Arabic English French Persian

أرني الله

أرني الله

توفيق الحكيم

كان في سالف العصر والأوان رجل طيب السريرة صافي الضمير, رزقه الله طفلاً ذكى الفؤاد ذلق اللسان.. فكانت أمتع لحظاته ساعة يجلس إلي طفله يتحادثان كأنهما صديقان... فيلحظ كأن فارق السن وفاصل الزمن ارتفع من بينهما كستارة وهمية من حرير فإذاهما متفقان متفاهمان, لهما عين العلم وعين الجهل بحقائق الوجود وجواهر الأشياء...​

نظر الرجل يوماً إلي طفله وقال:​

- شكرا لله.. أنت لي نعمة من الله!...​

فقال الطفل:​

- إنك يا أبت تتحدث كثيرا عن الله... أرنى الله!​

- ماذا تقول يا بنى؟!...​

لفظها الرجل فاغر الفم, ذاهل الفكر, فهذا طلب من الطفل غريب لا يدري بم يجيب عنه... وأطرق ملياً.. ثم التفت إلي ابنه مرددا كالمخاطب نفسه:​

- تريد أن أريك الله؟..​

-نعم ... أرنى الله... !

-كيف أريك ما لم أره أنا نفسي؟!...​

-ولماذا يا أبت لم تره...؟

- لأنى لم أفكر في ذلك قبل الأن...​

- و إذا طلبت إليك أن تذهب لتراه... ثم ترينى إياه...؟

- سأفعل يا بنى... سأفعل...

ونهض الرجل.. ومضي لوقته وجعل يطوف بالمدينة يسأل الناس عن بغيته, فسخروا منه, فهم مشغولون عن الله ومشاهدته بأعمالهم الدنيوية.. فذهب إلي رجال الدين فحاوروه وجادلوه بنصوص محفوظة, وصيغ موضوعة... فلم يخرج منها بطائل... فتركهم يائسا... و مشي في الطرقات مغموماً يسائل نفسه: أيعود إلي طفله كما ذهب خاوي اليد مما طلب؟... وأخيرا عثر بشيخ قال له :

& اذهب إلي طرف المدينة تجد ناسكاً هرماً لا يسأل الله شيئا إلا استجاب له... فربما تجد عنده بغيتك!...​

فذهب الرجل تواً إلي ذلك الناسك وقالل له :​

- جئتك في أمر أرجو أن لا تردنى عنه خائباً...

فرفع إليه الناسك رأسه بصوت عميق لطيف :​

& اعرض حاجتك !...​

- أريد أيها الناسك أن ترينى الله !...​

فأطرق الناسك و أمسك لحيته البيضاء بيده وقال :​

& أتعرف معنى ما تقول ...؟

- نعم ...أريد أن ترينى الله...!

فقال الناسك بصوته العميق اللطيف :​

& أيها الرجل ..! إن الله لا يري بأدواتنا البصرية .. و لا يدرك بحواسنا الجسدية .. وهل تسبر عمق البحر بالأصبع التى تسبر عمق الكأس؟ ...!

- وكيف أراه إذن...؟

& إذا تكشف هو لروحك...

- ومتى يتكشف لروحى...؟

& إذا ظفرت بمحبته...

فسجد الرجل وعفر التراب جبهته وأخذ يد الناسك وتوسل إليه قائلاً:

- أيها الناسك الصالح.. سل الله أن يرزقنى شيئا من محبته...

فجذب الناسك يده برفق وقال :​

& تواضع أيها الرجل واطلب قليل القليل...

- فلأطلب إذن مقدار درهم من محبته...

& ياللطمع ...! هذا كثير ... كثير...

- ربع درهم إذن...؟

& تواضع... تواضع...

- مثقال ذرة من محبته...

& لا تطيق مثقال ذرة منها...

- نصف ذرة إذن...؟

&ربما...

ورفع الناسك رأسه إلي السماء وقال :​

& يا رب.. ارزقه نصف ذرة من محبتك...!

وقام الرجل وانصرف... ومرت الأيام, وإذا أسرة الرجل وطفله وأصحابه يأتون إلي الناسك ويفضون إليه بأن الرجل لم يعد إلي منزله و أهله منذ تركه, وأنه اختفي ولا يدري أحد مكانه... فنهض معهم الناسك قلقاً, و لبثوا يبحثون عنه زمناً إلي أن صادفوا مجموعة من الرعاة قالوا لهم: إن الرجل جن و ذهب إلي الجبال و دلوهم علي مكانه... فمضوا إليه فوجدوه قائما علي صخرة... شاخصا ببصره إلي السماء فسلموا عليه, فلم يرد السلام... فتقدم الناسك إليه قائلاً:

& انتبه إلي... أنا الناسك... فلم يتحرك الرجل؛ فتقدم إليه طفله جزعاً, وقال بصوته الصغير الحنون:

- يا أبت.. ألا تعرفنى...؟

فلم يبد حراكاً... وصاحت أسرته وذووه من حوله محاولين إيقاظه, ولكن الناسك هز رأسه قاطبًا وقال لهم:

& لا جدوى...! كيف يسمع كلام الأدميين من كان في قلبه نصف ذرة من محبة الله ...!؟ و الله لو قطعتموه بالمنشار لما علم بذلكّ...

وأخذ الطفل يصيح ويقول :​

- الذنب ذنبي... انا الذي سألته أن يري الله...!

فالتفت إليه الناسك وقال وكأنه يخاطب نفسه:​

& أرأيت...؟ إن نصف ذرة من نور الله تكفي لتحطيم تركيبنا الأدمى وإتلاف جهازنا العقلي!!

شاهد

يا اديبنا العظيم توفيق الحكيم، المسيح اعلن عن نفسه وهو الله

 

أرني الله - توفيق الحكيم

إقرأ المزيد:

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 1

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 2

ماذا لو تجلى الله وصار انساناً؟ جـ 3

الذبح العظيم.. وفديناه بذبحٍ عظيم

الوهية المسيح في التوراة والإنجيل والقرآن – جـ 1

الوهية المسيح في التوراة والانجيل والقرآن – جـ 2

الوهية المسيح في التوراة والانجيل والقرآن جـ - 3

هل يعقل أن يولد الله؟!

هل نفى المسيح كونة الله المتجسد؟

من هو يسوع المسيح فى القرآن ؟

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.