Arabic English French Persian

البارانويا والإسلاموية

البارانويا والإسلاموية

البارانويا والإسلاموية

ياسين المصري

 

البارانويا (paranoia) أو جنون العظمة والارتياب، عبارة عن حالة مرضية تصيب العقل البشري، عندما تسيطر عليه منظومة متكاملة من المعتقدات والأفكار الثابتة بالرغم من عدم صحتها، ومع ذلك يدور حولها هذيان (delusion) متماسك وواضح ومستمر، يتركز على الإحساس الكاذب بالعظمة (ميالومانيا Megalomania) والاضطهاد (persecution)، بمعنى أن يعيش المريض بهذه المشاعر تحت وطأة معتقدات وأفكار متسلطة تسبب له هذيانًا، قد يصل إلى حد الهلوسة.

 

وقد ظهر لفظ البارانويا بقوة في القرن 19 من قبل علماء النفس الألمان لتشخيص حالة المريض الذي يعتقد بانة عظيم وعبقري ويستطيع ان يفعل ما يعجز عنه البشر، ويعتقد أنهم لا يفهمونه، ويدبِّرون المؤمرات لإفشاله، فيكنَّ لهم الكراهية، وذلك في إشارة إلى جنون العظمة والشعور بالاضطهاد المصاحب له. وعرَّف الطبيب النفسي الألماني إميل كريبيلن (Emil Kraepelin) (1856 - 1926)، الحالة بأنها "هذيان منظم ومتماسك، ولكنه يختلف عن الهذيان الذي نجده لدى المصابين بالفصام (الشيزوفرينيا)، فالمصاب بالبارانويا لا يرى بالفعل أن هناك فيَلة وردية اللون أو ذات أجنحة تطير بها. لأنه يدرك الأشياء والأشخاص والأحداث كما هي في الواقع ، غير أنه يُؤَوِّلُها تأويلًا هذيانيًا ".

 

ومن هنا رأي بعض علماء النفس أن مصطلح "الضلال" ربما يوضح مفهوم البرانويا بشكل أفضل، وذلك لدلالته البالغة على حقيقة توقف عمل العقل وحدوث اضطراب نفسي لدي المريض، أي أنه يضل عن الواقع فيصيبة الهذيان، فلا تتوفر المقدرة لعقله كي يدرك الحقائق ويقرأ الواقع قراءة دقيقة، وإنما تكون قراءته للواقع دائما ملونة إلى حد كبير بما رسخ في عقلة من أوهام وخرافات.

 

من الطبيعي ما دام الإنسان لديه عقل سليم، أن تكون لديه قناعاته ومعتقداته وأفكاره الخاصة التي يعتزُّ بها ويحاول تبريرَها والدفاع عنها، وربما إقناعَ الآخرين بها، ولكن من الطبيعي أيضا أن يكون ذلك بهدوء عقلاني وواقعية مقبولة، وبلا اضطراب في الادراك والتفكير، أي دون هـذيان. ومن المرغوب لدي البشر ألَّا يتفشى أثر الإصابة بالهذيان البارانوئي في المجتمع بشكل عام وأن ينحصر في داخل الأسرة وبين المعارف والزملاء وحدهم، ولكن إذا كانت الإصابة جمعية شاملة ومعدية في مجتمعات بعينها، فإن الأمر خطير حقًّا. وتزداد خطورته عندما يختلط الفصام به، إذ لا تقتصر مشاعر الفرد على جنون العظمة والارتياب، وما ينشأ عنهما من هـذيان فحسب، بل يعاني أيضا من هلاوس (Hallucination) سمعية و بصرية ولمس او تهيؤات وافكار خاطئة بوجود من سيؤذيه ويكيد له ويتآمر عليه، فيفقد بذلك عدم القدرة علي التفريق بين الواقع و الخيال ويدخل في ما يعرف بالاضطراب الضلالي.

 

التساؤالات هي:

هل يختلف حال المجتمعات المتأسلمة سواء كانت ناطقة بالعربية أو بغيرها عن هذا؟

وهل كانت ولازالت شخصية نبي الأسلمة وديانته بعيدة كل البعد عن الإصابة بهذا المرض الخطير؟

وهل الأساليب المتبعة من قبل العملاء لحراسة هذه الديانة ورعايتها ونشرها لا تتم جميعها في إطار بارانوئي فصامي منذ نشأتها وحتى الآن؟.

ألَّيس ما يحدث حاليا من إجرام وحروب وتدمير في كل مكان في العالم له صلة وثيقة بكل هذا؟؟

 

لا بد أن مجموعة الفرس الخبثاء (البخاريستاني ومسلم النيسابوري وغيرهما) كانوا من الذكاء الشديد، بحيث لاحظوا بسهولة أن الأسياد الجدد من البدو العربان يعانون بوجه خاص من مرض البرانويا الفصامي المصحوب بهذيانات وهلاوس متعددة، كنتيجة حتمية لوطأة الحياة الصحراوية الُمجْدِبة التي عاشوها، ومن جراء النصر المبين الذي تحقق لهم دون عناء، على يد داهية (أيضًا فارسي من خرسان) يدعى أبو مسلم.

 

وبناء على حاجة الأسياد المرضى، لأول مرة على امتداد تاريخهم، إلى وجود ديانة خاصة بهم لتؤكد هويتهم الذاتية ومكانتهم السيادية الجديدة، قامت تلك المجموعة الفارسية بفبركة هذه الديانة بعد ما يزيد على 200 عام من موت نبيها المزعوم، بما يتفق أو ينسجم تمامًا مع مرضهم ويؤسس للإصابة به بين أتباعهم، ومن ثم اقتضت فبركتها أن تقوم باستمرار جماعات من البارانوئيين الدجالين والسفهاء الشتامين اللعانين وقطاع الطرق والإرهابين القتلة على رعايتها وتنميتها وحراستها والعمل على تعميمها.

إن الشخصية البدوية الصحراوية التي تحيا دائمًا في جَدْبٍ مادي ومعنوي تتسم بالجمود والتصلب والعجرفة وتتمزق شوقًا للسيطرة على الآخرين وممتلكاتهم، وتتميز بعدم الانكسار والإحساس الذاتي بالضعف ، فيرجعونه إلى تآمر الآخرين، وإلقاء اللوم عليهم، كما أنها تعاني من سوء التكيف الجنسي، لذا تعتبر المرأة مجرد وسيلة للمتعة الذاتية وإنجاب الأولاد. هذه السِّمات البارانوئية إتضحت بشكل قوي في المس الشبقي أو الولع الجنسي لديهم، فلا يَرَوْن في فتحات الجسد الحي (أو الميت!!!) سوى مشروع جنسي خالص، واتَّضحت أيضًا في المشاعر القوية بجنون التعاظم على غيرهم، فلا يَرَوْن مهمة لهم في الحياة سوى إنقاذ الآخرين من الضلال وإخراجهم من الظلمات إلى النور!!!.

 

بدأ الخبثاء بوضع صورة بارانوئية لشخصية نبي مزعوم بحيث تجمع في إطارها كافة السمات والسلوكيات الدالة والمؤكِّدة والراعية للمرض، وجعله أسوة حسنة في تطبيقاتها الوبائية لكل من يتبعه، ويخضع صاغرًا لتعليماته. في هذا الصدد، يقدم المفكر التونسي العفيف الأخضر فِي كتابه " محمد الإيمان إلى محمد التاريخ"، منشورات دار الجمل، كولونيا (ألمانيا) - بغداد، عرضًا رائعًا ورصنينًا وعقلانيا للدوافع البيئية والنفسية وراء هلاوس النبي وإصابته بمرض البارانويا الفصامي شأنه في ذلك شأن المجتمع من حوله.

 

تمثلت قمة الضلال الاضطهادي لدي نبي الأسلمة في الفترة المكية إذ سيطر عليه تدريجيا الاعتقاد بأنه مضطهد ومظلوم من قبل الآخرين، وأنهم يحقدون عليه، ويسيؤون معاملته، ويخططون دائما لإيذائه وتحطيمه (نظرية المؤامرة)، لأن الله اصطفاه نبيًّا من دونهم جميعًا وكرمه على العالمين. وهي نفس المعتقدات التي اعتمدت عليها المرحلة الجديدة في يثرِب، فكانت مبررا لعمليات الإرهاب والقتل والسلب والنهب والسبي. ومازالت هي المبرر الوحيد لدي أتباعه منذ ظهور الخوارج وحتى ظهور الدواعش وأقرانهم .....

 

كان من المحتم أيضًا أن يطلق الخبثاء على ديانة خاصة بهؤلاء البدو إسمًا بارانوئيًا بالمثل، فكان "الإسلام" بمعنى أن يسلِّم المرء نفسه (أي يستسلم) لقوة ميتافيزيقية، هي "الإله" أو ببساطة "الله" (بعد حزف الألف المكسورة في الوسط)، على أن يتمثَّل هذا "الإستسلام" في الخضوع التام وبلا تفكير لتلك القوة الخرافية مجسَّمة في النبي المزعوم، وفي ورثته من العملاء الدجالين وقطاع الطرق المجرمين، وفي أي شخص يقتات من الاتجار بهذَا الدين، وأن يلتزم به جميع المتأسلمين كرهًا إلى يوم الدين!؟؟

من أمثلة البارانويا الممزوجة بالهلاوس أن النبي رأى الملائكة نزلت للقتال معه في يوم بدر وأحُد، ودليل نزولهم هو : "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواغ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ {الأنفال:12}. هنا - وكالعادة - يلتقط جمع غفير من العملاء الخيط لتأكيد أدلة الهلاوس، فيذكر مسلم النيسابوري (في صحيحه) عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: رأيت عن يمين رسول الله (صلعم) وعن شماله يوم أُحُد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل. وفي رواية لمسلم أنه قال: رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله (صلعم) وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد.

 

ويجزم الشيخ النووي (من مدينة نوى في سوريا) بعد 600 عام من موت النبي المزعوم، أن قتال الملائكة مع المتأسلمين، لم يختص بيوم بدر وحدها، بل قاتلوا أيضا بحنين وبالخندق... وهكذا تتدحرج كرة الهلاوس المحمدية من جيل إلى آخر وتكبر يوما بعد يوم.

 

ولكن من المحتم على الهلاوس البارانوئية أن تبرر عدم نزول الملائكة بعد ذلك والقتال مع المتأسلمين في معاركهم التي لا تنتهي وهزائمهم التي لا تنقطع، وذلك بسبب بعدهم عن صحيح الدين، مع أن أحدًا لم ولن يستطع منذ ظهور هذا الدين وحتى يومنا هذا أن يقدم دليلًا واحدًا على صحة هذا الادعاء، لأنه يدخل كغيره من الادعاءات التي لا حصر لها في نطاق منظومة الهلاوس التي لا تتوقف!؟

 

كان البدو العبرانيين (اليهود أو بنو إسرائيل) أسبق من غيرهم عبر التاريخ للإصابة بالبارانويا، فهم شعب الله المختار حسب التوراة الذي كتبوه، وقد أضافوا إليه سِـفْراً جديداً لا يجوز إنكاره أو تكفيره وهو (سِفْر الهولوكوست)، مترافقاً مع نشر أفكار وأوهام عن عداء السامية. وجاء قرآن المتأسلمين الملفق ليؤكد هذا الادعاء، ويذكر في أكثر من سورة بأنهم شعب الله المختار، : {وفضلناهم على العالمين} [الجاثية 45 - 16 ]، و {وأني فضلتكم على العالمين } [البقرة 122] وأيضا في الدخان 32 وفِي الأعراف 140. لكن الله غير رأيه فيما بعد وبيَّن أن البدو العربان خير من بني إسرائيل ومن البشر أجميعين، ليقول : {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [ آل عمران 110].. وقال : {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة 143]، وقوله : وسطا أي خيارا عدول. ويزيد العملاء من هذا الهراء، فيقول معاوية بن حيدة القشيري أن صلعم قال في أُمَّتِه : " أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله " ( رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم ، وهو حديث مشهور) .

 

إن العوامل المسببة لمرض البارانويا لدي المتأسلمين كثيرة وعميقة بحيث أنها تؤدي إلى ازدياد حدوث هذا المرض وانتشاره بينهم، وتعمل على انتقاله من جيل إلى آخر، بوصفها هلاوس مقدسة من عند الله. كما أن الثابت علميًا وعمليًا هو: أن ملاحقة الناس والزن على آذانهم والهجوم على عقولهم ومداهمة نفوسهم ليلًا ونهارًا بأوهام عن خير أمة أخرجت للناس وعن دين الله أو {دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة 33)، أمور من شأنها نشوء نظرية  "مشاركة الأوهام    Shared delusions"، فعندما يعيش شخص سليم العقل مع شخص آخر مصاب بأوهام نفسيّة لفترة من الزمن، وبمعزل عن المصادر التي تزوه بأدلة تنفي هذه الأوهام، أو توضح دوافعها يتحول الشخص السليم إلى تبنّي أوهام الشخص المريض ويصبح مريضا مثله. ولا يتعافى من مرضه إلَّا عندما يتم فصله عن المريض وتوضيح طبيعة هذه الأوهام ودوافعها أو مسبباتها بأساليب علمية وعقلانية. وفِي هذا الشأن يقول الذكاء الشعبي: [ من يعاشر القوم مئة يوم يصير منهم].

 

لقد كان غياب المصادر المعلوماتيّة الصحيحة والموثوق بها في العالم المتأسلم، عاملا أساسيًّا لنشر الأفكار الوهميّة بين المتأسلمين وانتقالها بسهولة من الموهوم إلى السليم ، تمامًا كما تنتشر الأوبئة الُمعْدِية. (مزيد من التفاصيل في مقالات الدكتورة وفاء سلطان، الوطن ليس أرض وذكريات، إنه الإنسان، المنشورة على هذا الموقع أو من إنتاج منظمة صوت العقل http://www.thevoiceofreason.de .

غالبا ما يبدو هـذيان المتأسلمين منطقيا ومقنعًا لاعتقادهم الجازم بفكرة: (انا عظيم ... انا مضطهد)، حتى أن هذه الفكرة الخاطئة من الأساس أقنعت في عام 1997 خلية تفكير بريطانية يسارية التوجه تدعى "رنيميد ترست" برئاسة غوردون كونواي، بابتكار مصطلح "الإسلاموفوبيا Islamophobia" واستعماله لادانة مشاعر الكراهية والخوف والحكم المسبق الموجهة ضد الإسلاموية والمتأسلمين. وذهب بعض الباحثين إلى أن هذا المصطلح شكل من أشكال العنصرية. بينما العكس هو الصحيح تمامًا، ففي الإسلاموية برمتها ولدي المتأسلمين جميعًا الكثير والكثير جدًّا ممَّا يحمل أي إنسان عاقل على الخوف منهم وكراهيتهم، والتصدي لهم، ومحاولة هدايتهم إلى طريق الإنسانية بشتى الوسائل. ولكن بعض الأوربيين وغيرهم لا يعرفون ذلك وربما ليس ليهم القدرة على معرفته. ففي بعض الأحيان لا يتمكن المرء من رؤية نفسه بوضوح إلا من خلال الطريقة التي يراه بها الآخرون. على الآخرين إذن أن يروا أنفسهم بوضوح من خلال ما يراهم به المتأسلمون.

 

وعلى الآخرين أن يدركوا في يوم ما أن المتأسلمين سبايا ثقافة مفبركة، جعلتهم يمتلكون جهازاً عقائدياً مفعمًا بالأوهام والهذيانات ومليئًا بالهلاوس، تشكّل هذا الجهاز وتتطور ببطء شديد وعلى مرّ العصور، حتى أصبح منظّماً للغاية، فبدا وكأنه على درجة عالية من المنطق والإقناع، مع أنه يدور حول تصورات نرجسية لا وجود لها على أرض الواقع ولكنها ترسِّخ القناعة في وجدان المتأسلمين بأنهم مضّطهدون من قبل الآخرين، وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاد الآخرين لهم هو كونهم عظماء بدينهم وبتراثهم ومقوماتهم الوثنية، وأنهم لذلك ذوي أهمية بالغة!. تجعل الآخرين يكرهونهم ولا يتوانون لحظة واحدة عن حياكة الدسائس والمؤامرات ضدهم، ولذلك يكنَّون لهم مشاعر الكراهية والعداء الدائم والشامل.

 

إن التعلق المرضي بطغيان ديانة مفبركة، فيها الكثير من التصورات النرجسية والأوهام والخرافات في بيئة إنعزالية يسودها الضلال الاضطهادي، يخلق جوًّا ملائمًا لتفشي حالات الاضطراب والتسلط والتوتر الزائد في الاسرة المتأسلمة، مما يجعل الشخصية المتأسلمة مهيأة بنفسه لبناء منظومة البارانويا الهذيانية، والدفاع عنها حتى الرمق الأخير في حياته، إِذْ يصاب الفرد بصدمة الاهتزاز العميق في القيَمِ والمثُلِ الإنسانية نتيجة لصراعه النفسي بين اشباع رغباته وحاجاته الطبيعية وخوفه من الفشل في اشباعها بما يتفق مع أوهام وخرافات الدين الحنيف.

 

لقد كانت (ومازالت) الثقافة الإسلاموية ومصادرها الفكرية هي الوحيدة الطاغية على كافة مصادر الثقافات الأخرى في جميع البلاد المتأسلمة والعربية والمستعرَبَة، صحيح أن الكثير من جامعاتها تدرِّس كل الفلسفات والفكر والعلم الإنساني العالمي، ولكن في النهاية يظل الدارس المتأسلم رهينة للمصادر الإسلاموية وللفكر الديني وحدهما، وملتزما بما ترسَّخ في ذهنه من أوهام وكمن في وجدانه من خرافات، ويصبح بذلك عاجزا عن تبني الحقائق العلمية التى تنفي صحة الكثير منها. فمازلنا نجد باستمرار نخبًا دينية وعلمية وثقافية وهي على يقين بأن الارض مستوية وليست كروية وأن الشمس هي التي تدور حولها وليس العكس ، ومازل الكثيرون من خريجي الجامعات على قناعة بصحة بول البعير كعلاج لكثير من الأمراض إذ لم يكن جميعها، وأن مفاخذة صغيرات السن ونكاح ملكات اليمين ... إلى آخره من الأمور المستحبة لأنها أحكام إلهية!!!. ومن لم يلتزم بهذه الأمور هو حاقد أو حاسد ويخطط للقضاء على العربان وعقيدتهم... وهكذا يكون الجو الثقافي العام في المجتمعات المتأسلمة مصابًا بالبارانويا الشديدة والمزمنة ، ويخضع لـ"نظرية المؤامرة"، و يؤمن بها.

 

غالبا ما تظل القدرات العقلية لمرضى البارانويا سليمة ، فلا يمكن وصفهم بالجنون ويبقى سلوكهم عاديا خارج مجال المرض ، حتى أنهم يحافظون دوما على نشاطهم المهني والأسري وعلى وجودهم المجتمعي، لأن هذيانهم متماسك، وتبدو طريقة تفكيرهم أحيانا جد معقولة ومقنعة، كما أنهم يملكون القدرة في كثير من الأحيان على على إقناع الآخرين بهذيانهم وهلاوسهم. هنا يتحدث علم النفس السلوكي عن حالة ” الحمق المزدوج ”، فشخص مثل ألغور جيم جونس مؤسس وزعيم معبد الشمس، بدا وكأنه شخص عادي ويحمل فكرًا إنسانيًا مرغوبًا ومعقولًا، ولكنه تمكن في 18 نوفمبر 1978 من جر كافة أعضاء المعبد الـ 914 من بينهم أكثر من 200 طفل، إلى غابة غويانا ونجح في إقناعهم بأن انتحاره معهم هو أفضل بكثير من العيش في هذا العالم الشيطاني فقتلوا جميعاً من جراء التسمم بمادة السيانيد، بالإضافة إلى قتل خمس أشخاص آخرين بالقرب من مدرج هبوط للطائرات. لذلك من غير الضروري الحديث عن ظهور جماعات وأفراد، على مدى التاريخ الديني للبشر، لديهم القابلية للنحر والانتحار وتفجير أنفسهم داخل تجمعات البشر الأبرياء في أي مكان من العالم، أو الحديث عن نشوء الحروب المدمرة بين المتدينين أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم.

 

راجع : مقال كلودي بيرت، بعنوان البارانويا أو الهذيان المتماسك، ملفات مجلة العلوم الإنسانية الكبرى رقم : 20

https://maarouf66.wordpress.com/2010/10/03/البارانويا/

 

إن طبيعة الإنسان تقوده بالفطرة للإيمان بنظرية المؤامرة (Conspiracy Theory)، ولا تقبل اتهامه بالخطأ، فيلجأ تلقائيا إلى مايعرف في علم النفس بـ"الإسقاط" وإلقاء الأسباب على الآخرين، هذا التصرف لا يرقي لأن يصبح مرضًا نفسيًّا. ولكن عندما تتحول هذه الطبيعة الفردية إلى حالة اجتماعية جمعية، وبشكل وبائي، يتعلق الأمر عندئذ بالبارانويا السياسية، التي تصاب بها الشعوب والمجتمعات والأنظمة، وتظهر عوارضُ هذا المرض عندما يعتقد شعبٌ أو شعوب بأكملها أو جماعة بشرية معينة بأنهم خيرٌ من بقية البشر، وذلك لأسبابٍ متخيَّلة تصل بهم إلى درجة العنصرية والشوفينية. عندها لا يعزو هذا الشعبُ أو الجماعة فشلَه إلى أسباب تتعلّق به وبقدراته ، بل إلى تآمر الآخرين عليه، وغيرتهم منه. فالبارانويا كما اتضح آنفًا، تترافق بشعور دائم بأن الآخرين يتآمرون في الخفاء، وبالتالي يتمّ تفسير سلوكهم وكافة تصرفاتهم على أنها جزء من المؤامرة، وكل ذلك دون أساس منطقي.

 

وإذا كان المتأسلمون يعتقدون دائما أن الآخرين يتأمرون عليهم ويريدون خداعهم وخيانتهم، ويدَّعون بأنهم أصحاب الحق … فقد يبدو هذا لغير العارفين على أنه نزوع طبيعي حذر تجاه الآخرين. ولكن من الواضح أنه يتفاقم بفعل أنهم جعلوا من ذواتهم وبشكل دائم وأبدي مرجعية إصدار الأحكام، وألية توقيع العقاب، وزادوا من تطرفهم بإعلاء وتضخيم قيمتهم وأهميتهم على غيرهم. وأنهم يكثرون من الشكك والتشكيك إزاء المحيطين بهم، ويمارسون سلوكًا شديد الفظاظة نحوهم. وفي النهاية، شيدوا لأنفسهم عالما، بالنسبة لهم، وفِي قناعتهم هو العالم الحقيقي والواقعي الوحيد، ولا يمكن لأي برهان كيفما كان أن يجعلهم يشكون فيه.

 

منذ فبرك الخبثاء الديانة وتمت بلورتها على مدار عقود طويلة وجميع الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة الإسلاموية تروج لنظرية المؤامرة بالتناغم مع عملاء الدين الدجالين وقطاع الطرق والمجرمين في بلادهم وبين شعوبهم، لأن تلك الأنظمة تهوى تبرير فشلها، والتهرب من مسؤولياتها، وقمع معاضيها في عملية إسقاط مستمرة من خلال تلك النظرية الوهمية. ففكرة الترويج لنظرية المؤامرة المتوارثة عن النبي (الكريم) وصحابته (الراشدين) تسهل للأنظمة الحاكمة التمادي في الفساد والانحطاط، لأنها تعوِّد أغلبية المواطنين العاديين على تصديق "شماعة المؤامرة" هذه، دون أدنى شك أو تردد، بسبب الجهل المفروض عليهم من خلال مصادر الثقافة الإسلاموية. بينما الحقيقة هي أن حكام المنطقة برمتها هم من يتآمرون على بعضهم البعض. لذلك ليس من المستغرب والحالة هكذا أن يصعب عليهم حل مشاكل مجتمعاتهم في كافة المجالات ... ؟؟؟

 

والنتيجة هي إيجاد مجتمعات تتسم شخصية أفرادها بالبارانويا الواضحة في سوء التوافق الاجتماعي وعدم الثبات واللااستقرار وكثرة الشك بالآخرين وسرعة الغضب والعدائية للمخالفين لهم والمختلفين معهم، والاكتئاب والتفكير بالانتحار والحساسية غير المعتادة. كما تتصف بالمغالاة والغرور والغيرة الشديدة والحسد. وتكون متقلبة في علاقاتها وصداقاتها مع الآخرين. فقد تضع شخصا محل الصدارة من الإعجاب والتقدير، وفجأة تتغير النظرة إليه وتنزل قيمته لديهم لأتفه الأسباب. كما تتميز هذه الشخصية بالحساسية الشديدة نحو الفشل والإخفاق أو النبذ والهجر، وتميل إلى عدم التسامح فلا تنسى الإساءة والإهانة، وتتمادى في الشك بحيث يمكن أن تتصور السلوكات المحايدة للآخرين على أنها عدوانية واحتقارا اتجاهها. كما أنها تؤمن بأهميتها الذاتية وفي ضرورة الرجوع إليها لرجاحة عقلها. ومن الواضح لذلك أنها شخصية لا تصلح لمناصب قيادية لأنها لا تستطيع التصرف الناضج وتحمل المسؤولية ولا تقبل النصح وتميل دوما للمشاكسة، وفوق ذلك تشعر بأنها غير متفهمة من طرف الآخرين، هنا يتجه الذهن إلى كافة حكام المنطقة وتجلياتهم الواضحة من عبد الناصر إلى صدام والقذافي وغيرهم.

 

إن حكام المنطقة المريضة يضحكون فوق جثث الأبرياء، ويرمون الآخرين بحجارة العجز والجهل، وهم يعلمون أن بيوتهم من زجاج. ىمع ذلك يتملكهم جنون العظمة والاستعلاء، ولديهم شعوراً عميقاً بالاضطهاد، قائمًا على ثقافة المخاوف والأوهام والتصوّرات الفصامية، التي تعود جميعها إلى حوادث تاريخية قديمة.

 

لقد ظل المتأسلمون لعشرات المئات من السنين يلهثون خلف اكتشاف عيوب الآخرين ومحاولة علاجها بما في جعبتهم الثقافية من هلاوس حتى كشف لهم عصر الاتصالات والمعلومات عيوبهم التي لا تعد ولا تحصى، وأن سلوكهم هذا ما هو إلَّا محاولة لإخفائها، وإسقاطها على غيرهم.

 

بعد ثورة الاتصالات والمعلومات التي شملت العالم بأسره.. تفاقم المرض لدي المسلمين إذ وجدوا أنفسهم عرايا بين واقعهم المتخلّف والمتأخّر والفاسد والمراوح في مكانه، وبين المثالية المرسومة في أذهانهم باعتبارهم خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناس، وباعتبارهم حكموا نصفَ العالم القديم في العصور الوسطى، وبأنهم أصحاب حضارة ورسالة إنسانية... إلى آخر الهذيان. وبدلًا من أن يتساءلوا عمَّا فعلوه بأنفسهم؟ راحوا يتساءلون عمَّن فعلَ بهم هذا؟.. ومن ثم هرعوا في هستيريا لإلقاء اللوم على الآخرين، وقرّروا أن العالم بأسره يتآمر على الإسلاموية والمتأسلمين. وكان لابد من أن تتشكّل ظاهرة الإرهاب الإسلاموي العالمي من هذه الحالة الفصامية المُشبَعة بثقافتهم البارانوئية والمعلَّلَة بنظرية المؤامرة. فانفلت العنف من عقاله، لا يميّز بين المذنب والبريء، وأصبح قائما على الانتقام لغاية الانتقام، أي أنه ليس موجها ضد الفاعل الحقيقي.

  • مرات القراءة: 274
  • آخر تعديل الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 02:54

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.