Arabic English French Persian

ثقافة الصليب

ثقافة الصليب

ثقافة الصليب

باسم ادرنلي

 

إن الصليب لم يكن مجرد حدث حل على المسيح في أواخر حياته في الجسد فحسب، بل كان نظامًا وثقافة عاشها المسيح وعلمها في كل لحظة من لحظات حياته.


فالكثير من النقاد، خاصة المسلمين منهم، يعترضون على حدث الصلب؛ لكنهم لا يعلمون أن الصليب هي ثقافة تتمحور حول كل شيء عاشه المسيح وعلمه؛ وهي تضارب كليًا مع ثقافة هذا العالم الفاسد، الهالك، والمائت.

 

إن عنوان المقال مستنبط مما يسميه وحي العهد الجديد بـ "كلمة الصليب":
"18
فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ " (1 كورنثوس 1).
"
كلمة الصليب " (ο λογος γαρ ο του σταυρου)، هي نفس كلمة "لوغوس الصليب" في اليوناني، التي بدأ فيها يوحنا وحيه المقدس:
"1
فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ ... 14 وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءً نِعْمَةً وَحَقًّا." (يوحنا 1).


دلت كلمة "لوغوس" في الوحي عن أقنوم الله الابن الأزلي ذاته؛ وتُفسَّر من الآية بـ "حكمة الصليب"، وأنا أسميها "ثقافة الصليب" أو "حياة الصليب". هي حياة المسيح، التي عكست ثقافة الصليب في كل شيء عاشه المسيح وعلمه؛ لذلك علم تلاميذه قائلا:
"24
... إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (متى 16).

 

فلم يكن صلب المسيح وفداءه سوى نتيجة بديهية لما عاشه المسيح وعلمه طوال حياته في الجسد. لذلك لم يقبل أن يُخلص نفسه ساعة الموت؛ بل اختار أن يخلصنا نحن، ويضع ذاته تحت العذاب والموت لكي يهبنا الحياة والخلود مع الله. كما استهزأ به رؤساء الكهنة قائلين:
"31
... خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا!" (مرقس 15).


طبعًا هو قادر أن يخلص نفسه، لكنه اختار أن يبذل نفسه، لكي تكون لنا حياة، وحياة أفضل؛ وذلك تطبيقًا لثقافة الصليب التي عاشها وعلمنا إياها قائلا:
"13
لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يوحنا 15).

فيما يلي نبذة قليلة عن ثقافة الصليب التي عاشها وعلمها المسيح:

 

  • ·إن أخطأ أحدٌ بحقك، يجب أن تبادر أنت لمصالحته!
    "
    15وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ "(متى 18).

 

  • ·من أذاك، سامحة وعلى كل شيء!
    "32
    وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ" (أفسس 4).
    "19
    لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ»" (رومية 12).
    "21
    حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» 22 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ»" (متى 18).

 

  • ·إن عمل معك أحد شرًا، فجازيه خيرًا!
    "20
    فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ». 21 لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رومية 12).

 

  • ·من ضربك على خدك الأيمن، فحول له الآخر أيضًا!
    "38
    سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ 39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (متى 5).
    قالها المسيح في إطار التعامل مع النزاعات واعتداءات أهل العالم عليك؛ ومن خلال التطبيق العملي لما علمه المسيح من نص آخر، وهو:
    "22
    وَلَمَّا قَالَ هذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفًا، قَائِلاً: «أَهكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟» 23 أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟»" (يوحنا 18).

 

نتعلم أن المسيح لم يقصد إعطاء الخد الآخر بشكل حرفي كما رأينا من نص يوحنا 18؛ فهو لم يعلم الهروب من المعتدي، ولا الرد بالمثل؛ بل من خلال التطبيق للآية الثانية، نتعلم أنه روج ثقافة الحوار مع المعتدي، لتحويله من عدو إلى صديق؛ كما وضح أيضًا في مثال السامري الصالح الذي ساعد عدوه اليهودي، قائلا:
"36
فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟" (لوقا 10).
إذا ثقافة تحويل العدو إلى صديق عن طريق الحوار والأحسان معه، التي عاشها وعلمها المسيح، هي ثقافة الصليب.

 

  • ·تنازل عن حقك، لكي تربح وتكرم غيرك!
    "30
    وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ." (لوقا 6).

 

  • ·من أراد أن يخونك، اغسل رجليه!
    "2
    فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ، 3 يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، 4 قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، 5 ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا" (يوحنا 13).

 

  • ·إن أردت أن تكون عظيمًا، فلتكن للجميع خادمًا!
    "26
    فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا" (متى 20).
    "11
    وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ" (متى 23).

 

  • ·من شتمك واضطهدك، صلي لأجله!
    "44
    ... وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،" (متى 5).

 

  • ·من كرهك، أحسن إليه!
    "27
    ... أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ،" (لوقا 6).

 

  • ·أحب الجميع، حتى أعدائك!
    "44
    وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، 45 لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ 46 لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟" (متى 5).

 

  • ·ضحي لغيرك، كما أن المسيح ضحى لأجلك!
    "16
    بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ (أي المسيح) وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ." (1 يوحنا 3).

 

جميع ما سبق كان مجرد بعض المفاهيم القليلة الهامة عن ثقافة الصليب التي عاشها وعلمها المسيح؛ لكن هناك طبعًا مفاهيم أخرى كثيرة جدًا، منها:
إذا أردت أن تحيا، يجب أن تموت مع المسيح.
إذا أردت أن تكون قويًا، يجب أن تكون ضعيفًا.
إذا أدرت أن تكون مُكرَّمًا، يجب أن تكون مُنسَحِقًا.
إذا أردت أن تكون حكيمًا، يجب أن تصبح جاهلاً.
إذا أردت أن تكون أوَّلاً، يجب أن تكون آخرًا.
إذا أردت أن تربح كل شيء، يجب أن تترك كل شيء.
إذا أردت أن تمتلك حياتك، يجب أن تخسرها من أجل المسيح.
إذا أردت أن تكون حُرًّا، يجب أن تكون عبدًا للمسيح...

 

في النهاية نقول لجميع رافضي حدث الصلب:
ما هو رأيكم بثقافة الصليب التي عاشها وعلمها المسيح طوال فترة حياته بالجسد على الأرض؟؟ 
لست أعتقد أنكم ستقبلونها هي أيضًا، فهي حكمة وثقافة سماوية إلهية أيضًا تتضارب مع كل ما يعلمه هذا العالم المائت ودياناته البشرية المستنبطة من ثقافته النافلة.


نعم، إن كل ما عاشه المسيح وعلمه، يعكس ثقافة الصليب؛ ثقافة إنكار الذات، أي حياة الموت عن الذات. إن ثقافة الصليب، بحسب نظرة العالم، تعكس: الضعف، الهزيمة، الجهل، الغباء، الجنون ... إلخ؛ لكن من خلالها تظهر قوة قيامة الله العظمية المغيرة، التي تعطي حياة لك وللعالم الذي حولك؛ نرجع للآية التي بدأنا منها:
"18
فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1 كورنثوس 1).

 

إن حياة وثقافة الصليب هي الطريق الوحيد لحياة القيامة الإلهية.

هي الحياة الوحيدة التي تغلب هذا العالم المائت وشره، بقوة البعث الإلهي من الشر والموت.

إن طاعة وتبعية ثقافة الصليب، فيها تختبر حياة المسيح الحقيقية التي غلبت العالم.

وهي الحياة التي فيها نختبر قوة قيامة الله المعجزية الفريدة والمجيدة فينا وفي بلادنا.

دعونا نستقي في كل حين من هذه الثقافة المجيدة، ثقافة الصليب الفريدة.

  • مرات القراءة: 243
  • آخر تعديل الخميس, 05 نيسان/أبريل 2018 19:09

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.