Arabic English French Persian

لماذا ألغي المسيح تعدد الزوجات من الكتاب المقددس ؟

لماذا ألغي المسيح تعدد الزوجات من الكتاب المقددس ؟

إيهاب ألبرت

لماذا ألغى المسيح تعدد الزوجات؟

لماذا لا يتزوج المسيحي اثنتين وثلاث؟

ألم يفعل الآباء هكذا في العهد القديم؟

     سألنى صديقى المتشكك: إنى أتعجب من مسيحكم؟. لماذا ألغى تعدد الزوجات فى العهد الجديد؟. ألم يقل إنه لم ينقض الناموس، بل أتى ليكمله؟! وكان العهد القديم كله يسمح بتعدد الزوجات؟ فلماذا ألغاه المسيح؟

     كما أن كثيرًا من أنبياء العهد القديم تزوجوا بأكثر من امرأة. فموسى تزوج من امرأتين وهو من ائتمنه الله على الشريعة والناموس. وأيضًا داود تزوج بأكثر من زوجة. كما أن إبراهيم تزوج بثلاث زوجات وسليمان تزوج بمئات الزوجات. وجدعون أيضًا، فلماذا أغلق المسيح على هذا كله ومنع التعدد؟

     كما أن الإكثار والإثمار الذى كان يطالب به الله آدم يحتاج إلى هذا التعدد فى الزيجات حتى يملأوا الأرض ليعمروا ويسكنوا أرضنا. لماذا يأتى العهد الجديد بما يتعارض مع العهد القديم؟ أليس هذا تناقضًا؟

     الرد:

     إذا أردنا أن ندرك شريعة الزوجة الواحدة فى المسيحية نحتاج أن نسرد أولاً كلمات الرب يسوع عن هذا الحق ونربطها بالحالة الأولى فى بداية خلق الإنسان.

قال الرب يسوع: "أما قرأتم أن الذى خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى، وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا إذًا ليس بعد اثنين، بل جسدًا واحدًا، فالذى جمعه الله لا يفرقه الإنسان" (متى19: 4-6).

وهكذا أيضًا يسجل الوحى المقدس بقلم البشير مرقس "من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية لكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسدًا واحدًا، فالذى جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مر10: 5-9).

     ماذا كان فى البدء:

     لقد خلق الله آدم ليكون على صورته كشبهه، ليكون نموذجًا حيًا لحياة الله فى القداسة والنقاوة وظهر هناك الاحتياج أن يكون له معين نظيره "وقال الرب الإله: ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينًا نظيره. فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم؛ فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا وبنى الرب الإله الضلع التى أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه عظم من عظامى ولحم من لحمى هذه تدعى امرأة لأنها من امرء أخذت لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا" (تك2: 18-24).

     وكان آدم وحواء فى جنة عدن فى حالة النقاوة الكاملة وهكذا كان أول زوجين. ذكرًا وأنثى خلقهم وباركهم الله وقال لهم اثمروا وأكثروا واملأوا الأرض (تك1: 27-28). فكانت حياتهم فى نقاوة وعلى استعداد على الإكثار والإثمار ويعلق الله نفسه على ما عمل: "ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا وكان مساء وكان صباح يومًا سادسًا" (تك1: 31).

     لم يخلق الله إلا آدم واحد وحواء واحدة، وكان آدم هو الزوج الوحيد لحواء كما أن حواء هي الزوجة الوحيدة لآدم.

     ويسجل العلامة ترتليانوس، هذا الحق: "إن أصل الجنس البشرى يزودنا بفكرة عن وحدة الزواج، فقد وضع الله فى البدء مثالاً تحتذيه الأجيال المقبلة، إذ صنع امرأة واحدة للرجل، على الرغم من أن المادة لم تكن تنقصه لصنع آخريات ولا كانت تنقصه القدرة ومع ذلك لم يزد عن امرأة واحدة".

     كما أن وحدة الجسد "يصير الاثنان جسدًا واحدًا"، فالاثنان يتحدان معًا فى جسد واحد ووحدة واحدة ولا يمكن أن يكون هذا مع ثلاث أو أربع.

     كسر البشرية لهذا المبدأ:

خرج آدم وحواء من الجنة بسبب السقوط وأنجبا قايين وهابيل وانتهت أول قصة إخوة بالقتل، فقام قايين على هابيل وقتله، وأتى أيضًا من نسل قايين القاتل ابن اسمه لامك وهذا هو أول إنسان تزوج بامرأتين "اتخذ لامك لنفسه امرأتين" لامك سافك دماء أيضًا لهذا قال لزوجتيه: "إنى قتلت رجلاً لجرحى وفتى لشدخى إنه ينتقم لقايين سبعة أضعاف، أما للامك فسبعة وسبعين" (تك4: 23-24).

وهكذا دخل القتل والزنى إلى الجنس البشرى وهذا ما أثار غضب الله على البشرية، فأفناها بالطوفان لأن شر الإنسان قد كثر.

أعاد نوح الكرامة والنقاوة للزواج، فتزوج نوح زوجة واحدة وكذلك أولاده الثلاثة كل واحد وزوجته، فدخل إلى الفلك ثماني أنفس فقط (1بط3: 20)، (تك7: 13) وهكذا أعاد الله شريعة الزوجة الواحدة.

     انحدار الجنس البشرى:

     أخطأ نسل نوح وانحدروا إلى الزنى والشذوذ الجنسى ببشاعة، حتى ظهرت فى التاريخ سدوم وعمورة كعلامة على الفساد الأخلاقى المتأصل فى قلب الإنسان الشرير، فأهلك الرب سدوم وعمورة وأحرقها بالنار وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء فى الدعارة" (2بط2: 7).

     كما أيضًا ظهرت خطية أخرى وهى الزنى الروحي بعبادة الأصنام. وارتبطت عبادة الأصنام بالنجاسة والشهوة وهكذا تطورت البشرية فى البعد عن الله من سئ إلى أسوأ. فماذا يفعل الله؟ هل يفنى الإنسان مرة أخرى من على وجه الأرض ويعيد قصة الطوفان وسدوم وعمورة؟ لكن كانت رحمة الله أسبق لتبحث عن حل لإصلاح الإنسان بدلاً من إهلاكه.

     يقول قداسة البابا شنودة: "كان لابد من سياسة تدرج لإنقاذ الإنسان". فانتقى الله إبراهيم لكى يجعله نواة شعب جديد ينشأ بتربية إلهية خاصة. ليكون شعبًا خاصًا نقيًا له وسط الشعوب الوثنية التى تملأ الأرض ونظرًا لحالة البشرية المنحطة لم يثقل الله بوصايا صعبة، فأرسل الله الشريعة إلى موسى ليحد وينظم الكثير من هذه الزيجات وضيق جدًا على الشعب بالناموس لينظم عملية الزواج، فحرم الله فى الناموس زواج الأخت الذى كان شائعًا كما منع زواج أختين معًا (لا18) كما وضع حدودًا للزواج، أكثر من 17 حالة منع للزواج والعلاقات، فلم تعد الأمور مطلقة كما فى القديم. كما أمر بالابتعاد عن النساء فى ظروف روحية معينة وحتى بين الزوجين نظم لهما هذه العلاقة حتى يكون لهما فرصة للعبادة (لا22، 23)، وهذا يطهر الزواج من الشهوة والهوى، بل كما كتب كاتب العبرانيين: "ليكن الزواج مكرمًا عند كل واحد والمضجع غير نجس وأما العاهرون والزناة فسيدينهم الله" (عب13: 4).

     لهذا كان من غير المعقول أن يعطى الله الناس شريعة فوق مستواهم لا يستطيعون تنفيذها. لكن كان هناك تدرج ليبدأ الله بنقطة معقولة حتى يصل بهم ممسكًا بأيديهم إلى الكمال والنضج فى الزواج الذى قدمه الرب يسوع المسيح فى العهد الجديد.

     سبب آخر لترك الله تعدد الزيجات فى العهد القديم "مقاومة الوثنية"

   لأن الله يحتاج أن يعزل شعبه عن الشعوب الوثنية المحيطة به، بل أكثر من هذا لابد أن يصمد شعب الله أمام الشعوب الوثنية القوية من حوله، فلا ينهزم أمامهم، بل أيضًا يستخدم الله شعبه للقضاء على هذه الشعوب الوثنية فيما بعد كما عمل مع يشوع ودخوله أرض كنعان لتحريرها وامتلاكها.

     لهذا كانت هناك حاجة لكثرة النسل وهذه كانت بركه وعد بها الله إبراهيم "أجعل نسلك كتراب الأرض (تك13: 16)، انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها هكذا يكون نسلك" (تك15: 5)، ووعد الله صريحًا لإبراهيم "لأنى أجعلك أبًا لجمهور من الأمم" (تك17: 5).

     وهكذا أيضًا كان انتظار شعب الله قديمًا هو مجيء المخلص بعد انقسام المملكة والسبي، فالكل يطلب أن يأتى المسيا من نسله لأنه هو انتظار كل إسرائيل فتسابق الآباء فى تقوى وقداسة للإنجاب، حتى يأتى المسيا المنتظر ليخلصهم ويعيد إليهم مملكة شعب الله. يعلق القديس أوغسطينوس على هذا: "فاشتعلت النساء القديسات ليس بالشهوة وإنما بالتقوى للإنجاب"، وهذا ما جعل الرغبة في الإنجاب روحية وليست جسدية في زمانها ولهذا كان قديمًا عدم الإنجاب يعد عارًا.

أعاد المسيح للزواج كرامته وقدسيته كما كان فى البدء:

لقد أتى المسيح ليعيد الإنسان إلى حالة النقاوة والقداسة الأولى، كما كان آدم وحواء فى جنة عدن كما ليعيد للزواج كرامته ونقاوته. فالزواج أمر طاهر ومقدس لكونه اتحادًا روحيًا ونفسيًا وجسديًا بين رجل وامرأة ليصيرا بعمل الروح القدس واحدًا، إذًا ليس بعد اثنين، بل جسدًا واحدًا. ولا يمكن أن يكون هناك جسد ثالث وسطهما. ولا يكسر هذا الاتحاد شيء إلا علة الزنى التى تعنى دخول طرف آخر فى الجسد ليفسده ويبطل وحدته، كما أنى أرى هذا يعطى كرامة وسلامًا اجتماعيًا وسط البيت المسيحي، لأنه مبنى على الإخلاص والقدسية التى تطمئن كل طرف نحو الآخر وتضفى سلامًا وطمأنينة فى قلب الزوجين والبيت، فيعيشان معًا فى اتحاد وسلام ينعم به أيضًا أولادهما.

     لهذا يطلب الرسول بولس بالروح القدس: "يجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأة واحدة صاحيًا عاقلاً محتشمًا" (اتي3: 2)، "ليكن الشمامسة كل بعمل امرأة واحدة مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا" (1تي3: 12).

     على النقيض، يمكننا أن نلاحظ مساوئ تعدد الزيجات فى العهد القديم من غيرة وحقد بين أفراد الأسرة. ظهر هذا بين ليئة وراحيل مع أنهما أختان. وفى فننة وحنة زوجتي ألقانة (1صم1)، كما نرى الضلال والبعد عن الله فى حياة جدعون وسليمان بسبب تعدد الزيجات لأن النساء أملن قلبهما وراء آلهة وثنية. كما نرى فى الواقع العملى تشتت الأولاد وضياع مستقبلهم وفساد أخلاقهم بسبب الانقسامات الأسرية، لهذا لم يسمح الرب يسوع بهذا كى يمتعنا بحياة الصلاة والهدوء الاجتماعي والروحي أيضًا، كما يمنحنا فرصة للتفرغ للصلاة والصوم والخدمة، فنترفع عن الهوى والشهوة إلى حياة القداسة العملية.

     من حقك تقبله سيدًا وملكًا على حياتك. وتقبله ملكًا على بيتك وأسرتك، فتعيش فى سلام وفرح مع أسرة مستقرة فى ظل مخافة الرب يسوع المسيح، فهل تقبل وتستجيب؟!.

إيهاب ألبرت

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.