Arabic English French Persian

لقاء الرّب يسوع مع نيقوديموس (جـــ 2) تصريح وجواب عليه

لقاء الرّب يسوع مع نيقوديموس (جـــ 2) تصريح وجواب عليه

لقاء الرّب يسوع مع نيقوديموس (جـــ 2) تصريح وجواب عليه

القس بسام بنورة

 

تصريح أو إفادة نيقوديموس الأول (الآية 2ب): التقى الرّب يسوع المسيح في أيام خدمته الأرضية بعدد كبير جدًا من النَّاس. ويعتبر لقاؤه مع نيقوديموس واحدًا من أهم هذه اللقاءات الذي تم في الأشهر الأولى من خدمة الرّب يسوع العلنية. فمجرد قيام نيقوديموس بزيارة الرّب يسوع يعتبر شهادة حية على مجد الرّب يسوع وانتشار اسمه بين النَّاس بمن فيهم القيادة الدينية والسياسية والاجتماعية في أوروشليم وفي كل أنحاء فلسطين.

 

احتل الكهنة والكتبة والفريسيون مركزًا اجتماعيًا ودينيًا مرموقًا في أيام الرّب يسوع، وكان النَّاس يأتون إليهم طلبًا للعلم والمعرفة والإرشاد والقيادة. وبالتالي لم يكن سهلًا أبدًا على قائدٍ معروفٍ ومعلِّم قدير وشيخ متقدم في العمر مثل نيقوديموس أن يأتي لسؤال شابٍّ صغيرٍ آتٍ من منطقة متواضعة مثل الجليل. لقد كان على نيقوديموس أن يتغاضى عن منصبه كرئيس لليهود (الآية 1:3)، ومعلِّم لإسرائيل (الآية 10:3)، وكذلك أن يحطم الحواجز الاجتماعية والتقاليد المتوارثة عبر أجيال عديدة في سبيل لقائه مع رب المجد يسوع المسيح.

 

وحتى اليوم، ما يزال رجال الدين بأنواعهم ومراكزهم وألقابهم المختلفة يحتلون مركزًا اجتماعيًا ودينيًا مرموقًا بين النَّاس، ولذلك نراهم أكثر النَّاس دفاعًا عن الوضع القائم (Status quo) بكل ما فيه من قيود دينية وتقاليد متوارثة، وذلك خوفًا على مركزهم الاجتماعي ودخلهم المادي. وبالتالي فإنهم أكثر النَّاس بعدًا عن الرّب يسوع وتعاليمه في الإنجيل المقدس. وهم في الغالب الذين يقودون حملات الاضطهاد والهجوم ضد الكنيسة التي تبشّر بالإنجيل وتنادي بالتمسك بالكتاب المقدس والقضاء على التقاليد والتعاليم التي تختلف بشكلٍ صارخ مع إعلانات الله في الوحي المقدس.

 

من خلال الجملة الأولى التي نطق بها نيقوديموس مخاطبًا الرّب يسوع، نكتشف أنه جاء بروحٍ متواضعة وبذهن مفتوح وقلب باحثٍ عن الحق. فقد قال للرَّب يسوع: "يا معلم"، أي أن نيقوديموس معلم إسرائيل وضع نفسه في مكانة الطالب والتلميذ الباحث عن المعرفة والحق من شخص كان مرفوضًا تمامًا من قبل جماعة المعلمين والقادة الدينيين في أيامه. إن عبارة "يا معلم" هي في الأصل العبري רַבִּי (راباي)، وكانت تدل على احترام كبير وتقدير مميز للقيادة الدينية في أيام المسيح، فطالب الشريعة كان يخاطب معلمه بلقب רַבִּי (راباي) من دوافع الاحترام والتقدير والاعتراف بمكانته المميزة كمعلم لشريعة الله.

 

يتوقع الرّب يسوع أن نأتي إليه دائمًا بروح التواضع والانكسار، وليس بروح التكبر والافتخار. فمهما بلغنا من علم ومعرفة وغنى وجمال وقوة، فإننا نبقى حتمًا بشرًا ضعفاء وكأننا لا شيء أمام عظمة وقدرة ومجد وجلال الرّب يسوع. تابع نيقوديموس قائلًا: "نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ" وهذا قول مذهل نطق به نيقوديموس لأنه يدل على أمور عديدة ومهمة جدًا:

  1. 1.تدل كلمة "نعلم" على وجود مجموعة من أعضاء مجلس السَّنهدرين الذين كانوا مثل  نيقوديموس، أي كانوا على قناعة بأن الرّب يسوع كان معلمًا قد جاء من السَّماء، وبأن الآيات التي عملها ويعملها تبرهن بشكلٍ قاطع على أنه حق من حق وبأن الله معه.

 

  1. 2.كذلك تدل كلمة "نعلم" على أن نيقوديموس جاء مندوبًا أو ممثلًا لمجموعة معينة من مجلس السَّنهدرين، فهو لم يقل "أعلم كما يعلم عدد آخر من مجلسنا"، بل قال "نعلم"، أي أنه كان ناطقًا ومتكلمًا باسم المجموعة وليس باسمه فقط. لا يخبرنا الإنجيل لماذا لم تحضر كل المجموعة إلى الرّب يسوع كما جاء نيقوديموس، فهل كان ذلك بسبب الخوف أم أنهم اكتفوا بإرسال نيقوديموس بالنيابة عنهم؟ ولكنهم في جميع الأحوال حرموا أنفسهم من اللقاء مع رب المجد يسوع المسيح.

 

 

  1. 3.كما وتدل عبارة "أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ" على إيمان صريح وشهادة من بعض القادة الدينيين اليهود على أن الرّب يسوع لم يكن شخصًا عاديًا، بل أنه قد جاء من عند الله مباشرة. وهم بذلك اقروا بأن الرّب يسوع لم يكن معلمًا كذابًا أو صاحب هرطقة أو بدعة شيطانية، بل أن تعاليمه ورسالته من عند الله.

 

ما أسهل أن يتهم رجال الدين غيرهم بأن تعاليمهم هرطقة أو بدعة كاذبة، مما يحزن قلب الإنسان المتّهم وقلب الله. ولكننا هنا على الأقل نجد مجموعة من القادة الدينيين تعترف صراحة بأن الرّب يسوع كان يعلّم حق الله، وبأنه جاء من عند الله، وبأن الله معه. ولكن المشكلة أن هذه الجماعة لم تعلن موقفها الرائع هذا علنًا، أي أن النَّاس العاديين والبسطاء لم يعرفوا الموقف الحقيقي لبعض رجال الدين من شخص الرّب يسوع له المجد، وما عرفوه فقط كان الموقف العدائي والهجومي.

 

أنا أثق من كل قلبي أن غالبية مجتمعنا المسيحي المحلي في فلسطين تعلم يقينًا في داخل قلوبها أن الكنيسة الإنجيلية في فلسطين تعلِّم حق الله وبأنها تمجد اسم الله، وبأن الله معها. ومع ذلك فهم لا يريدون أن يعترفوا بذلك صراحة خوفًا من بعضهم البعض، وكذلك خوفًا من الثمن الذي في اعتقادهم قد يدفعونه في حالة اتباع الرّب يسوع مع المؤمنين في الكنيسة الإنجيلية.

 

  1. 4.وفي حديث نيقوديموس عن "الآيات" التي يعملها الرّب يسوع اعتراف وشهادة بأن أعمال الرّب يسوع كانت لمجد الله، وبأنها من الله، وليست قوة سحرية أو شيطانية. وبأَنَّ تأثير هذه الآيات كان كبيرًا بين النَّاس مما أدى إلى انتشار الخبر عنها لدرجة تأثر بها حتى أعضاء في مجلس السَّنهدرين الأعلى في أوروشليم.

 

إن العبارة الأولى التي نطق بها المعلم والرئيس نيقوديموس تكشف عن إيمان هذا الرجل بشخص الرّب يسوع، كما وتكشف عن تواضعه ورغبته في معرفة المزيد من شخص الرّب المبارك. لقد اعترف نيقوديموس أن الرّب يسوع معلمٌ، وبأنه جاء من الله، وبأن الله معه.

 

ونحن اليوم كجماعة من المؤمنين بالرّب يسوع، هل حقًا نعترف بأن الرّب يسوع هو معلمنا الأوَّل والأعظم؟ وهل نصرف ولو بعض الوقت يوميًا في مدرسة الرّب يسوع لنتعلم منه عن القداسة والحق والخلاص والحياة الأبديّة، أم أننا مثل زملاء نيقوديموس، نعرف حقيقة شخص الرّب، ولكننا نريد أن نبقى بعيدين خوفًا من النَّاس، وخوفًا من ثمن اتباع الرّب وحمل الصّليب وإنكار الذات.

 

نعرف مما جاء في يوحنا 38:19-39 أن نيقوديموس لم يقبل على نفسه أن يبقى تلميذًا سرِّيًا للرَّب يسوع، فبعد أن أسلم الرّب يسوع روحه على الصّليب، نقرأ أنّه "جَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا". بدأ نيقوديموس مشواره مع الرّب يسوع خفية لسبب خوفه من النَّاس، وبعد ثلاث سنين أعلن إيمانه في النور. وفي بلدنا بيت ساحور وأماكن أخرى في فلسطين والعالم، يوجد تلاميذ كثيرون للرَّب يسوع، وصلاتي أن يأتي اليوم المناسب وأن يكون في القريب، ليعلنوا بقوة وشجاعة بأنّهم مؤمنون وتلاميذ للرَّب يسوع المسيح له المجد. آمين.

 

جواب الرّب يسوع: الولادة من فوق: مع أنّ نيقوديموس كان محترمًا في المجتمع المحلي في أوروشليم، ولم يكن ينقصه شيء كما يظن النّاس، ولكن في نظر الرّب يسوع كان ينقصه أهم شيء في الوجود الإنساني كله، وهو الولادة من فوق. فهذا الشيخ الجليل الذي كان من رؤساء إسرائيل الدينيين، والذي كان عضوًا في السنهدرين الأعلى ومعلمًا للشريعة وللتقاليد اليهودية. والّذي كان محافظًا على العادات والتقاليد والطقوس اليهودية، كان بحاجة أن يعمل الله في حياته لكي يختبر عمليًا الخلاص والولادة الثّانية.

 

عند زيارته للرب يسوع، نجد أن نيقوديموس قد نطق بعبارات صحيحة تدل على إيمان صحيح بشخص الرّب يسوع المسيح. فقد قال للرب يسوع أنه معلم جاء من عند الله، وبأن الآيات والعجائب التي كان يعملها تدل بشكلٍ جلي على أن الله معه. أي أنه كان عند نيقوديموس إيمان صحيح بالمسيح، ولكن هذا الإيمان كان عقليًا، أي لم يكن إيمانًا خلاصيًا. إن معرفة حقائق تاريخية عن شخص الرّب يسوع ليس كفيلًا بالخلاص، فهنالك الملايين في عالمنا اليوم الذين يعرفون أن الرّب يسوع المسيح هو الله المتجسد، ويعرفون أنه ولد من عذراء، وبأنه عاش حياة مليئة بالخوارق والمعجزات، وبأنه مات على الصّليب ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وبأنه سيعود مرة ثانية ليدين العالم. إن معرفة كل هذه الحقائق لن تغير الإنسان ولن تجلب له بركة الله ولن تؤدي إلى غفران خطاياه.

 

بكلمات أخرى: إن الدين أو التدين لا يخلص الإنسان. كذلك فإن اتباع الشريعة والتقاليد والطقوس لا تغير الإنسان ولا تبدّل حالته القلبية الداخلية، ولا تنقّيه من الشر والإثم والخطيّة. يمكن لأي إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس يوميًا، وأن يصلي باستمرار، وأن يأتي إلى الكنيسة بأمانة، ومع ذلك يبقى خاطئًا وشريرًا وبدون خلاص. لذلك على كل واحد منا أن يفحص نفسه في ضوء الأسئلة التالية:

هل يوجد تغيير حقيقي في حياتي؟

هل اختبرت نعمة الله؟

هل تغير أسلوب حياتي؟ 

هل تغير فكري ودوافعي الداخلية؟

هل اختبرت غفران الله؟ 

هل أصبحت متأكدًا بشكلٍ قاطع بأنني قد حصلت على الحياة الأبديّة؟ 

إذا كانت إجاباتنا على هذه الأسئلة جميعها بالإيجاب، فنحن إذًا نسير مع الرّب يسوع، ولكن إن كانت هناك إجابة واحدة سلبية، فنحن ما نزال بحاجة إلى استنارة روحية، واختبار حقيقي للولادة من فوق. 

لقد دلت كلمات نيقوديموس مع الرّب يسوع المسيح بأنه كان بحاجة إلى استنارة روحية، لأن إيمانه كان محصورًا في الأمور العقلية والمنطقية مثل التعاليم، والآيات، ومجيء المسيح من عند الله، وكون الله معه. فهذه الأمور، وإن كانت صحيحة بالكامل، فإنها لا تخلص الإنسان ولا تنقذه من العمى الروحي والفراغ الكامن في التدين والتمسك بالعادات والتقاليد.

 

كذلك دلت كلمات نيقوديموس مع الرّب يسوع على أنّه أراد معرفة السر في تعاليم وعجائب الرّب يسوع، أي أنه أراد المزيد من المعرفة العقلية، وبالتالي لم يكن مدركًا لحاجته الروحية الحقيقية.

 

أمام هذا الواقع الذي كان عليه نيقوديموس، واستجابة لسؤاله، عمل الرّب يسوع المسيح له المجد على تغيير اتجاه الحوار إلى الحديث عن حاجة الإنسان الحقيقية، وهي الحاجة للولادة الثّانية أو الولادة من فوق. حيث أجاب على سؤال نيقوديموس قائلًا: "ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ" (يوحنا 3:3).

 

يعلّمنا الرّب يسوع المسيح هنا درسًا عظيمًا في كيفية الحوار مع الناس، وهو أن نوجّه الحديث إلى حاجة الناس الحقيقية. فعندما يبدأ الناس في الحديث عن الأمور العقائدية أو الدينية، علينا أن نجيب بطريقة حكيمة تقود المستمع إلى إدراك حالته الروحية الخاطئة وحاجته إلى الغفران والخلاص والتجديد. فما أسهل علينا أن نتورط في الحديث عن موضوع معيّن، وقد نأتي ببراهين عقلية وكتابية كثيرة تبين صدق ما نقول، ولكن هذا لن يحدث تغييرًا في حياة المستمع، فقد نكسب الحوار ولكننا نخسر المتحدث معنا. ولذلك علينا أن نقتدي بشخص الرّب يسوع لكي نساعد الذي يتحدث معنا في إدراك حاجته الحقيقية.

  • مرات القراءة: 72
  • آخر تعديل الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 16:10

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.