليه انهبوه واقتلوا أهله”، فسار أولئك الكفرة إلي الصعيد وقتلوا جماعة من الأراخنة ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم وأهاليهم وأولادهم وأحرقوا ديارات (أديرة) الرهبان وأخذوا الراهبات. (تفصيل قصة الراهبة التي خدعت الجند ليقتلوها بالسيف مفضلة الموت)]].

[[ووصل الأب البطرك في صحبة الجند (إلى الفسطاط؟) وأمر مروان بإحضاره إلي خيمته. وكان حوثرة الكافر عند مروان يقول له: هذا البطرك كان يقول للنصارى تقووا فإن الله ينزع المملكة من مروان ويسلمها لأعدائه. فلما سمع مروان قال له (على لسان ترجمانه): أنت بطرك اسكندرية؟ فقال: أنا عبدك نعم. فقال مروان: (بل) أنت رئيس أعداء مذهبنا (ديننا). فأجاب: ما أنا رئيس أشرار. وشعبي لا يعمل سوء، لكن التعب أهلكهم حتى باعوا أولادهم. ثم أمر مروان الأعوان أن ينتفوا شعر لحيته، وكانت كبيرة نازلة على صدره. وكان الخرسانيون في البر الشرقي وليس لهم وسيلة لعبور النيل (سبق مروان وأحرق كل المراكب). وقيل لمروان أنهم وجدوا سبيلا للعبور (..) وأمر أن يحفظ البطرك ومن معه للغد. ثم (رجع). ومع شروق الشمس أتوا بالبطرك أمامه وأوقفه بين يديه وتركه نحو عشر ساعات وكان حوله سيوف مسلولة وآلات حرب وكان من معه عشرة (أساقفة وكتبة) مع جنود يعذبونهم ويتشاورون عليهم (..) وسأل عبد الله بن مروان أباه أن يطلقهم: “لأن الأعداء يقتربون وإذا اشتد الأمر نمضي لبلاد السودان وهم (أتباع) هذا الشيخ (البطرك)، فإن قتلته قاموا علينا”. فقيدهم بالحديد ووضعهم في الحبس في سجن الجيزة]].

[[ثم أمر مروان من معه أن يقتلوا ويأسروا وينهبوا الناس، وأنفذ إلى الصعيد وقتل جماعة (= كثيرا من) النصارى. وبعد ما أفسدوا واستباحوا من النساء وأفسدوا من العذارى كثيرين، جاء قوم للخرسانيين ودلوهم على طريق ليعبروا النيل. فتابعوا أصحاب مروان وقاتلوهم. وحمل مروان نساءه وأمواله وهرب خفية]].

[[وأطلق البطرك ومن معه (..) والحديد (= القيود) في أرجلهم. والله يشهد أن قوما من المسلمين نزلوا من خيلهم وفكوا الحديد ومضوا بهم إلى كنيسة مار بطرس في الجيزة]].

[[وطارد الخرسانيون مروان وأصحابه وصلبوه منكسا بعد أن قتلوه]].

***

وعلي هذه الخلفية الدموية نأتي إلي نهاية حكم الأمويين ومجيء العباسيين، بمساعدة واضحة من المصريين، بل السماء أيضا [[وكان النيل يزيد كل يوم نحو ذراع فكان الناس يقولون أن يد الرب مع الخرسانيين]].

وأكرم العباسيون الأنبا خائيل كرامة عظيمة وسامحوا البشامرة من الخراج ….

لكن هل بقيت الأمور على حالها؟

حكايات الإحتلال العربي لمصر وتصحيح بعض المفاهيم جـ 1

عادل جندي

قام الكاتب والباحث القبطى الأستاذ / عادل الجندى ، بكتابة بحث تاريخى قيم عن تاريخ الأمة القبطية منذ إحتلال العرب لمصر وحتى عصر مصر الحديثة وحكم محمد على واولاده ، وقد نشر بحثه على ستة عشر مقالاً مسلسلاً على الأنترنت خلال الفترة من 16/8/2008 وحتى 27/1/2009.وقد كان مرجعه الاساسى فى هذه الدراسة القيمة ” كتاب مخطوط تاريخ البطاركة.

ولفائدتها والمجهود المبذول فيهم قام موقع الحقيبة الإسلامية بأعادة نشرها لتصحيح المفاهيم حول الغزو الإسلامي لمصر.

الحلقة الأولى :

نعم ما حدث قد حدث، ولن نعيد عجلة التاريخ؛ لكن ألا يجب أن يكون هناك حد أدني من الاتفاق بشأن ما جري مع غزو العرب لمصر وما تلاه علي مر العصور؟ أليس من الضروري أن يهتم “العنصر الغالب” في “السبيكة المصرية” بإدراك حجم المعاناة التي مر بها العنصر الآخر؟ أليس من المهم تطهير الذاكرة الوطنية، أو علي الأقل إدراك ما هو التاريخ المشترك لعناصر السبيكة (بدون أن يعني ذلك ـ بالطبع ـ جلد المعاصرين أو أخذهم بجريرة أفعال الأقدمين)؟

لن ندخل في تفاصيل عملية دخول العرب ذاتها ولا في مبرراتها المباشرة. هناك من الكتابات الأمينة ما تناولت الموضوع بشكل موضوعي، وعلي رأسها كتاب سناء المصري “هوامش الفتح العربي لمصر ـ حكايات الدخول” (دار سناء ـ ١٩٩٦). وقد تعرضنا لهذا الموضوع من قبل (فصول “التفسير الجحاوي للتاريخ” و “الثور الناطح” الخ من كتاب “الحرية في الأسر”) ولا داعي للتكرار.
 هناك من قد يوافق، ربما من باب الجدل، أن دخول العرب لم يكن “فتحا” بل “غزوا”؛ ولكنه سيسارع إلي القول أن العمليات الحربية أثناء الحروب لها ضروراتها وطبيعتها المرتبطة بعصرها، وأن العرب ـ على أي حال ـ لم يكونوا بعد ذلك أسوأ من غيرهم من الغزاة، بل ربما أفضل، والدليل أن القبط قد ساعدوهم على دخول مصر. كما أن مصر كانت محتلة قبلهم، فلماذا التشنج بشأن العرب وحدهم؟
في محاولة لمعالجة الموضوع بهدوء، سنرجع بصفة رئيسة إلي عينات ومقتطفات مما كتبه “ساوري” (الذي عاش زمن المعز لدين الله الفاطمي، وتوفي أواخر القرن العاشر) مستندا إلي مخطوطات وروزنامات الأديرة. والهدف هو توضيح الصورة من وجهة نظر”المهزومين”، علما بأن ساوري لم يكتب تاريخا عاما مفصلا، بل حصر نفسه في الأحداث التي ارتبطت بالبطاركة. ولكن الباحث عبد العزيز جمال الدين رأي في المخطوطات (غير المعروفة على نطاق واسع) أهمية هائلة فأطلق علي كتابه الذي يحويها زائد تعليقاته وشروحه “تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة”(٦١٠٠ صفحة في ستة مجلدات).


بعض الأسئلة التي يلزم الالتفات للإجابة عليها عبر قراءة المقتطفات هي:
١ـ ما مقدار “الحقوق الدينية” التي “تمتع” بها الأقباط، وهل توافقت مع شروط العهد الذي وقعه العرب عند الغزو الذي يقول: [(..) هذا ما أعطي عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان علي أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبَرّهم (أي أراضيهم الزراعية) وبحرهم (أي النيل)، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينقص (..) وعلي أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا انتهت زيادة نهرهم (..)].


٢ـ كيف تعامل الولاة والخلفاء مع القبط فما يتعلق بالجزية والخراج وباقي أنواع الجباية؟ علما بأن الجزية كانت مبدئيا دينارين (ذهب) علي كل ذكر بلغ الحلم؛ أي باستثناء الأنثى والصغير والشيخ الفاني. وإذا افترضنا تعادل قيمة الدينار مع الجنيه الذهب الحالي (وهو فرض معقول)، فإن الجزية بفلوس هذا الزمان تصبح ألفي جنيه على كل رأس وهو ما يعادل حوالي ٢٤٪ من متوسط الدخل القومي السنوي للفرد في مصر.


٣ـ كيف أثرت سياسات وممارسات الولاة والخلفاء على الحياة المعيشية للقبط، وكيف تقبلوها؟ وإن كان نور الإيمان قد أشرق علي الكثيرين منهم بمحض اختيارهم، فما تأثير تلك السياسات علي معدلات التحول للإسلام؟


٤ـ كان تعداد القبط الخاضعين للجزية عند الفتح  ستة (وفي قول آخر ثمانية) ملايين، مما يعني أن تعداد السكان كان أكثر من ١٥ مليونا: كيف ولماذا أصبح أقل من ثلاثة ملايين بعد ١١٥٠ سنة عند مجيء الحملة الفرنسية؟ وكيف أصبحت أرض مصر الزراعية مليوني فدان في عهد ابن المدبر (٦٨٠م) بعد أن كانت ستة ملايين فدان في العصر البيزنطي؟

***
١ـ يتعرض ساوري للغزو الفارسي الفظ (حوالي ٦١٧ـ٦٢٧) وكيف انتهى على يد هرقل، الذي عين “قيرس” (المقوقس) حاكما وبطريركا على مصر، مهمته إعادة القبط بالذوق أو بالعافية إلى مذهب بيزنطة، اعتقادا منه أن الخلافات المذهبية تهدد وحدة وأمن الامبراطورية. وعندها هرب الأنبا بنيامين (البطريرك ٣٨) إلى الصعيد. ثم يتعرض ساوري للغزو العربي ومعارك وسقوط بابلون، وبعدها بسنوات ثلاث مدينة اسكندرية التي [هدموا سورها وأحرقوا بيعا (كنائس) كثيرة بالنار وبيعة مار مرقس وما حوله من ديارات (أديرة)].


ويتضح من كلامه أن القبط وقفوا على الحياد أثناء الغزو وتركوا الروم والعرب يتحاربون. ويبدو أنهم كانوا سعداء بالتخلص من البيزنطيين، ولكنهم في نفس الوقت كانوا متوجسين من “العرب”، فمصر كانت دائما عرضة لغارات الأعراب الساكنين على حواف الصحارى بهدف السلب والنهب؛ لكن هؤلاء كانوا يرحلون بعد غزواتهم….


وجدير بالذكر والتذكر أن جيش عمرو كان يضم، إضافة إلى البضعة آلاف “عربي”، أضعافهم من البدو الأعراب من سكان سيناء والصحراء الشرقية ومن الغساسنة والنبطيين، الذين شاركوا في الغزو تحت وعود ما سيحصلون عليه من نهائب وسلائب وسبايا.


بعد استقرار الأوضاع يقول ساوري: [[عرف عمرو باختفاء الأنبا بنيامين  فكتب (بناء علي طلب أراخنة القبط) عهد أمان وسلامة له فعاد للإسكندرية بعد ١٣ سنة. فلما رآه عمرو أحضره بإكرام وإعزاز]]. 
لكن الحال، كما نعرف جيدا لم يدم طويلا، فها هو يوحنا النقيوسي (المؤرخ الذي عاصر الغزو)، يصف الأيام الأخيرة لبنيامين بقوله بصراحة [[أن عمروا لم تكن في قلبه رحمة بالمصريين ولم يرع العهد الذي عقده معهم إذ كان رجلا من الهمج]].


وطبقا لابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٨٧) فإن عمرو قال للقبط: “إن من كتمني كنزا عنده (ثروته) فقدرت عليه قتلته”. وسمع عمرو أن أحد أهالي الصعيد اسمه بطرس كان عنده كنز، فلما سأله أنكر ولما تبين لعمرو صحة ما سمع أمر بقتله. فبدأ القبط بإخراج (إظهار) ثرواتهم خوفا من القتل.


ومن نفس المرجع (ص ١٥٣) أنه عندما سئل عمرو من أحد القبط “أن يخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصير لها”، أجاب: “لو أعطيتني من الأرض إلي السقف ما أخبرتك ما عليك. إنما أنتم خزانة لنا إن كُثّر علينا كثّرنا عليكم وإن خُفف علينا خففنا عليكم”.


٢ـ يقول ساوري عن أيام الأنبا يوحنا البطريرك ٤٠ (٦٧٧ إلى ٦٨٦):
[[وفي هذه الأيام بعد موت يزيد بن معاوية قام من كورة المسلمين ملك اسمه مروان (نوفمبر ٦٨٣ـ٦٨٥) ثار مثل الأسد إذا خرج من الغابة جائعا يأكل ويدوس الباقي برجليه، وولي ابنه عبد العزيز علي مصر (..) وفي أول سنة مضي إلي الإسكندرية ولم يكن وصوله ظاهرا فلم يخرج البطريرك ليتلقاه لأنه لم يعلم بوصوله فوشي به البعض للوالي فأنفذ بغضب وأحضره إلي الإيوان، ولم يفلح معه تبرير البطريرك وسلمه لمترسمين إلي أن يقوم بدفع مائة ألف دينار فتسلمه صاحب برج اسمه سعد رجل ليس فيه رحمة قاسي القلب أول يوم من جمعة الفصح الكبيرة ومضي ليعذبه مطالبا بالمبلغ، فأجابه “تطلب مني مائة ألف دينار وما معي منها مائة ألف درهم (..)، فما شئت أن تفعل فافعل، جسدي بيدك، ونفسي وجسدي معا بيد سيدي يسوع المسيح”. فلما سمع الكافر (*) ذلك غضب جدا وصر أسنانه وأمر أن يحضر له قصرية نحاس مملوءة جمر نار وتجعل رجلاه فيها (..) ثم أحضره وهدده إن لم يحمل ما يقرر عليه سىيلبسه ثيابا يهودية ويلطخ وجه برماد ويطوف به حول المدينة، فكان يقول له: “إن لم يخلصني الرب إلهي من يديك وإلا فما لك قدرة أن تفعل فيّ شيئا إلا بأمره”، فقال له سعد: أنا أترك لك خمسين ألف دينار وأطلقك تتسبب (تتسول) في الباقي، أجاب البطريرك: الذي أقدر عليه ثيابي التي علي جسدي. ولم يزل ينازله إلي أن بلغ عشرة آلاف دينار ووصل الأمر للكتاب (القبط) المتصرفين بالإسكندرية فقالوا له إقبل ونحن نقسطها علي الأساقفة والكتاب والدوواين (..) ثم مضوا إلي الوالي فأحضر البطريرك وكان يوم الخميس الكبير (فهدده ثم) أطلقه علي أن يحضر له كل ما يجمعه من النصاري (..) وبعد أن جمع من المال ما كان قد قرره، ساعده في إعادة بنيان بيعة (كنيسة) ماري مرقس (التي احترقت علي يدي عمرو]].


(*) استخدم ساوري تعبير “كافر” عديدا من المرات علي مختلفي الديانات، إشارة إلي الشخص “القاسي المتجبر الظالم” (وهو نفس المفهوم الدارج الذي يسخدمه المصريون اليوم).


 ٣ـ وفي أيام الأنبا اسحق (من ٦٨٦ إلي ٦٨٩) حدث أن كتب البطريرك إلي ملك الحبش وملك النوبة ليصطلحا (كانت الديانة السائدة فيهما المسيحية علي المذهب المصري وتملك الكنيسة القبطية سلطانا روحيا عليهما وتقيم لهم الأساقفة، ولكن مملكة النوبة كانت أحيانا تقوم بالغارات علي الحبشة لجلب الرقيق الواجب عليها تقديمهم لوالي مصر طبقا للعهد الذي وقعوه أيام عثمان). [[ولكن هذا أغضب الوالي عبد العزيز  جدا، وأنفذ من يحضر البطريرك ليقتله (..) ولكن عندما أحضر إليه الرسل لم يجد شيئا مما ذُكر له (إذ تخلصوا من تلك الرسائل) فأعاد البطريرك للإسكندرية، لكن لم يدعه بعد ذلك يصعد لمقابلته وأمر بكسر جميع الصلبان التي في كورة مصر حتي صلبان الذهب والفضة فاضطرب نصاري أرض مصر. ثم كتب عدة رقاع وجعلها علي أبواب البيع (الكنائس) بمصر والريف يقول فيها “محمد الرسول الكبير الذي لله، وعيسي أيضا رسول الله، وأن الله لم يلد ولم يولد”]].


٤ـ وفي أيام الأنبا سيمون (من ٦٨٩ إلي ٧٠١) [[أمر الوالي بأن تمنع قداسات النصاري، وقال إنهم ضالون يجعلون لله زوجة وولدا. (لا نعرف كم من الوقت ظل هذا المنع قائما). وبعدها وصل قس من الهند يطلب من البطريرك أن يرسم لهم أسقفا للهند ولما كان أهل الهند غير مطيعين للمسلمين، قال: لا أقدر بغير أمر الأمير المتولي علي كورة مصر، فخرج من عنده ليمضي للأمير فاجتمع به قوم من الغايانيين (جماعة خارجة عن الكنيسة الأرثوذكسية) وأوسموه أسقفا وكاهنين. وبعد مسيرة عشرين يوما في طريق العودة قبض عليهم حفظة الطريق الذين من قبل المسلمين وأنفذوهم إلي الخليفة عبد الملك فقطع أيديهم وأرجلهم وأنفذهم إلي مصر وكتب للوالي عبد العزيز يستعجزه ويقول له “كأنك ما تعرف ما يجري في بلادك، إن بطرك النصاري المقيم في الإسكندرية  قد أنفذ أحبار مصر إلي الهند ويجب أن تضربه مائتي سوط وتأخذ منه مائة ألف دينار وتحملها إلينا بسرعة”. فأحضر الوالي سيمون البطريرك (..)، وبعد فترة  اكتشف الحقيقة وصلب من قام برسم الأسقف و(ترك البطريرك). وكان سيمون مجتهدا طول عمره أن لا تكون عثرة بين النصاري والمسلمين]].


٥ـ وفي أيام ألكسندروس الثاني (٧٠٥ إلي ٧٣٠): [[وكان للوالي عبد العزيز ولد أكبر يسمي الأصبغ وكان يُظن أنه يجلس عوضا عن أبيه إذا توفي فولاه علي جميع الكورة واليا ومستخرجا (يجمع الخراج) وكان جميع القسوس يسمعون له بخوف لأجل كونه ابن الأمير، ولكنه كان مبغضا للنصاري سفاك الدم، رجل سوء كالسبع الضاري. ووشي البعض عنده (الأصبغ) بالرهبان فأنفذ وأحصي جميع الرهبان في كل الكور وجعل عليهم جزية دينارا واحدا علي كل فرد، وهذه أول جزية عليهم، وأمرهم ألا يُرهبنوا أحدا بعد من أحصاه، ثم ألزم أساقفة الكور بألفي دينار كل سنة، وكان يفعل أفعالا عظيمة ويلزم الناس أن يصلوا صلاته (..) واضطر جماعة إلي أن أسلموا ومن جملتهم بطرس والي الصعيد وأخوه وولد مقدم مريوط وجماعة كهنة وعلمانيين لا يحصون من كثرتهم. ولما كان يوم سبت النور دخل (الأصبغ) إلي دير حلوان فلما نـظر صورة العذراء والمسيح بصق فيها وقال إن وجدت زمانا فأنا أمحق النصاري من هذه الكورة. و(يقال أنه) مات في اليوم التالي ولحقه أبوه بعد أربعين يوما]].


[[ثم أنفذ الأمير الكبير (الخليفة عبد الملك) ولده عبد الله ليتولي كورة مصر فكان يفعل أيضا أفعال السوء وصنع آلات يعذب بها الناس وكان كالوحش الضاري حتي أنه في أكثر أوقاته إذا جلس علي المائدة يقتلون الناس قدامه وربما طار دمهم في صحنه الذي يأكل منه فيفرح بذلك. وفي تلك الأيام خرج البطريرك ألكسندروس وسار (من الإسكندرية) إلي مصر (القديمة، حيث بني الفسطاط جوارها) ليسلم علي الوالي كالعادة فلما نظر إليه قال: إيش هو هذا؟ قالوا له هذا أب وبطريرك جميع النصاري، فأخذه وسلمه لواحد من حجابه وقال له: إفعل ما تراه من الهوان إلي أن يقوم بثلاثة آلاف دينار. فأخذه ثلاثة أيام والنصاري يطلبون من أجله، ووقع خوف عظيم علي الأساقفة والرهبان، وذهب جرجه الشماس للوالي وقال له: يا سيدنا هل تطلب نفس البطرك أو المال؟ فقال له أريد المال، فقال له جرجه ضمني إياه مدة شهرين أنحدر به أطلب المال. فسلمه إليه فطاف به المدن والقري علي المؤمنين بالمسيح حتي حصل المال. وكان (الوالي) يجمع الأساقفة والمقدسين والرهبان فيهزأ بهم بتجبر بكلام صعب ويقول لهم: “أنتم عندي مثل الروم ومن قتل منكم واحدا غفر الله له لأنكم أعداء الله”]].


[[ولما استوفي الخراج من الناس زاد عليهم ثلثي دينار فوق كل دينار، حتي أن بيعا (كنائس) كثيرة خربت بهذا السبب. وكان محبا للمال جدا. وأنزلت علي الناس بلايا عظيمة وقُتل لأجل ذلك كثيرون وأوسم الغرباء الذين وجدوا علي أيديهم وجباههم ونفوا. وكان علي الأرض قلق واضطراب، وأمر ألا يدفن ميت حتي يقومون عنه بالجزية}.


{وبعد سنتين مات (الخليفة) عبد الملك وتولي بعده ابنه الوليد (٧٠٥ـ٧١٥)، فولي علي مصر قره ابن شريك (في ٧٠٨) وأنزل قره بلايا عظيمة علي النصاري والمسلمين]].


[[ولما جاء البطريرك كالعادة إلي مصر ليهنيه بالولاية ويسلم عليه، قبض عليه وقال له: الذي قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج أن تقوم لي بمثله. فقال له أن ذلك كان بسعاية ناس السوء وأن ليس معه نقود. فقال له: هذا كلام ما ينفع ولو إنك تبيع لحمك لا بد من ثلاثة آلاف دينار وإلا فما تخلص من يدي. ثم تركه قره يسير إلي الصعيد يطوف المدن والقري ولقي مشقة وغربة. (وبعد اتهام بإخفاء مال) أحضر البطريرك وهم بقتله، وكبله بالحديد وطرحه في السجن وبعد سبعة أيام ألزمه أن يقوم بالثلاثة آلاف دينار. ولحقه تعب عظيم وضيق إلي أن جمع ألف دينار بعد سنتين. وكان قره يأخذ أموال كل أرخن يموت. وكان الناس يهربون ونساؤهم وأولادهم من مكان إلي مكان من أجل البلايا وعظم ظلمه. وانتشرت الأوبئة القاتلة ومات قره وأهل بيته في أحدها.


وقام ولاة (الأقاليم) بخلع الأعمدة الملونه والرخام في البيع (الكنائس) وحملوها]].