Arabic English French Persian
كيف يندم الله وهو لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ؟

باسم ادرنلي

    

يقدم النقاد اعتراضين بخصوص عبارة "ندم الله" في بعض الترجمات، مثل آية:  ‏"فلما رأَى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على الشرِ الذي تكلم أَن يصنعه بهم، فلم ‏يصنعه" (سفر يونان 3: 10).

‏‏    الاعتراض الأول: يعترض النقاد على كلمة "ندم" حينما تُنسب لله، فيتسائلون: كيف يمكن أن يندم الله؟ هل عمل شيء وأخطأ فيه، ومن ثم ندم وتراجع عنه؟ هل هذا التعبير يليق ‏بالله؟

    الرد: إن النقاد يحاولون أن يسقطوا على النصوص بأن معنى كلمة "ندم"، أن الله أخطأ، ومن ثم ندم ‏كالبشر!! وهو ادعاء مخطئ ومغلوط، وذلك للأسباب التالية:‏

أولاً: من جميع معاني كلمة "ندم"، كما سنرى بعد قليل واستخداماتها في الكتاب ‏المقدس، نستنتج أن المقصود بالكلمة هو: شفقة الله على حالة البشر عندما يؤدبهم بسبب شرهم وخطأهم، مما يثير ميول الله لأن "يندم" أو يتراجع ‏عن إدانتهم بالبؤس والشقاء عندما يتعلمون الدرس ويتوبو، لأنه يحبهم ويريد لهم التوبة والتغيير، للنجاة ‏من الهلاك. ولا تحمل أي آية من الآيات، الندم بمعنى التوبة أو الرجوع عن الخطأ كما يدعي النقاد!!

   

ثانيًا: هناك اختلاف جذري بين كلمة "ندم" بالعربية، التي ليس لها أي استخدام آخر سوى معنى الندامة ‏الفعلي، وكلمة "نيحَم" التي لها معاني كثير جدًا كما نرى في نهاية المقال (يعزي، يندم، يتراجع، يتأسف، ‏يشفق، يترأَّف، يستريح). فالنقاد يتعاملون مع كلمة "نيحَم" وكأنها نفس كلمة "ندم" التي لها معنى واحد ‏ضيق في العربية!! وهذا خطأ كبير؛ لذلك لا يمكن أن تُقارن كلمة "نيحَم" العبرية، بكلمة "ندم" العربية، ‏بسبب ضيق معنى الكلمة في العربية!! ‏

ثالثًا: لو كان معنى كلمة "نيحَم" التوبة عن الخطأ، فمن المنطقي أن يستخدمها الكتاب للإشارة إلى توبة ‏البشر أيضًا.  لكن نرى في نهاية المقال شيئًا فريدًا جدًا، وهو أن استخدام الكلمة في الكتاب بعمنى ‏‏"التراجع" اقتصر بشكل عام فقط على الله، وليس على البشر، سوى ربما مرة واحدة من 28 مرة، وحتى ‏استخدامها في تلك المرة، أتى بمعنى التراجع أيضًا وليس التوبة:‏ ‏"... لئلا يندم (ينحَم - بمعنى يتراجع، يغير رأيه). الشعب إذا رأَوا حربًا ويرجِعوا إِلى مصر" (سفر الخروج 13: 17). ‏ وهذا يؤكد أنها لا تحمل معنى التوبة أو الرجوع عن الخطأ، لأن الكتاب يستخدم كلمة أخرى تمامًا عندما ‏يتكلم عن توبة البشر، وهي كلمة "شاف" (مثل: "توبني فأَتوب (أشوف)" سفر إرميا 31). وهذا ‏يبرهن أن المعترضين مخطئين تمامًا في حجتهم!!‏ ‏ 

الاعتراض الثاني: يرون في الآيات التي تصف الله بأنه "ندم" تتناقض مع قول نفس الوحي عن الله: "وأيضًا نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنسانًا ليندم" (1صم15: 29). فكيف يقول الكتاب عن الله أنه ندم، وفي نفس الوقت، أنه لا يندم كالبشر؟؟

الرد: إن الناقد لا يميز بين أمرين هامين جدًا، من جهة شخصية الله!!

الأول، هو تراجع الله في مجازاته ‏للإنسان بحسب تغيير سلوكه، وهذا أمر طبيعي،

الثاني هو تراجع الله عن أمور تعكس تغيير في ‏شخصيته، وصفاته وعدالته؛ وفي هذا، الله لا يمكن أن يندم ولا يتراجع أبدًا. لذلك عندما نتعرض لنص ‏يذكر كلمة "نيحَم"، يجب أن نميز عن ماذا يتكلم الوحي عندما يقول أن الله لا يندم كالبشر، وعن ماذا ‏يتكلم عندما يقول أن الله يندم أو يتراجع. الأول، تراجع الله في مجازاته للإنسان بحسب تغيير سلوكه، إن مجازات الله للإنسان متغيرة وذلك بسبب تغيير أفعاله، وهذا أمر طبيعي وبديهي، فحينما ينقلب سلوك ‏البشر من الصالح للطالح، الله يتراجع في بركاته على الإنسان، ويبدأ حالة تأديب وعقاب له، لأنه يحبه ‏ويريد أن يغيره لئلا يَهلَك. وعندما يتغير قلب الإنسان ويتوب، يتراجع الله عن التأديب الذي أنزله به، ‏ويرجع بيد البركة والنعمة عليه. إن هذا يشكل معنى جميع الآيات التي تعرض عبارة "ندم الله"، فهي تتكلم ‏عن تراجع الله عن عقابه للبشر الخطاة، عندما يتوبون. وهذا المفهوم يتلخص بوضوح في الآيات التالية ‏التي قالها الله على فهم نبيه إرميا، ليعلن عن طبيعته لنا:‏ ‏"تارة أتكلّم على أمةٍ وعلى مملكةٍ بالقلع والهدم والإهلاك، فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن ‏شرِها، فأَندم (فنحمتي) عن الشر الذي قصدت أَن أَصنعه بها، وتارة أَتكلم على أمةٍ وعلى مملكةٍ بالبناء ‏والغرس، فتفعل الشر في عيني، فلا تسمع لصوتي، فأندم (فنحمتي) عن الخيرِ الذي قلت إِني أُحسن ‏إليها به" إرميا 18.  إذًا هذا التراجع، هو شيء ضروري لله، لأنه المسؤول على إدارة الكون الذي نعيش فيه، لكي يقوِّم ويُصحِّح ‏سلوك البشر على الأرض، ليهديهم لطريقه الصحيح.‏

الثانية، عدم تراجع الله إطلاقًا عن أشياء تختص بطبيعته ومبادئه وحكمه: إن الله لا يتراجع عن صفاته ‏ومبادئه وحكمه النهائي العادل أبدًا، لأنه إله كامل. فلا يوجد استئناف أو تغيير أو رجوع عن أحكام الله! ‏لأن الكامل لا يبالغ، أو يخطئ أو يعطي أنصاف حلول أو ما شابه ذلك!!‏ سنورد النصوص التي تصف الله بأنه لا يندم، ونحللها لكي نعرف عن ماذا يتكلم الوحي فيها:  ‏"ليس الله إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسانٍ فيندم. هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلّم ولا يفي؟" (سفر العدد 23: 19).‏ إن خلفية النص هي، أن ملك موآب بالاق بن صفورة، دعا بلعام بن بعور، وطلب منه أن يلعن شعب ‏إسرائيل. فقال له بلعام أنه سوف لا يلعن الشعب، بل سيقول ما يأمره به الرب، وكانت النتيجة أن بلعام ‏بارك شعب إسرائيل بدلاً من أن يلعنه، لأنه هكذا أمره الله. وبعدها أخذه بالاق إلى مكان آخر، ظنا منه أنه ‏بتغير المكان سيتغير قول الله! وطبعًا لم يتغير قول الله، لهذا يقول بلعام لبالاق الآية أعلاه، أن الله ليس ‏مثل إنسان ليرجع برأيه "يندم"، ويغير آرائه ومواقفه الخلقية! فمواقف الله كاملة وثابتة لا يمكن أن يتغير ‏بها! لأن تغييرها يضرب بكماله عرض الحائط. وقانونه هو أن التقي يستحق البركة، فلا يمكن أن يغير ‏الله قانونه كالبشر أبدًا.

    لنرى الآية الثانية التي يستعرضها النقاد، وهي: ‏"وأَيضًا نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنسانًا ليندم" (1 صم 15: 29).‏ نرى من خلفية النص أن الله أمر الملك شاول أن يحارب عماليق وأعطاه تعليمات معينة، لكنه لم يطع أمر ‏الله، لذلك أصدر عليه حكم بالعزل من المُلك وتعيين داود مكانه، لذلك الآية التي قبل الآية أعلاه تقول: ‏"فقال لَه صموئيل: «يمزق الرب مملَكةَ إسرائيل عنك الْيوم ويعطيها لصاحبك الّذي هو خير منك (أي ‏داود)" (1صم 15: 28).  وهذا ما قلنا أعلاه، لا يوجد عند الله استئناف كالقضاة الأرضيين، أو تغيير أو رجوع عن أحكامه! لأن ‏الكامل لا يبالغ، أو يخطئ أو يعطي أنصاف حلول أو ما شابه ذلك!! لأنه قبلما يصدر الله قانون أو حكم، ‏يكون كلي العلم بأبعاده وأسبابه، ولا يتراجع عنه أبدًا. وهذا الحكم ليس تأديبي أو عقابي كالحالة الأولى، بل ‏حكم يختص ما هو أفضل لشعبه في ذلك الوقت، لذلك لا تراجع فيه. وهذا الحكم يختلف تمامًا عن الأحكام ‏المؤقتة التي يضعها الله على البشر حينما يخطئون بهدف التوبة والرجوع؛ كما نرى من كل الاستخدامات ‏لعبارة "ندم الله"، ماذا يعلمنا هذا عن شخصية الله من جهة صفاته وأخلاقياته؟ إن هذا يعلمنا أن كلمة الله لا يمكن أن تتغير بخصوص صفاته وقوانينه الأدبية أبدًا. فعندما يقول لآدم عن ‏شجرة معرفة الخير والشر: "يوم تأكل منها موتًا تموت" (سفر التكوين  2: 17)؛ لا يمكن أن يتراجع "يندم" الله عن ‏قانونه أبدًا ويغفر لآدم دون أن يموت. لذلك كان يجب أن يأت المسيح، ويسميه الكتاب آدم الأخير، ‏ليموت عن موت آدم الأول ونسله. وعندما يقول الكتاب أن الله يحب الإنسان، لا يمكن أن يبغض الإنسان ‏أبدًا مهما فعل!! ربما يبغض أفعاله الشريرة، لكن لا يبغضه شخصيًا لأنه يحبه، ومحبته له ثابتة، كاملة، ‏لا ندامة فيها، ولا تغيير. لأنه بتغيير محبة الله للإنسان، يظهر تغيُّر في طبيعته ومبادئه، ويظهر تقلب في ‏مشاعره، وهذا يقلل من شأنه، ويجعله في مستوى البشر.   

المعنى لكلمة "ينحَم": ‏ الكلمة في قاموس سترونغ (‏Strong‏) تعني:  ‏(الجذر الأساسي) يعني أن يتنهد، يتنهد بشدة، (وبشكل متفاعل) يتأسف، (وتعني من ناحية إيجابية) ‏يشفق، يواسي، أو (كفعل مفعوله نفس فاعله) يأسف؛ أو (من ناحية سلبية) يقسى (على ذاته)، يعزي ‏‏(الذات)، يهوِّن (على الآخر)، يندم (يجعل الآخر يندم، أو الذات).   

وفيما يلي استعراض للأشكال المتعددة التي ترجمت بها كلمة "نيحَم"، ومشتقاتها في الكتاب: ‏

يعزي:‏ وهذا المعنى يشكل أكثر استخدام للكلمة في الكتاب المقدس:  ‏"ودعا اسمه نوحًا، قائلاً: «هذا يعزِينا (ينحَم) عن عملنا وتعب أَيدينا من قبل الأرض التي لعنها ‏الرب». (سفر التكوين 5: 29 ). أيضًا "فتعزى (ينحَم) إِسحاق بعد موت أمه" (تك24: 67) (كذلك تك 37: ‏‏35، را 2: 13، مز 23: 4، 60: 20 ...الخ)

يندم، يتراجع:‏ (خر13: 17، 32: 12-14، يونان 3: 10، قض 2: 18، مز106: 45.... إالخ)

يحزن يتأسف:‏ (تك6: 6، قض 21: 6)

يشفق يترأف:‏ (تث 32: 36، مز 135: 14).‏

أستريح:‏ ( اش 1: 24).

 

هل الله يستريح ويندم ؟

 

هل الله يندم في الكتاب المقدس ؟

للمزيد:

ماذا يعني الكتاب بتعبير "ندم الله" ؟

هل الله يطلب إذلالنا حتى نصوم له؟ هل تجويع الإنسان نفسه يشبع قلب الله؟

المفهوم الصحيح عن الله

كيف حزن الرب وتأسف في قلبه ؟

بشاعة الخيانة: طلب يهوذا لذّة وقتية فنال حسرة أبديّة

النبي الكذاب يمجد نفسه بدلاً من الله

هل يعقل أن يولد الله؟!

ما معنى قول المسيح "أبى أعظم مني" ؟

أولئك هم الوارثون

كاتب القرآن يؤكد أن المسيح الرب لم يتكبر أن يكون عبداً

هل كان للمسيح وجود سابق على ميلاده من العذراء ؟