Arabic English French Persian

هل اقتبس سفر التكوين قصة الخلق من الأساطير السومرية؟

هل اقتبس سفر التكوين قصة الخلق من الأساطير السومرية؟

هل اقتبس سفر التكوين قصة الخلق من الأساطير السومرية؟

د. إيهاب البرت

 

   سألني صديقي المتشكك: لو كنت قد قرأت إنجيل سومر لأدركت أن الأصحاحات الأولى من سفر التكوين هى ملخص لهذه القصة القديمة. فحضارة سومر القديمة هى المعلم الأصلي لكاتب سفر التكوين ليسجل منها فكرة الخلق الكوني وخلق الإنسان.

 

   يقول زينزن كاسيدوفسكي (فيلسوف فنيقي) بعد فك الكتابة المسمارية القديمة في الحضارة السومرية بات واضحًا وجليًا أن العهد القديم في أصحاحاته الأولي ليس هو وحي الله المكتوب بل يعود بأصله وجذوره إلى تقاليد ما بين النهرين. فهو يزدحم بالتفاصيل والقصص المسروقة من كنز الأساطير البالية القديمة.

 

 وكتب عالم الآثار الأمريكي جيمس بريتشل "بعد مقارنة رواية الخلق العبرانية في الأصحاح الأول من سفر التكوين مع رواية الخلق السومرية والبابلية" نجد تطابقًا مثيرًا للانتباه بين الروايتين فظهور السماء والأجرام السماوية وانفصال المياه عن الأرض وخلق الإنسان في اليوم السادس وراحة الإله في اليوم السابع يمثل تتابعًا متكررًا في الرواية التوراتية والرواية (أينوما إيليش البابلية).

 

   وقد كتب د. سيد القمني ما يفيد ذات المعنى.

   ولهذا لا أؤمن بالأصحاحات الأولى من سفر التكوين.

   وللرد على هذا الحديث لابد أن نوضح بعض الحقائق المهمة:

 

1-          عند قراءة إنجيل سومر وقصة الأسطورة السومرية. فهى قصة مثيرة للسخرية والدهشة لأنها تحكي عن الإله (نيهو) إله البحر ومنه نبع كل شيء وهذا الإله ولد الابن (آن) إله السماء والابنة (إنكي) إله الأرض وكان آن يحنو على إنكي بالمطر المتكرر.. لكنهما تزوجا وولدا ابنًا اسمه أنليل إله الهواء. وهذا الابن لم يطق أن يعيش في المساحة الضيقة بين الأرض والسماء (إنكي وآن) فباعد بينهما وصار الهواء يشغل الحيز بين الأرض والسماء. ثم خلق آن مجمع الآلهة لكي يعملوا في الأرض. لكنهم تذمروا من كثرة العمل وكان هذا المجمع يتكون من سبعة آلهة كبيرة وخمسين إلهًا صغيرًا ولما تذمروا قرروا خلق الإنسان من الطين الممزوج بدماء الآلهة، فكان خلق الإنسان وهكذا تأتي الأساطيرالسومرية بكثير من الأفكار المضحكة والغير معقولة ولمن لا يعرف فسومر هى أمة قديمة سكنت في بلاد بين النهرين وكانت تشغل الجزء الجنوبي من العراق. ولا يذكر اسم سومر في الكتاب المقدس. لكنه يذكر اسم شنعار (تك10: 10)، (تك11: 2)، (إش11: 11) وكانت شنعار عبارة عن مدينة سومر في الجنوب مضاعفة إليها مدينة (أكاد) في الشمال الغربي. وكانوا في فجر التاريخ 3300- 2800ق. م تقريبًا وهم أول من عملوا الكتابة السومرية على ألواح الطين والرسم بالمسمار عليها. وقد أطلقوا على كتابهم اسم إنجيل سومر. لأن كلمة إنجيل تعني كما نعرفها نحن المسيحيين بأنها (البشارة المفرحة) ولكن إنجيلهم ليس له علاقة بالمسيح من قريب أو بعيد.

 

2-          وصلت أساطير البابليين إلى مصر مثل أسطورة أدبا التي عثر عليها في قرية تل العمارنة بمدينة ملوي بالمنيا ولم يؤمن المصريون بمثل هذه الأساطير ولم يعتقدوا بها لأن لهم آلهتهم الخاصة ومعتقداتهم المخالفة لهذا. ومع أن موسى تهذب بكل حكمة المصريين إلا أننا لا نرى قصص المصريين الفراعنة في كتابات موسى. فمن كان أمينًا ولم يتأثر بما تربى فيه لن يتأثر بما سمع أو قرأ عنه من السومريين. بل على العكس كان موسى أمينًا في قيادة الشعب للرجوع للإله الواحد الحقيقي "أهيه الذي أهيه" أي الكائن الذي يكون إلى الأبد (خر3: 14).

 

3-          ما وجد من تشابهات بين سفر التكوين وهذه الأساطيرهو أن أصل القصة واحد. فقد علمها آدم لأبنائه وأحفاده ولسبب طول عمر آدم فقد قابل آدم متوشالح أي الجيل الثامن من أولاده وكان يعلمهم ويحكي لهم عن قصة الخلق الإلهي والسقوط وتناقلتها الأجيال شفاهة، لكن نسل آدم من شيث وآنوش كان أمينًا وعابدًا للرب بحق. وعلى التوازي كان هناك نسل آخر من قايين وهو نسل شرير اخترع اختراعات وقصصًا أسطورية ليترك الناس عبادة الإله الحقيقي ليعبدوا آلهة أخرى غريبة وهكذا استطاع قايين أن ينتقم لنفسه من الله من رفض ذبيحته.

 

4-          هذه الأساطير مبنية على الشرك بالله، فهى تعلن تعدد الآلهة وأن كل شيء هو إله. فالسماء إله.. والأرض إله وهكذا القمر والنجوم والجماد والحيوان.

 

وهذه الآلهة تأكل وتشرب وتنام وتصارع وتحارب بل وأبعد من هذا تتزاوج وتشتهي وتغتصب. فهل من عقل واع يقتنع بمثل هذه الخرافات في القرن الواحد والعشرين.

 

وقصة الخلق في سفر التكوين تحدثنا عن الإله الواحد الحقيقي المنزه عن المحسوسات مثل الأكل والشرب والزواج.

 

كتب المفكر جوش مكدويل: "إن الروايات البابلية والسومرية تصف الخالق باعتباره ناتجًا للصراعات التي نشأت بين الآلهة. بل والإنسان أيضًا خلق ليحمل عبء وخدمة هؤلاء الآلهة. وهذا أمر لا يليق بالله ولا يليق أيضًا بالإنسان المخلوق على صورة الله ليعلن مجده وكرامته.

 

5       - قال البعض إن الإنسانية تطورت من عبارة الآلهة إلى الوحدانية لكن الحقيقة إن الآثار أثبتت العكس، فالإنسان في فجر الحضارة كان يعرف الوحدانية وعندما تدنت أخلاقه سقط في عبادة الآلهة المتعددة.

6       - إن التشابه بين سفر التكوين وبين الأساطير في كون المياه هى المادة الأولية قبل الخليقة وهى الأولى في الكون هى مغالطة كلامية. لأن الأساطير تظهر المياه على أنها أزلية غير مخلوقة تحمل عنصر الألوهية. أما في سفر التكوين فهى مخلوقة غير أزلية. "في البدء خلق الله السموات والأرض" (تك1: 1). فالسموات بكل ما فيها والأرض وما عليها من مياه هو من صنعه أزلاً لأنه الأزلي الوحيد وكل ما عداه فهو مخلوق وهذه هى روعة الخالق وكلمة قدرته المبدعة.

 

7       - هل يمكن أن يتم الخلق عبر التزاوج والصراع والإنجاب؟ بل ويتولى عملية الخلق عدد من الآلهة متنافسين معًا في هذا الخلق؟. بل على العكس أبدع الله الخالق في خليقته يعلن عن وحدانيته ونزاهته وقدرته.

 

8       -   كتب موسى في سفر التكوين وأسفاره كلها عام 1500 ق. م تقريبًا. لكن كانت الكتابة موجودة قبل ذلك. وهذا يفسر لنا وصول قصة الخلق التي تعلمها موسى من شعب الله والنسل الحقيقي الآتي من آدم والمعروف بالأسماء والأعمار وهذا ما يؤكد دقة التسجيل والتاريخ المكتوب حتى وصل إلى موسى وقصص الآباء الأولين إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهذا يعلن دقة معلومات موسى كما يؤكد وحي الله المقدس بالروح القدس العامل في موسى يسجل لنا هذا الكتاب المقدس في سفر التكوين "لأن كل الكتاب هو موحى به من الله" (2تي3: 16).

 

9       -   هناك خلافات واضحة بين ما تسجله هذه الأساطير وبين سفر التكوين وبالأخص في خلق الإنسان.

 

فالأساطير تعلن أن الإنسان خلق لكي يخدم الآلهة. لكن سفر التكوين يعلن أن الله خلقه على صورته ليعلن مجده. كما أن الإنسان في الأساطير مخلوق من طين ممزوجًا بدم الآلهة. لكن في سفر التكوين هو من تراب ونفخ الله فيه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية. مخلوقًا على صورة الله في الخلود والقداسة والتفكير والابتكار والعمل. فالله صنع الإنسان وأعطاه كل المقومات للنجاح وأطعمه وأشبعه وليس كما تصوره الأساطير كالآلهة المستغلة لعبودية الإنسان وتهينه وتستعبده لخدمتها.

 

10- امتلأت الأساطير السومرية بأعمال السحرة والأفكار الشيطانية للسحر وهذا ما ظهر أيضًا في الفراعنة القدماء، أما موسى فقد قاوم السحرة والمنجمين وقاوم سحرهم ولا توجد أية فكرة للسحر في الكتاب المقدس.

 

11- أقول أخيرًا قرأت كثيرًا في قصص الأساطير السومرية والبابلية ولم أمتليء إلا ضحكًا وسخرية من هذه القصص التي لا تحمل لأي قداسة أو فكر عاقل أو تعليم واضح. لكني بالحق أسجد وأركع أمام الكتاب المقدس الممتليء بفكر الله القدوس الواضح والتعليم الصحيح الذي حسب التقوى لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس (2بط1: 21).

 

   لهذا أعلن إيماني بكتابي المقدس، وكلما زادت السهام الموجهة إليه كلما زاد إيماني به وتعلقي بالكلمة المقدسة النافعة والمشبعة لقلبي، ولتتحطم كل المطارق ويبقى السندان القوي، كلمة الله الثابتة إلى الأبد.

 

       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • مرات القراءة: 577
  • آخر تعديل الإثنين, 27 تشرين2/نوفمبر 2017 23:48

ترك تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) في المناطق المشار إليها.