Arabic English French Persian

الصور الذهنية ضد المسيحيين في الموروثات الثقافية والإشاعات الشعبية

الصور الذهنية  ضد المسيحيين في الموروثات الثقافية والإشاعات الشعبية

الصور الذهنية ضد المسيحيين في الموروثات الثقافية والإشاعات الشعبية

خطورة إشاعات الجنس في الكنيسة وغياب النظافة الشخصية عند الأقباط

روبير الفارس

 

   بين موروثات ثقافية وأفكار شعبية تنمو كراهية خفية للمسيحيين في عقول وأرواح متشددين ومتطرفين وأصوليين. تحمل هذه الموروثات وتلك الثقافات الغاشة سمومًا قاتلة خاصة وإن الجميع يهرب من مواجهتها. وبذلك تتمكن من رسم صور ذهنية سودة ومجرمة للآخر ولكل مختلف ديني وطائفي. وفي هذا المقال نرصد بعض هذه الأشواك لكي نقتلعها من قلوب أبناء الوطن الواحد والعيش المشترك، لعلنا ننجح في التصدي لجريمة الطعن في وحدتنا.

 

النصارى

   يرفض المسيحيون إطلاق وصف "النصارى" عليهم وهنا لابد أن نؤكد على أن كل ما ذكره القرآن الكريم عن النصارى صحيح، ولكن القرآن رغم أنه ذكر اليهود صراحة ولم يذكر طوائف منهم مثل السامريين والصدوقيين والفريسيين، لم يذكر المسيحيين بالاسم. والنصارى بكل عقائدهم مختلفون تمامًا عن المسيحيين. والغريب فعلاً أن بعض مسيحيي الشرق الأوسط اقتنعوا بأنهم نصارى ثم يغضبون عندما يستخدم أحد ما وصف به القرآن عقائد النصارى.

 

   ويذكر سفر أعمال الرسل أن إطلاق لقب المسيحيين على أتباع المسيح بدأ في سوريا "أنطاكية" ما بين أعوام 52 و54 ميلادية. وتذكر كتب التاريخ أن النصرانية هي بدعة مسيحية يهودية قديمة نشأت في فلسطين، كان أتباعها من اليهود المتعصبين الذين مزجوا بين اليهودية والمسيحية، مع بعض التحريف في العقيدة المسيحية وقد حاربهم فكريًا رسل وتلاميذ المسيح وخاصة بولس الرسول.

 

   فهاجر النصارى من أورشليم بعد الحرب اليهودية الرومانية سنة 135م التي قادها اليهودي "بن كوكب" ضد الدولة الرومانية أيام حكم الأمبراطور الروماني "هادريان"، وشارك بالثورة النصارى، الذين تم قتلهم واضطهادهم بقسوة من قبل الرومان واليهود الذين تأثروا من الحرب، وحرم الرومان على اليهود والنصارى دخول أورشليم، فتشتتوا في خارج فلسطين إلى الشام ومصر وشمال الجزيرة العربية وسكنوا مكة والمدينة (يثرب)، كما جاء في دراسة للكاتبة صباح إبراهيم.

 

   يتميز النصارى عن اليهود بإيمانهم بالمسيح، باعتباره أحد الأنبياء العاديين مثل موسى ودانيال وبقية أنبياء العهد القديم، وأنه ولد من مريم العذراء بمعجزة ولكنه ليس ابن الله حقيقة، بل مجازًا لأن الله لم يلد ولم يولد. وليس المسيح سوى مخلوق وليس ربًا معبودًا، وأنه غير أزلي وليس إلهًا من روح الله. ولا يعترفون بالثالوث.

 

   ويتميزون عن المسيحية الصحيحة بإقامة الشريعة التوراتية والحفاظ على تقديس السبت والختان الإجباري للذكور وإقامة الطقوس اليهودية والالتزام بأنواع الطعام .

 

   وكانوا متزمتين من حيث الالتزام بالناموس اليهودي والتقشف الغذائي والوضوء قبل الصلاة .

 

   هاجر طائفة من النصارى من فلسطين إلى شمال الجزيرة العربية وسكنوا في مكة ويثرب (المدينة المنورة) .

 

   ومن أتباع النصارى في الجزيرة العربية طائفة (الأحناف، الآريوسيين، الأبيونيين، الكسائيين والمريميين) وكانوا من أحفاد فرع عبد العزى بن قصي، ومنهم قس مكة ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي،وكانت سودة بنت زهرة كاهنة نصرانية وهي عمة وهب بن عبد مناف.

 

   ينقل لنا المؤرخ يوحنا الأسيوي (585 م) عن طوائف النصارى العرب قبل الإسلام أنهم كانوا من الأبيونيين والآريوسيين والكسائيين والأحناف وغيرهم.

 

   ولم يطلق عليهم في الجزيرة العربية تسمية المسيحيين بل النصارى، وقد أطلق القرآن اسم النصارى على أهل الكتاب من المسيحيين وورد هذا الاسم 14 مرة في 4 سور و في 13 آية 12 مرة منها مقرونة باليهود مباشرة.

 

   النصارى لا يدينون بما يدين ويعتقد به مسيحيو الروم والشرق وبقية العالم من عقائد عن طبيعة المسيح ولاهوته وعن صلبه وقيامته، بل يعتقدون بنفس ما جاء به محمد من عقائد أهل الكتاب التي سمعها منهم، من حيث أنه إنسان وعبد الله فقط، ولم يُصلب بل شُبه للناس أن المصلوب هو المسيح بينما رفعه الله حيًا إلى السماء قبل الصلب وصُلب غيره.

 

   هذه العقائد لا يؤمن بها المسيحيون منذ تأسيس المسيحية في القرن الأول الميلادي وإلى اليوم. والنصارى هم قوم حرفوا العقيدة المسيحية، وقد انقرضت هذه الطائفة ولم يبق منها أحد يؤمن بعقيدتها المنحرفة. ولهذا السبب لا يقبل المسيحيون اليوم أن يُطلق عليهم تسمية النصارى.

 

   النصرانية كانت خليطًا من اليهودية والمسيحية، ومع الأيام امتزجت بالآريوسية والأوطاخية والنسطورية وكلها هرطقات غير معترف بها من قبل الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية التي تؤمن أن يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسد، حل فيه روح الله القدوس ولهذا يُدعى ابن الله مجازًا وليس بالولادة التي يتنزه عنها المسيحيون، وهو إله كامل وإنسان كامل بدون أي خطيئة، صُلب من أجل فداء البشر من أثر الخطيئة الأصلية لآدم وحواء وتمردهم على الله الخالق، وأن المسيح قام من الموت بجسده وروحه بعد مكوثه بالجسد ثلاثة أيام في القبر، حيث مات الجسد فقط دون اللاهوت الذي لا يموت، وظهر لتلاميذه وللناس عدة مرات، وأكل معهم ليريهم أنه ليس شبحًا بل جسدًا وروحًا مثلهم وعلمهم أسرار ملكوت السماء، ثم ارتفع إلى السماء حيًا بجسده بعد أن وعدهم بعودته مرة أخرى يوم الحساب والدينونة في نهاية الزمان.

 

   هذا على المستوى الثقافي العام، أما على المستوى الشعبي، فهناك عدة أمور منها:

-         الجنس في الكنيسة

   هناك أفكار شعبية متداولة عن المسيحيين تحتوي على مغالطات تحقيرية وإهانات أخلاقية ضدهم من ذلك الفكر السائد بأن المسيحيين يطفئون الأنوار في الكنيسة لتبادل القبلات وممارسة الجنس وذلك في بعض المناسبات والأعياد. وهي مغالطة تعتمد على رمزية إطفاء النور في الكنيسة ليلة رأس السنة، حيث يطفيء النور لدقائق تعبير عن العبور بين عام وآخر.في ظل صلوات تطلب من الله الخير في العام الجديد. وإطفاء النور في يوم الجمعة العظيمة تذكار لوقوع ظلمة على الأرض وقت صلب المسيح.حيث لا مجال إلا للبكاء عن الخطايا التى سببت للمسيح الآلام. أما القبلة المقدسة في صلوات القداس الإلهي فهي عبارة عن السلام بالأيادي دون اختلاط بين الرجال أو النساء وهي تعبير عن محبة الجميع والمغفرة وليس القبلات بالفم بين الرجال والنساء ولعل إذاعة القداس وبثه على القنوات الفضائية قد كشف عن هذه الأكاذيب التحقيرية.

 

   أما الإشاعة الكبرى التى يتداولها الكثير من الشباب في المناطق العشوائية هي القول بأن قسيس الكنيسة يفض بكارة العروس بعد صلاة الزواج وقبل أن يمارس زوجها الجنس معها. وهي إشاعة تنم عن عقول مريضة تأكلها الشهوات ولا محل لها من الواقع إطلاقًا. ولا يمكن اعتبارها أمرًا يستحق الرد عليها وهي تتضمن تحقيرًا للمرأة المسيحية التى تكرهها الجماعات المتشددة وتحاول تلويثها بأية طريقة خاصة وأنها تعبر عن فشلها بكونها امرأة سافرة لاتخضع لقوانين تكفينها عن المجتمع وقد انتشرت هذه الإشاعة السوداء في سبيعينات القرن الماضي مع نمو وانتشار الجماعات الإسلامية وأكبر مكذب لها حرص المسلمين المصريين على حضور صلوات الزواج المسيحي ومصاحبة العروسين من الكنيسة حتى منزلهما.

 

-         النظافة الشخصية

   من أكثر الموروثات التى تعبر عن ازدراء للمسيحيين ما يتم تداوله عن رائحتهم الكريهة وعدم اهتمامهم بنظافتهم الشخصية وخاصة الغسل بعد الممارسة الجنسية. وأيضًا وضع الزيوت الكنسية في الطعام. وكلها أكاذيب لا يمكن الأخذ بها. خاصة إن النظافة أمر شخصي يعتمد على التربية والمستوى الثقافي والأسري للشخص ولا يمكن تعميم هذه الأمور على شعب بأكمله. إذن الأمر مرتبط بتفاهة تعتمد على كون المسيحيين ملعونين من الله ولذلك فهم لا يستحمون ورائحتهم كراهية لأنهم "كفار"، تمامًا كما جاء في أحد الأفلام الدينية عندما كان يسخر الفنان محمود مرسي من الشخص الكافر قائلاً: "ألا تستحم ياراجل؟".

 

-         أسباب انتشار هذه الأكاذيب

يمكن أن نعدد أسباب انتشار الإشاعات التى تطلق من حين لآخر عن الأقباط بمصر والسر في تصديقها إلى عدة أمور منها:

 

-         أولاً: فكرة الاستعلاء عليهم بكون المتطرفين أفضل منهم. خاصة وأن المتشددين يعتبرون أنفسهم أفضل من ذويهم وأفضل من كل من لايتبعهم، حتى إذا كانوا هؤلاء هم عائلتهم، فمابالك بالمختلفين معهم دينيًا!

 

-         ثانيًا: الجهل بالآخر.لا يعرف المسلمون نتيجة التعليم والإعلام الأوحدي المتوجه أمورًا كثيرة عن المسيحيين، لذلك من السهل تصديق أي تهم أو إشاعات بهم.

 

-         ثالثًا: تقوقع المسيحيين أنفسهم حول ذواتهم وعقائدهم وطقوسهم واختيار بعضهم العزلة، الأمر الذى يتيح فرصة تكوين صورة ذهنية منفرة عنهم.

 

-         رابعًا: انتشار الأصوليات الدينية التى تقوم على التفرقة والتحقير من المختلف.

  • مرات القراءة: 640
  • آخر تعديل السبت, 12 آب/أغسطس 2017 01:00

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.