Arabic English French Persian

هل الله يطلب إذلالنا حتى نصوم له؟ هل تجويع الإنسان نفسه يشبع قلب الله؟

هل الله يطلب إذلالنا حتى نصوم له؟ هل تجويع الإنسان نفسه يشبع قلب الله؟

هل الله يطلب إذلالنا حتى نصوم له؟ هل تجويع الإنسان نفسه يشبع قلب الله؟

د. إيهاب ألبرت

   سألني صديقي المتشكك:

   كثيرًا ما أرى إلهكم كأنه شخصية سادية تتمتع بوجع الإنسان ألمه. كما يفرح عندما يرى الإنسان- صنعة يديه - جائعًا باكيًا متألمًا، فيطالبه بصوم أكثر. ماذا يعنى له الامتناع عن الطعام والشراب؟ أليس جسدي هذا من خلائقه، فإن كان هو الصانع ومنظم فسيولوجية الأكل والشرب له كشرط الاستمرار في الحياة، وبعد هذا يطالبه بالصوم والامتناع عن الزاد؟! هل يمكن لمهندس قد صمم سيارة تسير بالبنزين أن يطالبها بالسير من دون وضع الوقود في خزانها؟!

   وهل يستجيب الله طلباتنا عندما يرانا في حالة الجوع والعطش؟ هل الهدف هو الذل والكسر حتى يسمع لنا؟ يا له من فكر عجيب عن هذا الإله!!.

   الرد:

   عندما لا نفهم فكر الله عن أي أمر ما حينئذ نطلق الاتهامات ونتخيل أفكارًا غير صحيحة عن الله العادل المحب. نحتاج أن نفهم معنى الصوم في إيماننا المسيحي وطريقته وبركاته حتى نفهم ما في قلب الله من نحونا ونتعلم عن فكرة السامي من نحونا.

   أولًا: معنى الصوم:

   هو الامتناع الكلى أو الجزئي عن الطعام والشراب بهدف الاتضاع أمام الرب.

   لقد قالها رب المجد يسوع في ناسوته على الأرض عندما جاع بعد الصوم لمدة 40 يومًا: "وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت4: 4).

   ففي الصوم يعلن الإنسان رغبته في ترك اهتمامات الجسد لكى يتفرغ للروح. يعلن فيه أن قلبه لا يسعى للأرضيات، بل السماويات. ويؤكد للجسد أن سلطانه محدود ونهايته فانية، لهذا يمتنع عن ملذاته لكى يتجه إلى الروح والشبع بكلمة الله.

   كما أن الصوم يعلن عن الاتضاع أمام الرب ليطلب وجهه ويلتمس قوته، حتى يقفز فوق ظروف الحياة المختلفة وكى يمتلك قوة روحية وسلطانًا على كل قوات الشر. هكذا أعلن الرب يسوع لتلاميذه: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" (مر9: 29).

   فالصوم قوة وليس ضعفًا. والصوم سلطان وليس إذلالاً. الصوم اتضاع دون كسرة. وحياه الصوم هي حياه تخلق في السماويات وتشبع بالخبز الحى النازل من السماء وتبحث عن كلمة الله المشبعة. حياة الصوم مليئة بالشركة العميقة مع الله وبالصلوات الحارة المفرحة، لهذا يجب أن يصاحب الصوم ثلاثة أمور مهمة:

ثانيًا: أركان الصوم

1-    التوبة: فبدون التوبة القلبية لا يمكن أن يكون هناك صوم. والتوبة في جوهرها تعنى الندم عن الخطية ويصاحبها قرار بعدم العودة إليها مرة أخرى مع إصرار بالرجوع للرب من كل القلب.

   هذا ما حدث في أيام صموئيل النبي "وصاموا في ذلك اليوم وقالوا قد أخطأنا الى الرب" (1صم7: 6)، وأهل نينوى بعد أن سمعوا مناداة يونان، فتحرك الملك مع كل الشعب ونادوا بصوم "لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئًا لا ترع ولا تشرب ماء وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذى في أيديهم لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك" (يون3: 7، 8).

فالصوم دائمًا يرتبط بالتوبة وهكذا فسر موسى صومه 40 يومًا "ثم سقطت أمام الرب كالأول أربعين نهارًا وأربعين ليلة لا أكل خبزًا ولا أشرب ماء من أجل خطاياكم التي أخطأتم بها" (تث9: 18).

2- الصلاة: الصوم يقترن دائمًا بالصلاة . فإن أجعت نفسك عن الطعام والشراب دون أن تتقابل مع إلهك فلن تنتفع شيئًا. وهكذا نادى يوئيل النبى: "قدسوا صومًا نادوا باعتكاف اجمعوا الشيوخ جميع سكان الأرض إلى بيت الرب إلهكم واصرخوا إلى الرب" (يؤ1: 14) وهكذا صلى دانيال: "فوجهت وجهى إلى الله السيد طالبًا بالصلاة والتضرعات بالصوم والمسح والرماد" (دا9: 3).

   ملحوظة مهمة: لا يأتى أمر كتابى واضح بالصوم أو لفظ (صوموا) لكن طالبنا بالصلاة (اسهروا وصلوا) ولكن قال السيد في الموعظة على الجبل (متى صمت) لأن الإنسان يدرك أهمية اصطحاب الصلاة بالصوم.

   3- الاتضاع: والاتضاع يعنى إزالة كل كبرياء وذات والحضور أمام الله في اتضاع ومخافة. والاتضاع

لا يعنى الإذلال. والصوم المسيحى لا يعنى إذلال النفس بل اتضاع النفس. فهو ليس قهرًا بل تواضعًا ومخافة للرب. والاتضاع يصل بنا إلى قلب الله. وهكذا صلى عزرا في ضيقة "ناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكى نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه طرقًا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل ما لنا" (عز8: 21).

   ثالثًا: أنواع الصوم

1 - صوم مطلق: أي الامتناع الكامل عن الطعام والشراب والمياه أيضًا، لكن هذا لا يستمر طويلًا فلا ينصح به أكثر من ثلاثة أيام فقط.

2-    صوم كامل: أي الامتناع عن الطعام، لكن يكون هناك سوائل أو مياه ويمكن أن يستمر لفترات طويلة.

3-    صوم جزئي: وهو يعنى الامتناع عن الطعام الشهى الغنى بالبروتين الحيوانى، وغالبًا ما يكون الطعام بسيطًا لوجبة واحدة أو اثنتين يوميًا على الأكثر. كما صام دانيآل قائلًا: "لم أكل طعامًا شهيًا ولم يدخل فمى لحم ولا خمر ولم أدهن حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام" (دا10: 3).

   رابعًا: سيكولوجية الصوم

   إن أعداء الإنسان روحيًا هم العالم والجسد والشيطان.. والمقصود بالجسد هو شهوة الجسد (1يو2: 16)، فالجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد وكلاهما يقاوم أحداهما الآخر (غل5: 17). وهكذا تدفعه الغريزة الجسدانية الشهوانية لهذا يأتي الصوم ويكسر قوة هذه الشهوة ليتحرر الإنسان من سلطان وجبروت الجسد لتنطلق الروح في سماء الروحيات.

   لهذا يقول بولس الرسول "أقمع جسدي وأستعبده" (1كو9: 27) وهى تعنى لا إذلاله، بل ترويضه وتدريبه على أن يسير في مخافة الرب خاضعًا لعمل الروح.

كما أن الصوم تدريب روحي في برية الحياة. فعندما تنتصر على شهوة الطعام نمتلك قوة وإرادة الامتناع عن الشر ورفض الخطية وكل أعمال إبليس. لقد سأل تلاميذ يوحنا الرب عن صوم التلاميذ فقال لهم: "أتقدرون أن تجعلوا بنى العرس يصومون مادام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام" (لو5: 34، 35).

   والجدير بالملاحظة أن الرب على جبل التجلي أعلن ذاته بهيئة مجيدة للتلاميذ وظهر معه موسى وإيليا. والثلاثة تحدثوا معًا على الجبل في مشهد بديع لأنهم هم الثلاثة من مارسوا الصوم لمدة أربعين يومًا وليلة، فكانوا أصحاب قامة روحية ومجد سماوي.

   دعونا نعود إلى الصلاة والصوم لنمتلك نصرة جديدة في حياتنا وخدمتنا وكنائسنا.

الموعظة على الجبل

 

عظم تعاليم السيد المسيح /موعظة الجبل

للمزيد:

اللهم أني صائم

الصوم: الدّوافع والظّواهر والنّتائج

يسألونك عن المسيح، قل: هو الله

نصيحة واجبه لكل صائم عن أضرار الصيام فى رمضان

رمضان أو الصوم الإسلامي هو شخبطة و لخبطة لجسد الصائم

الإسلام هو المُشكل وليس هو الحل

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.