Arabic English French Persian

لم الخوف القاتل؟

لم الخوف القاتل؟

لم الخوف القاتل؟

ايمن سرور

قبل بضع دقائق انهيت سماع عظة من اخ ايطالي، وقد أنهى العظة بكلمات تتحدث عن الخوف من امور عديدة في حياتنا، وقد ركز على الخوف من الهزات الارضية التي كانت تضرب جنوب ايطاليا وبالأخص مدينة مسينة. هذه المدينة التي ضربها زلزال مدمر حصد حياة الالاف من النفوس، وخلّف ورائه دمار كبير رأيت اثاره عندما سكنت في تلك المدينة لبضع سنوات.

ولكن زلزال الخوف ما زال يزعزع طمأنينة القلوب، ويسلب الراحة والسلام من حياة البشرية اجمع، ويترك اثار مدمرة في حياتنا لدرجة الادمان على امور عدة، لعلها تساعدنا وتخرجنا من هذا المأزق، حتى الإقدام على الانتحار والهروب من الواقع المرير...


طبعا انا لا اقصد اي رد فعل طبيعي من جهتنا، لأي موقف صعب او تجربة او تحدي في حياتنا، لأننا كلنا بشر ضعفاء ربما تخور قوانا احيانا، او نشك او نتذمر، ولكن القصد هو العيش المستمر لفترة اشهر بل سنين في هذه المواقف التي تشل حياتنا.

انه الخوف القاتل، هذا العدو اللدود لكل نفس حية، انه روح نجس يريد ان يسلبنا المعنى الحقيقي للحياة، كما ارادها اللّه لكل واحد من اولاده وخليقته.


نرى هذا الخوف متفشّي وبشدة في جميع مجالات حياتنا اليومية والروتينية، فنراه يستيقظ معنا في الصباح الباكر، زارع القلق من مواجهة اليوم الذي امامنا، يوم دراسي، يوم عمل، لقاء مع اشخاص او اي مسؤولية اخرى قد تواجهنا في هذا اليوم. طبعا إذا تَرَكَنا هذا الخوف ننام ليلتنا براحة وطمأنينة، لنقول مع المرنم: بسلامة اضطجع بل ايضا انام، لأنك انت يا رب منفردًا في طمأنينةٍ تُسكنني (مزمور 4:8).

ليس فقط النوم واليقظة بكل نشاط وحيوية، بل نرى الخوف ايضا عندما نقود السيارة متوجهين الى اماكن عملنا، الخوف من زملائنا في المدرسة، الجامعة او اماكن عملنا، الخوف من الفشل، الخوف من الغد، الخوف من الحروب، من الامراض الجسدية والنفسية المنتشرة كثيرا في ايامنا هذه، واعتقد ان الخوف من الموت هو اشد وأصعب انواع الخوف التي يواجهها الانسان في ايام حياته. والامر المقلق وبشدة انه لا نجد الحلول الجذرية لهذا الوضع، لا في الادمان على المخدرات او الكحول، ولا في علاقات اجتماعية، او من خلال تناول الادوية المسكِّنة والمهدِّئة التي لم تعد تساعدنا، بل أصبحنا مقيدين ومدمنين لها. نعم فان الاطباء، والعاملون النفسيون والاجتماعيون يواجهون هذه الظاهرة، ونشكر ربنا على عطائهم ومجهودهم، ولكن اسمحوا لي ان اقول انه في بعض الاحيان ان لم يكن اغلبها، انهم هم بأنفسهم يكونون الضحية لهذا الخوف بل ويرفعوا اياديهم، مستسلمين لهذا الواقع الصعب. فهل هناك حل جذري لهذه المعضلة؟

ان صراعنا ايها الاحباء قديم جدا مع هذا العدو، فنراه يُهيمِن على الموقف عندما سقط ادم وحواء في الخطية، وخِداع الحية القديمة (الشيطان) لهما، بتكذيب وعدم تصديق قول اللّه، فنرى بعدها ادم الخائف والمتردد والهارب من وجه الله قائلا: سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت، وبداية الاتهامات لحواء بل وتحميل الله المسؤولية على ما حدث، والادعاء ان الحية هي فقط السبب لكل هذا الشر! وهكذا نرى حواء (اي الحياة، بالعبرية חוה, חיים) تفقد حياة الشركة المقدسة والمباركة مع الرب الاله، ونرى ادم (اي التراب او الارض، بالعبرية אדם) يعود الى حياة الذل والحسرة، ومن تلك اللحظة اي العصيان على الله دخل الموت الروحي، النفسي والجسدي ايضا.

انها الخطية التي دمرت كل شيء حسن خلقه الله، انه الشيطان الكذاب الذي ما زال يزرع اكاذيبه في قلوب البشر، بعدم تصديق الله، وتوجيه المسؤولية له، انه عدم ايماننا بالذي احبنا ودعانا لكي نكون معه بشركة مقدسة، ملؤها السلام والفرح والطمأنينة.

ولكن هناك امل ورجاء يا اخي واختي، لأنك في مركز مشيئة ومحبة الله لك. لان الذي لم يترك ادم وحواء بل صنع لهما اقمصة من جلد ليلبسهما (الرمز الى ذبيحة المسيح الكفارية على الصليب وفداء البشرية اجمع) لم ولن يتركك فريسة سهلة للشيطان واكاذيبه، لن يتركك تحت ثقل الخطية، ولن يتركك تصارع وحدك في هذا العالم الشرير والذي وضع في يد الشيطان!

لنذكر قصة موسى، الذي غطى وجهه خائفا ان ينظر الى الله، وقال انه ليس بصاحب كلام وثقيل الفم والسان، نرى كيف شجعه الله وقواه، وارسله لافتقاد شعبه.


 ويشوع كيف قال له الرب: تشدد وتشجع! لا ترهب ولا ترتعب لان الرب إلهك معك حيثما تذهب.


هل نسينا تلاميذ ربنا يسوع المسيح وهم على متن السفينة، عندما اضطربوا وصرخوا من الخوف ظانين انهم أبصروا خيال؟ وحتى بعد القيامة المجيدة كانوا مجتمعين بسبب الخوف من اليهود، فجاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم، سلامٌ لكم. لا، انه ليس خيال، انه يسوع الذي يريد ان يطرد كل خوف خارجا، ويعطينا سلامه العجيب لأنه رئيس السلام، ويقول لنا لا تخافوا، انا معكم كل الايام، فالذي وعد صادق وامين وصاحب كل سلطان في السماء وعلى الارض، الذي تخضع له الرياسات والسلاطين، الرب القدير الذي يقول لنا: في العالم سوف يكون لكم ضيق، ولكن ثقوا انا قد غلبت العالم، غلبت الخطية، غلبت الشيطان، غلبت الموت وغلبت الخوف وغلبت كل امر على عود الصليب.


ومريم ام يسوع، اضطربت من كلام الملاك، وفكرت ما عسى ان تكون هذه التحية، فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله.


حتى في نهاية الرسالة الالهية، في كتاب رؤيا يوحنا، نقرأ ان يوحنا سقط عند رجلي يسوع الذي قال: لا تخف، انا هو الاول والاخر والحي، وكنت ميتا، وها انا حيٌ الى ابد الابدين آمين.

حتى خدام الله هؤلاء، الذي اختبروا مجد وقوة وامانة الرب الاله شكوا، خافوا، واضطربت قلوبهم... فلا نفشل نحن ولا نسمح للخوف اي كان سببه او مصدره ان يمتلك قلوبنا، بل لنتمسك بوعود الله ومحبته لنا، ونلقي كل هم عليه فهو وحده القادر ان يعولنا.


نعم هو وحده، قدرته ومحبته التي تطرد الخوف خارجًا، لأنه لا خوف في المحبة، فهو الذي احبنا واسلم نفسه لأجلنا، ليس فقط ليطرد الخوف خارجًا، بل قبل كل شيء ليغفر خطايانا ويهبنا الحياة والحياة الافضل. 

وفي النهاية نختم بما ذكره يوحنا في الرؤيا 21:8: 
واما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الاوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت، الذي هو الموت الثاني. فان كنت حتى الان اسير الخوف القاتل وكل هذه الشرور، فاهرب بنفسك من الدينونة الابدية، والتي لا يكون لا رجاء ولا امل بعدها، اي بعد الموت، وتعال اليوم وليس غداً الى المخلص العظيم يسوع، وهو يحررك بالكامل ويسير معك كل ايام حياتك على الارض، الى يوم ظهوره المبارك واختطاف شعبه لنكون معه في السماء الى الابد امين.

  • مرات القراءة: 81
  • آخر تعديل الإثنين, 13 تشرين2/نوفمبر 2017 20:52

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.