Arabic English French Persian

هنا بلچيكا.. «مصنع الإرهاب الأوروبى»

هنا بلچيكا.. «مصنع الإرهاب الأوروبى»

هنا بلچيكا.. «مصنع الإرهاب الأوروبى»

فاتن الحديدي

لم تكن يومًا بلجيكا دولة ذات ثقل كبير على الساحة السياسية والعالمية وتغير الوضع بعد اختيار عاصمتها بروكسل مقرًا للاتحاد الأوروبى.

وأصدرت الأمم المتحدة تقريرًا بالغ الخطورة حول تصدر بلجيكا وعاصمتها بروكسل قوائم العواصم الأوروبية المصدرة لمقاتلى تنظيم داعش، وهى الفئات التى تمثل الجيل الثانى والثالث من المهاجرين العرب، فشلت الحكومات فى بلجيكا فى إدماجها فى المجتمع مما دفعهم إلى البحث عن حاضنة اجتماعية تحتويهم وتحقق أحلامهم المتواضعة وتوعدهم بالجنة.

توصف شبكات الإرهاب والتطرف فى بلجيكا بأنها الأقوى والأكثر خطورة على الإطلاق فى أوروبا، ورغم تحذيرات الخبراء بشئون الإرهاب فإن الأضواء تسلطت عليها بشدة بعد اعتداءات باريس الأخيرة، حيث أعلنت السلطات البلجيكية اعتقال 7 أشخاص تبين أنهم على صلة بهذه الاعتداءات وينتمون إلى «مولنبيك» الحى الفقير الذى يسكنه العرب والمهمشون ويعيشون تحت خط الفقر.

الحى فى قلب العاصمة بروكسل ويقطنه الغالبية المسلمة ويمثلون الجيل الأول والثانى والثالث للمهاجرين، وأصبح واحدًا من أكثر الأماكن التى تؤوى الإرهابيين والمتطرفين.

وفى تعبير عن مدى القلق من هذا الحى قال رئيس الوزراء البلجيكى شارل ميشال: هناك صلة دائما للتطرف بمولنبيك وتلك مشكلة هائلة بالتأكيد، ويضم الحى الكثير من المغاربة والأتراك ومع وصول هذه الهجرات أرسلت بعض دول الخليج دعماً للمدارس الدينية فى السبعينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى توتر بين المدارس الوهابية والتقاليد المغربية الأكثر اعتدالاً.

معدلات البطالة فى الحى مرتفعة تصل بين 30 % و40 % ومتوسط دخل أقل كثيرًا من مستوى الدخل المتوسط للبلجيكيين بشكل عام.

يوجد بالحى نحو 10 مساجد نصفها داخل المبانى القديمة، ومع استيلاء المتشددين عليها تصبح اتجاهات المساجد فى حالة تغيير مستمر، إن المدارس والمناطق السكنية عمومًا سيئة كما أن الحى يتناقض بحدة مع حياة المواطنين الأكثر ثراءً فى بروكسل والذين يقيمون بالقرب منه يفصلهم جسر.

كان مسئول فرنسى قد صرح بأن العقل المدبر لتلك الهجمات الدامية هو عبدالحميد أباعود بلجيكى من أصول مغربية، من القيادات البارزة لداعش ويتواجد حاليًا بسوريا، ووجهت الشرطة الفرنسية الاتهام إلى مواطن بلجيكى آخر- عبدالسلام صالح - وهو من المطلوبين ويوصف بأنه من أخطر الإرهابيين المتطرفين فى أوروبا.

رئيس الوزراء البلجيكى شارل ميشال أعلن فى وقت لاحق للهجمات الدامية أن اثنين من منفذى العملية يحملان الجنسية البلجيكية ويقيمان فى حى مولنبيك الذى يبعد مسافة جسر عن قلب بروكسل، كما أنه تم العثور على سيارتين مسجلتين فى بلجيكا فى محيط التفجيرات إحداهما بوبو رمادية عثر عليها أمام مسرح باتاكلان وكان الإرهابيان اللذان قتلا أثناء تنفيذ العملية قد استأجراها من بروكسل، وأضاف شارل ميشال إنه من المخجل أن تكون بلجيكا ملاذًا للمتطرفين والمتشددين فى أوروبا رغم كل الجهود التى تبذلها الحكومة لمكافحة هذه الظاهرة الهائلة.

وتعتبر بلجيكا حسب تقرير الأمم المتحدة عن الإرهاب - رغم صغر مساحتها النسبى - الدولة الأوروبية التى انطلق منها أكبر عدد من المتطوعين للانضمام إلى صفوف داعش بالعراق وسوريا مقارنة بعدد سكانها البالغ 12 مليون نسمة، وتم التعرف على نحو 500 متطرف بلجيكى بينهم 300 متواجدون فى سوريا والعراق، و100 يعتقد أنهم قتلوا و135 عادوا إلى بلجيكا و20 فى طريقهم للعودة حسب أرقام أجهزة الأمن البلجيكية.

ورغم الجهود التى تبذلها السلطات البلجيكية منذ تسعينيات القرن الماضى لتفكيك الخلايا والشبكات الإرهابية مثل جبهة النصرة فى بلجيكا وهولندا والأحكام بالإدانة التى صدرت بحق معتقلين بتهم تتعلق بالتطرف والإرهاب وأعمال عنف، إلا أنها مازالت أكثر الدول ملاذًا آمنًا للإرهابيين والمتطرفين.

حى مولنبيك فقير جدًا يشبه كل الأحياء العشوائية الفقيرة فى دول العالم الثالث، من حيث الافتقار للخدمات والنظافة والفقر، وهو معروف منذ نحو عشرين عامًا بإيواء واستقطاب مرتكبى عدد من الاعتداءات الجهادية الذين سافروا وانضموا إلى تنظيمات إرهابية ثم عادوا مرة أخرى لتكوين خلايا أكبر، وخرج من الحى مقاتلون نفذوا عمليات إرهابية كثيرة سواء فى أوروبا وبلجيكا، حيث نفذ عدد من متطرفى الحى جريمة اغتيال أحمد شاه مسعود فى أفغانستان عام 2001 فى بلدة خوجة بهاء الدين بولاية تخار الأفغانية، إضافة إلى أنها أخرجت حسن الحسى الذى ثبت تورطه فى اعتداءات مدريد 2004، وأسفرت عن مقتل 200 شخص وجرح 1800، ومهدى نموش المشتبه به الرئيسى فى الاعتداء على المتحف اليهودى ببروكسيل مايو 2014.

أقام فى الحى أيضًا أيوب الخزانى العقل المدبر ومنفذ الهجوم على قطار تاليس بين أمستردام وباريس فى أغسطس الماضي، وتبين أن خلية إرهابية كان قد تم تفكيكها فى يناير كانت على ارتباط أيضًا بمولنبيك.

ويضم الحى الشعبى نسبة كبيرة من السكان المنحدرين من أصول مهاجرة وأقام فيه منذ عشرين عامًا منفذو عدد من العمليات والاعتداءات الجهادية، وتعتبر بلجيكا من دول الرفاه الاجتماعى فى العالم، ومن الدول التى تعتبر جنة الأحلام للجميع فى أوروبا فما الذى يدفع الشباب فيها إلى التوجه للقتال باسم الجهاد فى الشرق الأوسط، ما الذى يدفعهم لترك الحياة فى بلاد توفر أعلى شبكات الأمان الاجتماعى بالمقاييس الدولية.

nj4

يؤكد الخبراء فى سيكولوجية الإرهابيين فى جامعة «أنتويرب ببلجيكا» أن غالبية هؤلاء الشباب غير مرتاحين نفسيا فهم منذ البداية غرباء عن المنظومة الاجتماعية، وأن أغلب من ينخرط فى صفوف التيارات الإرهابية والسلفية منهم الجيل الثانى أو الثالث من المهاجرين العرب وتحديدًا من مناطق الريف فى المغرب العربي.

إن هؤلاء الشباب الذين يحملون الجنسية البلجيكية قرروا السفر إلى سوريا للانضمام إلى داعش يشعرون أنهم مرفوضون اجتماعيًا فى تلك المجتمعات الغربية رغم عدم تحدثهم للغة العربية بشكل سليم، إلا أنهم يشعرون بالضياع ولايجدون الملاذ سوى فى الأفكار السلفية الجهادية والدعوة لرفع الظلم وتحقيق المساواة وتحقيق دولة الخلافة.

وتؤكد التحليلات السياسية حول كيفية شيوع النهج السلفى فى بلجيكا أن الحكومة هناك والدولة مسئولة، فبرامج الاندماج التى تتبناها أثبتت فشلها، فالشاب المسلم يواجه كراهية وعنصرية مستترة تؤثر على حياته مثل منع إقامة الشعائر، ومنع الحجاب أو النقاب، هؤلاء الشباب يشعرون بالاغتراب وأنهم مستهدفون فى مجتمعات ترفضهم وتكرههم مما يجعلهم يبحثون عن مجتمعات بديلة تتواءم معهم.وتؤكد الأبحاث أن معظم هؤلاء الشباب غالبًا لا يذهبون للقتال، ولكن يذهبون كمهاجرين إلى دولة إسلامية كما يتصورونها ويلتحقون بدورات تعبئة نفسية بعد أن تتلقفهم أيدى رجال الفكر السلفي.

إن هؤلاء الشباب أصبحوا يرغبون بشدة فى العيش فى مجتمع إسلامى ينصهرون فيه يسبب لديهم فى النهاية مشكلة من التمييز وعدم التعاطف الأوروبى من مقتل الأطفال فى سوريا وفلسطين والعراق والسكوت عن جرائم أمريكا وإسرائيل فى حق الأبرياء العرب.

ورغم أن بلجيكا لديها عدد من المساجد الكبيرة، فإن هناك أزمة حقيقية فى التواصل بين الأئمة وهؤلاء الشباب الذين لا يتقنون العربية ولا يجدون محاولات حقيقية للتواصل معهم مما يضطرهم إلى استقاء المعلومات الدينية من الإنترنت فيحدث التضليل وغسيل الدماغ.

إن السياسات العدوانية للدول على الشرق الأوسط تعد دافعًا مهما فى تغذية الحركات السلفية، فكل قنبلة تسقط على العراق أو سوريا تخلق مجاهدًا جديدًا.

على شبكة الإنترنت صفحات شديدة الجاذبية ضمنها عبارة عن إعلانات مكتوبة بالفرنسية عن كتاب أنيق عن الجهاد فى بلاد الشام ويعطى فكرة عن الجهاد فى بلاد الشام ومدى التنظيم الذى يتمتع به التيار السلفى فى شكله الجديد.

والكتاب ألفه «مجاهدون فى سوريا»، يوضح الرؤية العالمية ولماذا يقاتل هؤلاء وقد أكد أحد العائدين إلى بلجيكا واسمه أبوطاهر أنه عاد من سوريا بعد خيبة أمل من القتال وأنه لم يذهب إلا للهجرة فى سبيل الله ورسوله، إلى بلاد الإسلام.

الخلاصة أن المسلمين فى بلجيكا مضطهدون فى حقوقهم، وأن الدولة لا تسمح لهم بتطبيق الشريعة الإسلامية سواء فى حرية ممارسة الشعائر الدينية أو الأردية التى يرتدونها كما أنها تسخر منهم فى وسائل الإعلام.

قال «أبو طاهر» إن حادثة الرسوم المسيئة للرسول هى التى دفعته للرحيل إلى سوريا، التى اعتبرها إساءة متعمدة للدين والعقيدة وجزءًا من حملة إعلامية صليبية لكسر نفوذ المسلمين، وقال: لقد أعجبت بفكرة الذهاب إلى دولة إسلامية قيد التأسيس والمساعدة فى إسقاط الطواغيت الذين يقفون عائقًا أمام تأسيس الدولة الإسلامية.

وصرح ديديه راندس وزير الخارجية البلجيكي، بأن الكثير من الجهاديين الأوروبيين يتلقون تدريبات عسكرية فى ليبيا حاليًا بعد سوريا والعراق.

المعروف أن أوروبا كانت قد عقدت فى مايو الماضى اجتماعًا فى بروكسل شاركت فيه دول إقليمية من الشرق الأوسط لتباحث تداعيات خطر الجهاديين على أوروبا سواء من خلال الهجرة غير الشرعية أو من خلال المقاتلين المهاجرين من أوروبا والعائدين إليها وهم مدربون على أعتى فنون القتال.

كما أصدر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تقريرًا عن ظاهرة الجهاديين الصاعدة ويتحدث عن وجود 11 ألف مقاتل من 64 بلدًا مختلفة، وأن عدد الجهاديين القادمين من أوروبا الغربية ارتفع خلال الاثنى عشر شهرًا الأخيرة من 600 إلى 1900 مقاتل، وكان تقريرًا استخباريا بلجيكيا قد تم نشره فى يوليو الماضى حذر من أن الجماعات الإسلامية المتشددة والمتطرفة فى البلاد قد أصبحت «سربا» لا مركزيا ومراوغا، وأن أعضاء هذه الجماعات باتوا أكثر قوة وثقة بالنفس، وأن تعقبهم بات أكثر صعوبة، خصوصًا أن وسائل التواصل الاجتماعى مكنت الجماعات المتشددة من تنسيق جهودها دون الحاجة إلى سلطة مركزية.

إن مسئولية التيارات اليمينية المتطرفة فى بلجيكا وهولندا تصيغ مواقف مضادة طوال الوقت لهؤلاء الشباب الضائع من خلال خطبهم المستفزة لهؤلاء الشباب المحبط أصلاً من يوجههم بشكل غير مباشر إلى الاتجاه المضاد.

هناك مقولة أن المتحول للإسلام حديثًا أكثر تطرفًا من المولود مسلما وذلك لحاجته النفسية فى إثبات نفسه فى المجتمع الجديد.

ويؤكد المحلل العسكرى دايفيد ريج الأستاذ بجامعة بنسلفانيا أن هؤلاء يشبهون الجنود الأمريكيين الذين عادوا من حرب فيتنام فى الستينيات من القرن الماضى الذين عانوا من اختلالات نفسية خطيرة هددت السلام المجتمعى الأمريكي، وأنهم بحاجة لإعادة تأهيل فى مجتمعهم الجديد وما بين حلول أمنية قاسية واحتواء ناعم للتخلص من مظاهر التطرف تبقى أوروبا غير بعيدة عن خطر أمنى محتمل من الجيل الثالث لتنظيم القاعدة، وهو جيل قادر على التمويل والاختباء والقدرة على التدمير والقتل.

شاهد

 

بلجيكا في مواجهة التطرف بالمساجد والسجون

مسلمو بلجيكا يخشون العنصرية ضدهم 

محاولات لمكافحة انتشار التطرف في صفوف الشباب المسلمين في بلجيكا

بلجيكا.. حملات أمنية وإدانة إسلامية للهجمات

  • مرات القراءة: 1206
  • آخر تعديل الأربعاء, 24 تموز/يوليو 2019 19:49

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.