Arabic English French Persian

قداسـة الحمـار

قداسـة الحمـار

ق/ أيمن لويس

    

سمعت هذه القصة المعبرة. أن ملكًا سأل حكيمًا من الحكماء، أيهما أقوى السلطة أم القداسة؟ أجاب الحكيم: "القداسة" يا جلالة الملك. أختلف معه الملك وقال له السلطة أفضل من القداسة. فقرر الملك خوض تجربة لإثبات أيهما له الأفضلية. فذهب يتجول في البلاد ورأى إنسانًا فقيرًا معدمًا مهانًا، فأمر أن يحضروه للقصر وعينه رئيسًا للوزراء، وعين له حرسًا وحشم، وألبسه أفضل ثياب، وأركبه على جواد من أجمل الفرسان، وجعله يسير في المدينة. فإذ بالناس تنحني له وتقدم له كل إكرام واحترام ويتوددون إليه. فاستدعى الملك الحكيم وقال له: رأيت بعينك ما أقول. فقال له الحكيم: يا مولاي امنحني فرصة وأمهلنى عدة أيام لأثبت لجلالك صدق ما أقول، فمنحه الملك الفرصة فخرج الحكيم واختار حمارًا هزيلاً ضعيفًا لا يُقدر بثمن في سوق الحمير. وأخذه وبدأ يعتني به وأشاع بين الناس أن هذا الحمار هو من أحفاد الحمار الذى اعتلاه النبي فلان وأورثه لابنه فلان، وهذا من سلالة حمار النبي. فبدأ السامعون يشيعون الخبر وانتشر الخبر وعم عموم البلدان وبدأت الجموع تتوافد وتتزاحم لمشاهدة الحمار الذى تم تغطيته بهالة من الكرامة سرعان ما بدأت تتحول للقداسة. وإذا خرج قداسته للتنزه تزاحم حوله الناس، فهذه تريد أن تلمسه لتنجب وأخرى لكي يردها زوجها الذي طلقها وثالث يرجو شفاء ابنه، وإذا نهق صمتوا ليسمعوا صوته وكأنه آذان ، وإذا تبول ابتدروا التراب ليتمسحوا به، وانهالت النذور والتقدمات وصار الحمار رمز القداسة ودار الحمار مكانًا مقدسًا. وإذا خرج قداسته اصطفوا لرؤيته والتبرك به، وإذا دخل مسكنه انتظروا خارجه للسماح لهم بنوال بركة إطعامه وتنظيف مسكنه ونوال كرامات لمس روث

قداسةالحمار! .    

                                                                            

     فذهب الحكيم للملك يسأله: أيهما له القوة والسلطان؟ وأيهما يجلب المال والغنى؟ أصر الملك أن صاحب السلطان هو الأقوى ويستطيع أن يأمر بالتخلص من الحمار صاحب القداسة. فحذره الحكيم، ولكن أصر الملك وأعطى أمرًا لذلك الفقير الذي أصبح وزيرًا أن يصدر أمرًا بقتل قداسة الحمار. وما أن أصدر صاحب السلطان الملكي أمرًا بقتل الحمار ومحاولة إقناع الناس بعدم قداسته، حتى ثار الشعب وهاج وتظاهروا أمام جلالة الملك لقتل رئيس الوزراء الكافر المارق المتطاول على صاحب القداسة، وكانوا ينتظرون في الخارج حتى يخرج رئيس الوزراء للفتك به.      

  

     من هنا اقتنع الملك أنه عليه حماية صاحب القداسة الحمار، حماية لملكه وأمنه واستقراره، وأدرك أن للقداسة سلطة وكرامة تفوق سلطة الملوك. من هنا جاء تودد الملوك لأصحاب القداسات، وهذا ما شعر به قسطنطين عندما تحولت معظم الإمبراطورية للإيمان المسيحي حتى أهل بيته. ويوجد ممن اشتهوا الملك والغنى والسلطة والتسلط على العباد، من عرفوا أن القداسة هي مفتاح الوصول لهذا الهدف، فادعوا النبوة ليحصلوا على حصانة القداسة بكل ما تعنيه من حماية.    

  

     هذا ما جاء لمحاربتة السيد المسيح الرب يسوع. لأن الناس اتجهت لعبادة الدين متناسية عبادة الله، وفي عبادة الدين تحولوا لتأليه البشر وعبادة المخلوق أو جعلوا بعض من البشر شركاء لله في العبادة (رو 1: 25) الذين استبدلوا حق الله بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذي هو مبارك إلى الأبد. أمين". فحارب الكهنة أصحاب القداسات، وقد ظهرت بالفعل قدرتهم التدميرية في تحريك الشعب وإجبار الحكام على الخضوع لهم والانسياق لرغباتهم وتوجيهاتهم!! فهم يمتلكون القدرة على تحريك الجموع بكلمة ومن يقرأ الكتاب المقدس وقصة صلب المسيح يتأكد من كل هذا (متى 27: 26) "وكان الوالي معتادًا في العيد أن يطلق للجمع أسيرًا واحدًا من أرادوه ... فسأل الوالي: «من من الاثنين تريدون أن أطلق لكم؟» فقالوا: «باراباس».... حينئذ أطلق لهم باراباس وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب". ففي معرض إتمام الرب يسوع رسالة الفداء والخلاص، كان يعيد ترتيب النظم الإدارية على الأرض التى كانت تتحكم فيها الإمبراطورية الرومانية، فعمل بكل قوة على نزع القداسات عن البشر، وتحرير السلطة للإدارة الكونية من تحكم القيادات الدينية، قائلاً: في متى 21:22 "أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". فقد كان موبخًا بشدة للكهنة ورجال الدين الذين حولوا الإعلان الإلهي من رسالة إيمان تقود لعلاقة مع الرب، لدين أحسنوا صناعته، وأبدعوا في صياغة شريعته ومنحوا أنفسهم كل سلطة وسلطان ليكونوا هم المتحدثين بصوت الله ، يحرمون ويحللون ، يحكمون ويكفرون.                                                

  

     إن أصحاب القداسات في شرقنا لا ينتمون لدين بعينه، فهم متنوعون. وأصحاب القداسات هم بشر أو حجر أو شجر أو حيوانات! وهم المتحكمون، يوجهون السياسات، ويحمون الساسة ويحتمون أيضًا في سلطتهم الغاشمة، يكممون الأفواه وينعمون بتكريمهم والحصول على حصة من ثرواتهم، أقصد موارد البلاد، يكرمون ماليًا إما من موارد الدول أو من عطايا الشعب. يحدثون الناس عن الزهد ويعيشون حياة الرفاهية والتنعم.

  

     نجح الإصلاح الإنجيلي في تحرير عقلية أهل الغرب من أصحاب القداسات، ومع هذا التحرير تغيرت السياسات وأفكار وأساليب السياسة والسياسيين. فكان الإبداع والتنمية والتقدم والحرية والديمقراطية وارتفاع مستوى العلم والوعي والنضج والمعيشة، مصحوب بارتفاع في قيمة الإنسان وحقوقه، وأعلى قدرًا من العدل والعدالة الاجتماعية. حتى وإن تهكمنا على ما ظهر من انحلال أو انفلات نتيجة للإفراط في مساحة الحرية الشخصية. إلا إن الواقع أنها حرية مسؤولة اجتماعيًا، فكما أن لكل واحد الحق في أن يفعل ما يريد في نفسه، إلا إنه لا يستطيع أن يقترب عند حقوق الآخرين، أما عن الالتزام الديني، فقد أخذ المنعطف الصحيح ليكون كل إنسان مسؤول عن نفسه أمام الله يوم الدينونة، دون مظاهر أو تظاهر خادع. فحدث يقظة في الضمير أدى لانخفاض معدل الجريمة، والالتزام بالأمانة في العمل، وانضباط في الشارع واحترام للقوانين في مساواة بين الجميع وتطبيق كامل لمفهوم المواطنة.                                                    

  • مرات القراءة: 1456

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.